بعد شهور طويلة على بدء التهدئة في شمال سوريا ومدينة إدلب بالتحديد، تعود اليوم إرهاصات توتر جديد في المنطقة التي ما تلبث تنتهي المعارك فيها حتى تعاود كرتها، وعلى مر شهور شهدت منطقة إدلب وريفها عملية عسكرية واسعة راح ضحيتها آلاف المدنيين على يد النظام السوري مدعومًا بآلة الحرب الروسية المدمرة، مما أدى إلى تهجير مئات آلاف السكان من قراهم ومدنهم.

بعد تلك المعركة الشرسة توصلت تركيا وروسيا إلى اتفاق أنهى المعارك العسكرية، إلا أن هذا الاتفاق لم يكن واضح المعالم، إذ لم تصدر من تفاصيله إلا رتوش أعلنت عبر وسائل الإعلام بعد لقاء الرئيسين التركي والروسي رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في روسيا بآذار/ مارس الماضي، ومنذ ذلك اليوم بقي الهدوء العسكري سيد الموقف في المنطقة، سوى بعض الاختراقات التي نفذتها قوات الأسد والحليف الروسي.

تشهد مناطق الشمال السوري مستجدات جديدة تأتي تباعًا، فتركيا تطلب من فصائل المعارضة السورية رفع جاهزيتها، وهو ما حدث مع توارد معلومات استخبارية تفيد بهجوم روسي وشيك على مناطق سيطرة المعارضة.

تعزيزات واستنفار

جبهات إدلب ودرع الفرات في ريف حلب الشمالي، هي الجبهات التي يُتوقع أن تتعرض لهجوم من قوات النظام السوري بدعم روسي، وفي السياق قال النقيب ناجي مصطفى المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير، إحدى تشكيلات الجيش الوطني: "هناك تحركات لقوات النظام والميليشيات الرديفة على بعض جبهات القتال في مناطق ريف حلب وإدلب".

ونشر موقع "تلفزيون سوريا" عن مصادر في المعارضة السورية قولها، إنه "من المحتمل أن تشن روسيا هجومًا ذا غاية تفاوضية، للضغط على تركيا وتهديدها مقابل إنهاء الهجوم الأذربيجاني على أرمينيا"، وهو الأمر الذي تكرر روسيا فعله في أكثر من موقف تفاوضي مع تركيا، فكانت تطلق المعارك العسكرية للضغط على أنقرة في مفاوضاتها المستمرة على عدة قضايا معها.

صورة

يقول مصطفى سيجري القيادي في الجيش الوطني السوري المعارض "رفع الجاهزية العسكرية في مناطق عمليات درع الفرات/غصن الزيتون/نبع السلام استعدادًا لصد أي عدوان روسي محتمل على المنطقة، بعد ورود معلومات عن نوايا روسية لشن عملية عسكرية ضد المنطقة الخاضعة لتفاهمات تركية روسية سابقة تمنع العدوان وتجاوز الخطوط، في تصعيد خطير ومحاولة للضغط على تركيا".

يضيف سيجري "قرار رفع الجاهزية القتالية في المناطق الخاضعة لاتفاق وقف إطلاق نار دائم جاء بالتنسيق مع قوات الحلفاء واستنادًا إلى معلومات دقيقة عن نوايا روسية للتصعيد"، وعلى الرغم من حرص تركيا على الحفاظ على جبهات هادئة في إدلب في ظل معاركها في أذربيجان وليبيا وتوترات شرق المتوسط، فإنها ومع رفعها لجاهزية الجيش الوطني السوري دفعت هي الأخرى بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة.

دفعت أنقرة بأرتال عسكرية جديدة لجيشها، حيث أدخلت 8 أرتال عسكرية متتالية وتوزّعت على مختلف القواعد العسكرية في الشمال السوري، وضمّت الأرتال أكثر مِن 200 آلية عسكرية وهندسية وسيارات تحمل ذخائر ومواد لوجستية، الجدير بالذكر أن تعداد الجنود الأتراك في منطقة شمال سوريا تخطى 9000 عسكري من ذوي الاختصاصات المختلفة.

من جهتها تعمل فصائل المعارضة السورية على إنهاء تدريباتها العسكرية، حيث نشرت صورًا لجنودها الذين يتدربون في معسكرات تدريب على المعارك الليلية واستخدام الأجهزة الحرارية، وهو الأمر الذي كما يقول الباحث السوري فراس فحام "تطور مهم ويعزز عوامل الصمود في وجه عمليات الاجتياح البري المدعومة روسيًا".

توعد تركي

هذه التجهيزات العسكرية والتأهب، تأتي بالتزامن مع تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قال إن بلاده ستعمل على تطهير أوكار الإرهاب في سوريا بنفسها إن لم يتم الوفاء بالوعود المقدمة لها في هذا الصدد، وهو ما تعتبره صحيفة يني شفق التركية إشارة إلى وعود أمريكية وروسية عقب عملية نبع السلام بإخراج الإرهابيين من المناطق المتاخمة للحدود التركية شرق الفرات في سوريا.

أضاف أردوغان: "الأطراف التي تلتزم الصمت إزاء التنظيمات الإرهابية والدول الداعمة لها تضع كل المبادئ الأخلاقية والقانونية والحقوقية جانبًا عندما يتعلق الأمر بتركيا"، مشيرًا إلى أن بلاده "تقف إلى جانب أصدقائها وأشقائها والمظلومين في العديد من المناطق في العالم بدءًا من سوريا إلى ليبيا ومن شرق المتوسط وصولًا إلى القوقاز، وفي الوقت نفسه ترسم مستقبلها ومستقبل مواطنيها".

ومنتصف الشهر الماضي عقدت روسيا وتركيا جولة جديدة من المحادثات بشأن التطورات في سوريا وليبيا، ولكن هذه الاجتماعات لم تثمر عن نتيجة، وإثر فشل المحادثات قصفت الطائرات الروسية محيط مدينة إدلب، بأكثر من 30 غارة جوية في تصعيد هو الأول من نوعه منذ اتفاق آذار بين أنقرة وموسكو، وذكرت مصادر روسية أن موسكو حاولت إقناع تركيا بتقليص وجود قواتها في إدلب، وسحب الأسلحة الثقيلة من المنطقة، الأمر الذي قابله المسؤولون الأتراك بالرفض.

من جانبه قال إبراهيم قالن المتحدث باسم الرئاسة التركية "تركيا ستتدخل عند وجود هجوم أو خطر ضد مصالحها بالمنطقة، وذلك من أجل ضمان أمن الشعب السوري، وأمن حدودها"، مضيفًا "الرئيس أردوغان ليس زعيمًا يمارس السياسة بالخداع والتهديد والابتزاز، والإستراتيجية التي يفكر بها يتم تطبيقها"، كما أكد أن بلاده لديها حق التدخل في أي لحظة ضد "بي كا كا" أو كيان تابع لـ"داعش" في سوريا والعراق أو أي مكان آخر.

يتجلى الخلاف الأساسي بين تركيا وروسيا مؤخرًا في سوريا حول السيطرة على طريق M4، وهو الطريق الذي تريده موسكو للتعجيل ببدء العملية التجارية بين المحافظات السورية كافة، إلا أن تركيا ما زالت مصرة على الاتفاق بشأن مصير مناطق اتفاق سوتشي التي سيطر عليها النظام في عملياته الأخيرة على إدلب، وما زالت أنقرة تطالب بانسحابه منها، ووفقًا لـ"الأناضول": "تبدو روسيا مستاءة بشكل كبير جدًا من تداعيات قانون قيصر لذلك هي بحاجة ماسة إلى فتح الطرق الرئيسية التي تشكل شرايين الحياة لمختلف المناطق، لتخفيف تأثيرات القانون على الحركة التجارية، خصوصًا أن اقتصاد نظام الأسد يتهاوى، تحت تأثير العقوبات الدولية".

ملفات عالقة خارج الحدود

وفي تقرير لها تقول الوكالة التركية "منطقة شرق الفرات تشكل أحد أهم الملفات المعقدة بين الطرفين، فبينما تنتظر أنقرة تنفيذ ما نصت عليه مذكرة "سوتشي"، التي تضمّنت إبعاد التنظيمات الإرهابية عن المناطق الحدودية، تماطل موسكو كالعادة ولا تفي بوعودها. بل وتذهب موسكو إلى توافقات مع الولايات المتحدة من جهة، والمنظمات الانفصالية الإرهابية من جهة أخرى، دون أن تأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية التركية في شمال شرق سوريا".

الصحفي والباحث السوري عبد الله الموسى قال: "لتركيا اليد الطولى في شرق الفرات ولروسيا الغلبة في إدلب، تهديد تركي بفتح جبهات وحدات الحماية في حال فُتحت جبهة إدلب، تركيا تريد إحراج روسيا مع قسد التي تطمح موسكو لاستقطابها كلاعب حاسم في ملفات كثيرة أبرزها شكل الحل السياسي، وأذربيجان عامل مرتبط مباشرة بأي تطور قادم في سوريا".

من جهته يقول القيادي في الفصائل العسكري السورية المعارضة مصطفى سيجري إنه بات من الواضح أن هناك "تكتيكًا جديدًا من الروس بهدف الضغط على تركيا، وإن لم نشهد تصعيدًا عسكريًا خلال الأيام القادمة فهذا يعني أن هناك تفاهمًا ما قد حصل بين أنقرة وموسكو، ولكن ليس على حساب الشعب السوري، إنما بشأن ملفات أخرى عالقة وخارج الجغرافيا السورية، وسينعكس إيجابًا على الملف السوري".

التصريحات تشير إلى قرب تجدد المواجهة العسكرية في إدلب، لكن هذه المواجهة ربما تكون سياسية ذات طابع تفاوضي بين روسيا وتركيا، فمناطق الاشتباك العسكرية والسياسي التي تجمعهما تتوسع لتشمل -إضافة لسوريا- ليبيا وأذربيجان المشتعلة للتو.