لا يعبأ الكثير من مناضلي السلطات الاستبداية التي تشكلت بعد منتصف العقد الأخير بالشارع العربي وقضاياه الوطنية والتاريخية، يحصر مثقفو السلطة كل مهمتهم في حشو الأدمغة سواء في الشؤون العامة المحلية أم السياسة الإقليمية والدولية بالمعلومات غير الصحيحة والأخبار المزيفة والأكاذيب الصريحة، فلم يعد يفرق معهم إلا رضا الحاكم وقبوله وتمرير سياساته.

مِن هؤلاء تركي الحمد، المثقف السعودي الذي يقف أقصى يمين السلطة، يبرر لها ويدفعها نحو التطبيع ويعزلها عن الشعور القومي والإنساني ويزين لها تدمير القضية الفلسطينية والانسحاق الكامل أمام الجرافات الإسرائيلة، ففلسطين بكل بساطة واختزال "ليست قضيتهم".  

عن قرب 

هو تركي الحمد، مواليد الخمسينيات وابن تقلباتها وصراعاتها السياسية، ويبدو أن المرحلة ساهمت كثيرًا في تشكيل خلفيته البراجماتية التي جعلته يتقلب في أحضان التيارات المختلفة، فمما أسماها هو العبودية المطلقة لحزب البعث إلى الإيمان بالليبرالية الكلاسيكية، إذ يعتبر أحد أهم رموز التيار في السعودية حاليًّا. 

الحمد من أسرة تنتمي إلى القصيم، كان والده يعمل بشركة أرامكو للبترول، وتشكلت مرحلة شبابه ومراهقته في الستينيات والسبعينيات، وهي المرحلة الأكثر سيولة في التحولات الفكرية والسياسية طوال القرن الماضي في العالم العربي، التي تسيد فيها القوميون الحياة السياسية والاجتماعية: عبد الناصر في مصر والبعثيون في سوريا والعراق، وحالة حراك واسعة تؤيد الفكرة بكل الأقطار العربية. 

انضم تركي إلى حزب البعث السعودي خلال دراسته الثانوية، ورغم حداثة عمره، فإنه تدرب على كل تكتيكات العمل السري، ليتم القبض عليه خلال العام الأول للدارسة بجامعة الملك سعود "الرياض سابقًا" وأودع في السجن السياسي عامًا وعدة أشهر، وهي مرحلة بكل تفاصيلها تركت على ملامحه الفكرية والنفسية تغيرات لن تمحى. 

خرج الحمد من تجربة السجن إلى الولايات المتحدة وظل هناك نحو عقد من الزمان وعاد بأفكار وتصورات مختلفة، وهو ما يفسر رضا السلطة عنه، إذ تم تعيينه في جامعة الملك سعود أستاذًا في قسم العلوم السياسية، ليتفرغ بعدها للكتابة في كل صحف السلطة المقربة من الأسرة الحاكمة. 

من البعثية إلى الليبرالية 

التحول في أفكار تركي الحمد بعد العودة إلى السعودية، يوضح لماذا ترك الرجل أفكاره البعثية القديمة وكتب يعدد مساوئها وانتهازية الرفاق القدامى، ولماذا أصبح مشغولًا بشكل كامل بهدم اليسار الشيوعي الذي كان ينتمي إليه، وهو دور قدّرته السلطة بشكل جيد، فكانت في هذا التوقيت تضع مثقفي الدولة في مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة.

احتل العائد إلى الدولة دورًا بارزًا في تصنيف صناع الرأي، حُجز له مساحة بارزة في صدر صحيفة الرياض ومنها إلى مستوى أكثر اتساعًا في جريدة الشرق الأوسط، التي كتب فيها بانتظام منذ عام 1990، قبل أن يستقر في صحيفة الوطن السعودية المملوكة لأمير منطقة مكة خالد الفيصل آل سعود.

قدم تركي بعد أن عاد "ليبراليًا" من المنافي، إلى السعودية ليترك نفسه تمامًا حتى تشكله وفق رؤيتها، فهي دائمًا تريد خلق طبقة فكرية مُسيسة على أعلى مستوى من قادة الرأي المواليين للأسرة الحاكمة، لكن دون سياسة على الأرض، يفسرون اتجاهاتها ويروجون لها ويهاجمون بشدة كل أعدائها وخصومها في الداخل والخارج. 

يفسر تركي الحمد نفسه علاقة المثقف بالسلطة في الأجوء العربية وخاصة في الملكيات المطلقة - تصنيف النظام السياسي السعودي - ويقول: "العلاقة بين المثقف والسلطة في السلطة المطلقة، كما الحال في معظم فترات التاريخ العربي والإسلامي، وتاريخ أوروبا قبل الحداثة المعاصرة، كانت دائمًا متوترة، بل علاقة عدائية في جوهرها"، ويضيف "السلطة السياسية تتحسس مسدسها حين يكون الحديث عن المثقف، إلا في حالة أن يتحول المثقف إلى الانحياز لأيديولوجيا السلطة، عندها لا يصبح النقد أحد مكونات فكره، فيفقد حسه النقدي تمامًا".

يكشف تركي عن خلطته للتعامل مع السلطة وفك هذا الاشتباك، وهو ما يأخذنا إلى تفكيك مواقفه الحاليّة التي أصبحت تنحاز للتطبيع بشكل كامل، فالمثقف العربي يتحمل جزءًا من المسؤولية بسبب مواقفه "الحادة" مع السلطة السياسية.

يتغزل الحمد في السلطة ويعتبرها الحسناء التي يَكثُر خطابها، هذا متشبث بالسلطة وذاك يريد أن يتخذ سلطة، وفي النهاية فإن جوهر السلطة واحد، سواء القائمة أم تلك المراد إحلالها بديلًا عن السلطة القائمة. 

يكتب تركي بشكل نفعي و"النفعية" مبدأ أخلاقي في الليبرالية لها فلسفاتها الخاصة، لكن هنا في المنطقة تُجرد من مبدأها الأخلاقي، فتقدم في أقبح صورة، وربما هذا ما يفسر ولع الحمد بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل الذي عاصر نابليون بونابرت، وكان مؤيدًا لاستبداده، ومع ذلك كان هيغل من المؤيدين له، حيث يأخذ الحمد من هيغل تجاهل التفاصيل والمكر في استخدام العقل.

السلطويون الجدد وفلسطين

تفكيك المنظومة الفكرية لظاهرة المطبعين العرب، خاصة من يزعمون تبني أفكار حداثية، تجعلنا نحاول التعمق أكثر في مشكلة القضية الفلسطينية بالنسبة لهم، لا سيما بعدما تخففت البلدان الخليجية وعلى رأسهم السعودية، على مدار العقد الماضي من حمولة المحافظة الدينية، حيث تفكك جزء كبير من العقد الاجتماعي القديم، القائم على أسس تضع الدين وأولوياته في مكانة لا تمس.

بالنسبة لمفكري الدول المحورية في المنطقة ومنهم الحمد، أصبحت المسميات واضحة وكاشفة، هم لا يريدون أن ترتبط بلادهم بالقضية الفلسطينية التي ما زالت تنتمي إلى قضايا التحرر الوطني في العالم، وهي ممثلة بقواها ورموزها تعيد صياغة نفسها في الوجدان العربي والإسلامي طوال الوقت، ولهذا يجب إفراغ القضية من مضونها وإخماد جذوتها لأقل مدى ممكن حتى لا تصبح الشرارة الجاهزة دائمًا لإيقاظ التطلعات الثورية العربية على وجه التحديد بين حين وآخر.

يحاول مفكرو السلطة بالانفتاح على "إسرائيل" تخليص العرب من مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه الفلسطينيين، ما يجعلهم في حل من التمرد لأسباب عروبية أو إسلامية، لأن الصراع يترسخ في وعي الشعوب وثقافتها وذاكرتها الجمعية ووجدانها القومي، بنفس محددات الذاكرة الوطنية والثوابت التاريخية والدينية والحضارية، وبالتالي قبولهم بالتطبيع هو قبول من باب آخر بفلسفة السلطة في بلدانهم وتمرير سياساتها والصبر عليها وعدم التمرد عليها. 

الحجة هنا جاهزة، في عرف الحمد، فالمثقف الأيديولجي مثقف للسلطة وليس مثقفًا معرفيًا يجب أن تتوقع منه أن يكون أكثر انحيازًا لصوت العقل والضمير في مواقفه وآرائه، الذي يلتصق بالغالب الأعظم من الجماهير من جهة، فضلًا عن قلقه الدائم من أحكام التاريخ والأجيال على مواقفه، وبالتالي وقوفه في خندق السلطة التي تتصرف حسب ما تراه في مصالحها أولًا ومصالح شعوبها هو المنطق السليم.

هذه القاعدة أدق ما يبرر هرولة مفكري السلطة خلال الأشهر الماضية في ميادين عدة أبرزها السياسة والاقتصاد، لمباركة التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل"، ومن بعدهم هرولة دول عدة للحاق بالخطوة وغلق ملف الصراع الثقافي والهوية.

المثقف عندما يصبح ذبابة إلكترونية

يسخر تركي الحمد نفسه لتمرير مواقف التطبيع لأي دور يجعله أداةً لذلك، لدرجة أنه عمل كذبابة إلكترونية، حين أصبح يهاجم القضية بشراسة، مؤكدًا أنها ليست قضيته ولا قضية المواطن السعودي والعربي بالتبعية.

حقق الحمد أهدافه، بتصدر هاشتاغ "فلسطين ليست قضيتي" صدارة التدوينات على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بالسعودية، واشتعال الدعوات التي تطالب المملكة باللحاق الإمارات وإعلان تطبيع العلاقات مع "إسرائيل".

يبرر الحمد وأنصاره من المثقفين والذباب الإلكتروني بطرق أصبحت مألوفة في طبيعة ردودها، المنطق الذي تستند إليه شرعية ابتعاد بلادهم عن الدوران في فلك القضية، فهي تخص أبناءها الذين هم في الداخل منقسمون بين حماس وفتح، وفي الخارج يعيشون حياتهم بالطول والعرض.

تجاوز الحمد في دعواته للتطبيع وتمريره كل القيود الممكنة، فأصبح يتوسل علنًا لصانع القرار للسعي الحثيث إلى تجويد علاقات المملكة بـ"إسرائيل"، لدرجة أنه كتب تغريدة يطالب فيها الأمير محمد بن سلمان بعدم التباطؤ وتضييع الفرص، بعد أن أصبحت غضبة العرب من التقارب مع الكيان الصهيوني مجرد زوبعة في فنجان.

صورة

ببرود أخلاقي وربما فرح بما انتهت إليه الأمور يقدم تركي خدماته الأخلاقية للسلطة ويقدم روايته البديلة التي تصلح للتأسيس عليها قائلًا: "تهودت القدس، ماذا فعلوا؟ لا شيء، هم لا يريدون حل القضية، بل يريدون استمرار المظلومية والنوح على الهيكل"، يختتم: "صدقني، لا يستحقون الاحترام".