تقف تيكال الواقعة شمالي غواتيمالا، شاهدة على حضارة شعوب المايا التي اختفت بظروف غامضة، بعد أن سادت فترات طويلة قبل الاستعمار الإسباني، في ما يعرف حاليا بأميركا الوسطى، وهي أعجوبة غواتيمالا التي يقدر تاريخها بحوالي 3 ألاف سنة، وتميزت بالفنون والعمارة والتصوير التشكيلي والخزف والنحت، وحققت شعوبها تقدمًا كبيرًا في علم الفلك والرياضيات وطوروا تقويمًا سنويًا.

اللغز المفقود

في منتصف القرن الـ19، ضلّ المستكشف موديستو مينديز أمبروسيو توت الطريق بين الأحراش الكثيفة في غابة غواتيمالا المطيرة، فاكتشف صدفة آثار مدينة قديمة، فأبلغ صحيفة "لا غاسيتا" الغواتيمالية بالأمر، حتى يتم إعداد الرسوم التوضيحية الأولى لهذا المعلم الأثري.

عقب ذلك، تمّ منح اسم جديد لهذا الموقع وهو "تيكال"، ويُعتقد أن الاسم القديم كان "ياش موتال"، ومن ثمّ بدأ علماء الآثار وصيادو الكنوز في زيارة المدينة الأثرية، خاصة بعد أن كتبت عنها مجلة أكاديمية العلوم في برلين سنة 1853.

تقع المدينة التي أضحت تعتبر إحدى أكبر المواقع الأثرية والمراكز الحضرية في أرض المايا، في حوض بيتين في شمال غواتيمالا، في منطقة غابات شاسعة يشار إليها غالبًا باسم غابة المايا، والتي تمتد إلى المكسيك وبليز المجاورتين.

تحتوي المدينة أيضا على العديد من الأهرامات والمعالم التي تعتمد على تتابع حركة قرص الشمس شروقا وغروبا

تقول كتب التاريخ، إن "تيكال" كانت عاصمة إحدى الولايات المحاربة التي أصبحت واحدة من أقوى الممالك بحضارة المايا، وقد كانت تهيمن على جانب كبير من منطقة نفوذ المايا بالمجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكانت تتعامل مع مناطق أخرى بطول المملكة وعرضها.

رغم أن الهندسة المعمارية للمدينة تعود إلى نحو القرن الرابع قبل الميلاد، فإنها مازالت شامخة إلى الآن، ويحتوي الموقع على عناصر فريدة توضح البيانات التاريخية والأسطورية والسيرة الذاتية لتاريخ سلالة تيكال التي تمتد على مدى 577 عامًا (من 292 قبل الميلاد إلى 869 م) وتعكس حياة 33 حاكمًا حكموا منطقة شاسعة من عالم المايا القديم.

كما تحتوي المدينة على المعالم الرئيسية والعناصر المعمارية التي تشمل القصور والمعابد والمنصات الاحتفالية والمساكن الصغيرة والمتوسطة وملاعب الكرة والمدرجات والطرق والأماكن الكبيرة والصغيرة.

 

حافظت العديد من الآثار الموجودة على الأسطح المزخرفة، بما في ذلك المنحوتات الحجرية والجداريات ذات النقوش الهيروغليفية، والتي توضح تاريخ الأسرة الحاكمة للمدينة وعلاقتها بالمراكز الحضرية في أماكن بعيدة.

تحتوي المدينة أيضا على العديد من الأهرامات والمعالم التي تعتمد على تتابع حركة قرص الشمس شروقا وغروبا، في رمزية لدورة الحياة والموت، وهي نفس المعتقدات والأفكار التي توصل إليها المصريون القدماء أثناء فترة وجودهم.

انعكاس لحضارة المايا

تظهر هذه المباني أن مؤسسي المدينة، كانوا خبراء بارعين في علوم الرياضيات والهندسة والعمارة والفلك، وهي المعارف التي مكنتهم من تصميم مبان عملاقة بدقة كبيرة وبصورة جميلة أيضا.

ويمثّل موقع تيكال الأثري، مثالا بارزا على فن حضارة المايا والعبقرية البشرية في تلك الفترة التي حكمت فيها الإمبراطورية، كما يقدم ثراء تعابيره المعمارية والفنية عناصر رمزية مهمة ، مثل مفهوم الأهرامات التي تمثل الجبال التي تحدد الكون حيث يتعايش البشر مع بيئتهم.

 

وتعكس كذلك هذه البقايا الأثرية في تيكال التطور الثقافي لمجتمع المايا من الصيد والجمع إلى الزراعة، مع وجود ثقافة دينية وفنية وعلمية متقنة. كما تظهر البقايا الأكثر تمثيلا مراحل ودرجات مختلفة من التطور من حيث التطور المعماري المرتبط بالأنشطة والاحتفالات الدينية.

إلى جانب ذلك، توضح مستوى التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تم الوصول إليه في حضارة المايا، والذي يعبر عنه التخطيط العمراني لقصورها ومعابدها ومنصات احتفالاتها ومناطقها السكنية، فضلاً عن ثراء الآثار المزينة بالنقوش الهيروغليفية.

مملكة الأفعى

كشفت مدينة "تيكال" الأثرية كما قلنا حضارة المايا وشعبها والتقدّم الكبير الذي بلغه في عديد المجالات، وروت الآثار التي فيها قصة هذه الحضارة، حيث تستعيد المباني والمنحوتات والكتابات الهيروغليفية الموجودة هناك نسخة من حضارة المايا.

إحدى المنحوتات الصخرية التي وجدت مؤخرا، روت مثلا قصة أسرة من حضارة المايا المنقرضة تمكنت من فرض سلطتها ما يقرب عن قرنين من الزمن بفضل استراتيجيات شبيهة بتلك الواردة في مسلسل "غايم أوف ثرونز" التلفزيوني.

ويبلغ طول الصخر الكلسية المنحوتة التي تمّ الكشف عنها 1.46 مترا وعرضها 1.20 مترا ووزنها قرابة الطن وقد اكتشفت في معبد في مدينة تيكال، وتتضمن نقشا يسمح بتأريخه في العام 544 بعد الميلاد.

تثبت الأبحاث أن بناء الأهرامات كانت مرتبطة بتقويم المايا، فقد كان حكام المدينة يقومون ببناء مجمع هرمي مزدوج في نهاية كل 20 عامًا

تظهر المنحوتة، الملك تشاك توك غتشاك جالسا شاهرا صولجانه تخرج منه إلهتان من المدينة، وقد بسط حاكم منطقة كانول نفوذه على مدى عشرين عاما على مملكة الأفعى في وقت تمكنت فيه أسرته من التغلب على أعدائها في مملكة تيكال حتى القضاء عليهم في العام 562 بعد الميلاد.

للتوصل إلى ذلك اضطرت مملكة الأفعى إلى نسج تحالفات معقّدة مع مدن صغيرة محيطة بتيكال قبل أن توجه إليها الضربة القاضية، وشكل زواج أميرة من مملكة الأفعى مع ملكة لاكورونا خطوة أساسية في هذه الاستراتيجية، كما تظهر الصخرة.

تمكنت مملكة الأفعى من بسط نفوذها من عاصمتها دزبانتشه شمال غواتيمالا الحالية وصولا إلى "الأراضي الخفيضة" في جنوب شرق وسط أميركا، وبعدما حكمت غواتيمالا الحالية وما يعرف اليوم ببليز ومقاطعة كامبيتشه المكسيكية مدة قرنين هُزمت مملكة الأفعى من قبل أعدائها اللدودين أسياد تيكال.

مقابر الحكام

تشمل الهياكل الرئيسية للمدينة الأثرية خمسة معابد هرمية وثلاثة مجمعات كبيرة، تسمى غالبًا الأكروبول؛ من المفترض أن تكون هذه المعابد والقصور للطبقة العليا من قوم المايا، وتكشف هذه الآثار طريقة عيش شعوب المايا وطقوسهم، فالأهرامات مثلا كانت بمثابة المعابد، فقد أسس حكام تيكال ستة أهرامات "معابد"، وهي الهياكل التي غالبًا ما كانت تشير إلى مكان دفن الحاكم.

اثنان منهم يُعرفان اليوم باسم المعبدين الأول والثاني، يواجهان بعضهما البعض في وسط المدينة، أو ما يعرف بساحة تيكال الكبرى الواقعة بينهما، حيث يقع المعبد الأول في الشرق ويرتفع عن الأرض 145 قدمًا (44 مترًا)، وفيه دفن الملك جاسو كان قويل الذي قاد قوات تيكال في هزيمة مدينة كالاكموول المنافسة.

رغم كلّ الأبحاث التي أجريت، مازالت تيكال تحتفظ ببعض الأسرار المتعلقة بحضارة المايا

أما الهرم الثاني والمعروف بالمعبد الثاني، فيُعتقد أنه مخصص لزوجة الحاكم "تون كايواك"، ويرتفع هرمها 125 قدمًا (38 مترًا) ويحتوي على ثلاث طبقات، وعند المدخل في الأعلى، نُحتت صورة امرأة ترتدي شالات مطرزة وغطاء يُعتقد أنها "تون كايواك"،.

وتثبت الأبحاث أن بناء الأهرامات كانت مرتبطة بتقويم المايا، فقد كان حكام المدينة يقومون ببناء مجمع هرمي مزدوج في نهاية كل 20 عامًا، وقد تم العثور على تسعة من هذه المجمعات الهرمية المزدوجة في تيكال، ويبدو أن تشييدها استمر حتى نهاية المدينة.

إدارة المياه

تكشف الأبحاث الحديثة أن سكان مدينة "تيكال" أنشأوا نظامًا متطورًا لإدارة المياه، حتى يتمكّنوا من الاحتفاظ بالمياه خلال الفترات التي لا يكون فيها أي مطر، وقد تم العثور في تيكال على أدلة لتقنيات قديمة للتحكم في المياه في شكل سدود صغيرة وخزانات وخصائص تخزين المياه الأخرى والآبار وقنوات الري والمدرجات الزراعية.

 

تكشف أيضًا الدراسات التي أجريت في هذا السياق أن هذه التقنيات موجودة في كل مكان في منطقة المايا خلال الفترة من العصر ما قبل الكلاسيكي الأوسط إلى المحطة الكلاسيكية (400 قبل الميلاد إلى 1000 بعد الميلاد) عندما وصلت حضارة المايا القديمة إلى ذروتها من حيث عدد السكان والتقدم السياسي.

تُطلعنا تقنيات إدارة المياه على نطاق صغير على كيفية استخدام المايا القديمة لمواردهم وإدارتها، كما توفر نظرة ثاقبة على التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكما تشير الدراسات إلى الاستخدام المكثف للمنخفضات الطبيعية المعدلة صناعيا لجمع المياه للاستهلاك المنزلي والزراعي.

رغم كلّ الأبحاث التي أجريت، ما زالت تيكال تحتفظ ببعض الأسرار المتعلقة بحضارة المايا، فمحيط المنطقة يحتوي على العديد من التلال المجهولة وغير المكتشفة التي يمكن قضاء سنوات عديد في حفرها واستكشاف ما تحتويه من أثار قديمة تحكي تاريخ العالم ومراحل تطور حضاراته البشرية عبر الزمن.