ترجمة وتحرير نون بوست

ليس من قبيل الصدفة أنه بعد أكثر من شهر من إعلان "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة تطبيع العلاقات وسير "إسرائيل" والبحرين على الخطى نفسها، أعلن العراق أنه أبرم اتفاقا مع الأردن لربط شبكات الطاقة الكهربائية بين البلدين. بالتالي، سيوفر هذا الاتفاق رابطًا مباشرًا بين الأردن والراعي الإقليمي الرئيسي للعراق، إيران، التي وقعت مؤخرًا اتفاقية مدتها عامين مع العراق لتزويدها بالكهرباء، وهي أطول صفقة من هذا النوع يتم توقيعها بين البلدين. 

وُضعت اللمسات الأخيرة على الشبكات الإقليمية التي ستساهم في تغيير موازين القوى قبيل الإعلان عن صفقة الشبكة العراقية-الأردنية. كما أعلن الأردن أنه وقع مذكرّة تفاهم مع المملكة العربية السعودية لوضع إطار للتعاون المشترك  بهدف ربط شبكات الطاقة الكهربائية بين البلدين.

بخصوص خطة الشبكات الإقليمية الجديدة، اعتبر كلا البلدين اتفاق إيران التاريخي  الذي سيدوم سنتين، ويقضي بمواصلتها تزويد العراق بالكهرباء الحيوية (سواء بشكل مباشر من الشبكة أو بشكل غير مباشر عبر إمدادات الغاز المستخدمة في محطات الطاقة) حاسما بما يكفي لاستراتيجيتهما الإقليمية الأوسع، على الرغم  من أنه من المحتمل أن يتسبب في فرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات عليهما.

 في الواقع، هذا ما حدث بالضبط. نظرًا لأن الطاقة الإيرانية تمثل ما بين 30 و40 بالمئة من الكهرباء المستهلكة في العراق، اعتمادًا على الطلب الموسمي، كانت الولايات المتحدة تدفع العراق نحو الالتزام بخفض هذه الواردات من جارتها قبل الزيارة التي أداها رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي إلى واشنطن خلال شهر آب/ أغسطس. 

لتحقيق هذا الهدف، أبرمت بعض الشركات الأمريكية على غرار شيفرون وجنرال إلكتريك وهانيويل إنترناشونال وبيكر هيوز وستيلر إنيرجي اتفاقيات مع الحكومة العراقية تهدف إلى تعزيز استقلال العراق في مجال الطاقة عن إيران، بقيمة لا تقل عن 8 مليارات دولار أمريكي. على خلفية ذلك، منح البيت الأبيض إعفاءً لمدة 120 يومًا للعراق لمواصلة استيراد الطاقة الإيرانية كإجراء لسد الفجوة.  نظرا للأسباب الرئيسية الثلاثة التي سلّط موقع  أويل برايس  الضوء عليها مؤخرًا،  فقدت الولايات المتحدة بالفعل الثقة في وفاء الكاظمي بوعوده التي قطعها أثناء وجوده في واشنطن وهذا ما دفعها لخفض مدة الإعفاء الأخيرة إلى النصف.

بالنسبة للولايات المتحدة، بات من الواضح لها في الوقت الراهن أن الخطوة التي اتخذها العراق برعاية إيران لبناء شبكة طاقة إقليمية عبر الشرق الأوسط لم تكن محاولة لتقليل تبعية بغداد  إلى طهران، بل لتوسيع نفوذ طهران الإقليمي بشكل أكبر. 

بشكل حصري، صرّح مصدر رفيع المستوى في صناعة النفط والغاز، الذي يعمل بشكل وثيق مع وزارة البترول الإيرانية لموقع أويل برايس الأمريكي الأسبوع الماضي أنه قبل "الاجتماعات بين الكاظمي ومختلف كبار المسؤولين في واشنطن المقرر عقدها خلال شهر أغسطس/آب، كان بعض المسؤولين في البيت الأبيض سعداء جدا لرؤية العراق يضغط من أجل إنشاء شبكة إقليمية للطاقة - بما في ذلك عبر دول مجلس التعاون الخليجي نظرا لأن ذلك سيقلل من اعتماد العراق على إيران ويساعد في إدخال العراق في دائرة النفوذ الأمريكي، التي تمثل المملكة العربية السعودية مركزها". وأضاف المصدر ذاته أن "العراق فهم الأمر على النحو الخاطئ حيث باتت إيران هي من تدفع العراق إلى لإخراج الدول السالف ذكرها، بما في ذلك السعودية، من دائرة النفوذ الأمريكي".

في هذا الصدد، أوضح وزير الطاقة الإيراني، رضا أردكانيان، قبل شهر أو نحو ذلك من زيارة الكاظمي لواشنطن أن "شبكات الكهرباء الإيرانية والعراقية أصبحت  تعمل بشكل متزامن لتوفير الكهرباء لكلا البلدين بفضل خط العماره - الكرخه، الذي تبلغ طاقته 400 كيلوفولت ويمتد على 73 كيلومترًا، والذي "يمهد الطريق لزيادة صادرات الطاقة إلى العراق في المستقبل القريب، التي لا تتجاوز في الوقت الحالي 1361 ميجاوات في اليوم". 

وأضاف المصدر ذاته أن "مراكز الإرسال الإيرانية والعراقية أضحت في الوقت الراهن مترابطة بشكل محكم في العراق، مشيرًا إلى أن إيران أبرمت اتفاقية تعاون لمدة ثلاث سنوات مع العراق "لتعزيز صناعة الطاقة في البلاد على مستويات مختلفة". في الوقت ذاته، أعلنت شركة تصنيع وتوفير معدات الطاقة الكهربائية الإيرانية أن صادرات إيران من الكهرباء إلى الدول المجاورة الأخرى خلال السنة التقويمية الإيرانية السابقة (المنتهية في 19 آذار/مارس 2020) بلغت أكثر من 8 مليارات كيلوواط في ساعة، أي متوسط ​​زيادة بنسبة 27.6 بالمئة سنويا. 

حتى الآن، الدول التي تتلقى الطاقة من الشبكة الإيرانية هي: أرمينيا وأذربيجان وباكستان وأفغانستان وجمهورية نخجوان الذاتية، بالإضافة إلى العراق بالطبع (الذي شهد زيادة بنسبة 34.6 بالمئة عن السنة الماضية). هذه الشبكة لا تشمل الشبكة الموازية التي تعمل إيران على تعزيزها من حيث تبادل الكهرباء والغاز المباشر، والتي تشمل أيضا تركمانستان وتركيا. 

بعد أن أمضت طهران سنوات في وضع الأسس لبناء شبكة طاقة إقليمية مركزها إيران، كان الهدف الأول الذي اقترحته للعراق هو الأردن، حيث لا يُنظر إلى هذا البلد على أنه حليف جاهز لإيران، على الرغم من أنه كان يستجيب بشكل استثنائي للطلبات العراقية بزيادة التعاون خلال الأشهر الأخيرة. 

في تموز/يوليو، على سبيل المثال، أعلنت وزيرة الطاقة الأردنية، هالة زواتي، أن المملكة ستستأنف استيراد النفط الخام من العراق، بدءا بما لا يقل عن 10 آلاف برميل يوميا من النفط الخام العراقي عبر الناقلات الصهريجيّة. ومع ذلك، كان هذا مجرد جزء من الصفقة التي أُبرمت في وقت سابق من هذه السنة بين البلدين والتي توقّعت تعاونا أكبر بكثير ومن شأنه أن يربط الأردن بشكل وثيق مع إيران.

تتمثل المبادرة الرئيسية في هذا السياق في بناء خط أنابيب نفطي (وربما غاز أيضا) بين البلدين، حيث كانت الفكرة الأصلية تركّز على طريق البصرة-العقبة الذي يمتد على قرابة 1700 كيلومتر. وخلال كانون الأول/ديسمبر 2019، أعلنت وزارة النفط العراقية عن استكمال عملية التأهيل المسبق للشركات المهتمة بالمشاركة في مشروع خط الأنابيب، حيث تضمنت المرحلة الأولى من المشروع تركيب خط أنابيب بطول 700 كيلومتر بطاقة استيعاب تعادل 2.25 مليون برميل ضمن الأراضي العراقية. 

شملت المرحلة الثانية تركيب خط أنابيب بطول 900 كيلومتر في الأردن بين حديثة والعقبة، بطاقة استيعاب تعادل مليون برميل. وبالنسبة لإيران، يُعدّ هذا خطًا بديلا آخر لتصدير النفط العراقي/الإيراني في اتجاه مضيق هرمز المعرض للخطر منذ أمد بعيد، لينضاف إلى الخطط الحالية الخاصة بخط أنابيب كوريه - جاسك، علاوة على خطط مدّ خط أنابيب إلى سوريا. كما ستوفر خطوط الأنابيب هذه طريقا "مخفية" أخرى للنفط الإيراني الذي سيمر على أنه نفط عراقي، حيث يصبح شحنه سهلا إلى الغرب والشرق.

بموجب اتفاقية الكهرباء الموقعة مؤخرا بين العراق والأردن على وجه التحديد، سيُزوَد العراق ب 1000 جيغاواط ساعي سنويا في المرحلة الأولى من المشروع، وذلك بعد إنهاء مشروع الربط الكهربائي الذي سيستغرق قرابة 26 شهرا، أما لاحقا، ستكون هناك مرحلة ثانية تسمح لكلا الطرفين بزيادة سعة تبادل الطاقة. وفي هذا الشأن، أكدت زواتي أن المشروع سيعزز استقرار وموثوقية شبكات الكهرباء في كلا البلدين، إضافة إلى التشجيع على إنشاء سوق طاقة مشتركة في العالم العربي. وأضافت زواتي أن هذا المشروع يجب أن يشمل المملكة العربية السعودية التي وقعت للتو اتفاقية مماثلة مع الأردن لربط شبكتي الكهرباء في البلدين.

قدّم موقع "أويل برايس" تقريرا حصريا عن المرحلة الثالثة من الصفقة الصينية الإيرانية لمدّة 25 سنة والتي تشمل دمج مراقبة الجمهور وتكنولوجيا المراقبة الصينية في إيران، والتي ستصل بدورها إلى العراق. ونظرا لما ورد في هذا التقرير، فإن وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز، قال إن الأردن والسعودية أطلقا مشروع الربط البيني مصحوبا بإنشاء خط الألياف الضوئية الذي يربط شبكات الاتصالات في البلدين، وهو مشروع سيكون موضع ترحيب أيضا في بكين.

في تموز/يوليو، صرّح عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أن الصين تولي أهمية كبيرة للشراكة الإستراتيجية بين الصين والأردن والدور الإستثنائي الذي يلعبه الأردن في الشؤون الدولية والإقليمية. ومن خلال مجموعة غوانغدونغ يوديان، تعدّ الصين مموّلا (1.6 مليار دولار أمريكي حتى الآن) وشريكا رئيسا في محطة عطارات لتوليد الكهرباء الحيوية في الأردن والتي تعمل بالوقود الصخري وهي قيد الإنشاء حاليا.

المصدر: أويل برايس