تعكس زيارات كبار المسؤولين في المؤسسة العسكرية الأمريكية وتحرك الدب الروسي عبر بوابات متعددة في الجزائر، التنافس المحتدم بين القوتين العظمتين في العالم على هذه المنطقة التي تشهد تحولات عميقة في أعلى هرم السلطة السياسية والعسكرية منذ انتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا للبلاد في 12 من ديسمبر/كانون الأول الماضي. 

وفي ظرف أسبوع واحد، حط بالجزائر قائدان رفيعا المستوى في وزارة الدفاع الأمريكية، ويتعلق الأمر بوزير الدفاع مارك إسبر الذي قام بزيارة إلى الجزائر، الخميس الماضي، قادمًا إليها من تونس في إطار جولة مغاربية تشمل أيضًا المملكة المغربية، وقبلها بأيام قليلة فقط التقى قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) ستيفن تاونسند، الذي حظي باستقبالات رفيعة المستوى من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة.

حظيت زيارة المسؤول البارز في البنتاغون الأمريكي، بتغطية إعلامية واسعة، بالنظر إلى أهميتها لأنها تعتبر الزيارة الأولى من نوعها لوزير دفاع أمريكي إلى البلاد منذ 15 سنة، أي منذ زيارة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد الذي قام هو الآخر بأول زيارة إلى البلاد منذ تأسيس الجمهورية الجزائرية عام 1962، لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في الدولة الجزائرية، وكان ذلك في 11 من فبراير/شباط 2006. 

ظلت الجزائر طيلة العقدين الماضيين من الزمن خارج حسابات البيت الأبيض، وهو ما أكده معهد واشنطن، في دراسة أعدها تحت عنوان "روسيا تشق طريقها في شمال إفريقيا" عام 2019، حيث أوصى إدارة دونالد ترامب بضرورة "منح الجزائر أولوية من ناحية تحقيق انفتاح اقتصادي وسياسي"، ودعاها إلى التخلي عن الحذر التقليدي في علاقات واشنطن مع الجزائر. 

وبالمقابل حذر المعهد إدارة الرئيس الأمريكي مما أسماه "غياب موقف حازم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه التوسع الروسي، المتنامي في جميع دول المغرب العربي"، واعتبر المعهد ذلك "تحديًا كبيرًا للمصالح الأمريكية الإستراتيجية". 

الوجود الروسي يخيف أمريكا 

استفاقة أمريكا من سباتها جاءت بعد توسع النفوذ الروسي في منطقة شمال إفريقيا بالأخص في ليبيا، إضافة إلى تحول الجزائر في السنوات الأخيرة إلى حليف إستراتيجي لروسيا في مجال التعاون العسكري، حيث تصنف الجزائر في خانة المشترين الخمس الأوائل للأسلحة الروسية، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية احتلت المرتبة الأولى من حيث مصدري الأسلحة في العالم، وتوفق نسبة المعدات التي تتلقاها الجزائر من روسيا 80%. 

ولا يقتصر التنسيق بين الجانبين الروسي والجزائري على التعاون العسكري فقط، بل أخذ في السنوات الأخيرة أبعادًا جديدةً، حيث امتد إلى التنسيق الثنائي في عدد من قضايا منطقة شمال إفريقيا بالأخص القضية الليبية، حيث تنظر روسيا بعين الرضا للموقف الجزائري الرافض للتدخل الغربي في ليبيا وتعول عليه كثيرًا في المحافل الدولية، والوضع ذاته ينطبق على القضية السورية. 

نفوذ روسيا المتنامي في شمال إفريقيا وبالأخص في الجزائر، أخرج أمريكا عن صمتها، حيث جهر وزير دفاعها الأمريكي مارك إسبر قبل حلوله بالجزائر، بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صد النفوذ الروسي بالأخص والصين في المنطقة، واتهمهما من تونس بالانخراط فيما وصفه "السلوك المفترس الذي يهدف إلى تقويض المؤسسات الإفريقية وتقويض السيادة الوطنية وإيجاد حالة من عدم الاستقرار واستغلال الموارد في جميع أنحاء المنطقة".

وتسعى أمريكا اليوم للبحث عن موطئ قدم ثابتة في غرب القارة الإفريقية وشمالها بالأخص الجزائر، فرغم قدم العلاقات التاريخية بين البلدين، فإن التعاون بين البلدين في مختلف المجالات يأخذ شكلًا خجولًا. 

وألمح قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال ستيفن تاونسند، خلال الزيارة التي قام بها إلى الجزائر منذ أيام، وتعد الأولى منذ 2018، إلى رغبة بلاده في الدفع بالعلاقات الإستراتيجية والعسكرية، وقال تاونسند: "لدينا الكثير لنتعلمه ونشاركه مع بعضنا البعض، وتعزيز هذه العلاقة مهم جدًا بالنسبة لنا، والجزائر شريك ملتزم في محاربة الإرهاب، وإضعاف المنظمات المتطرفة العنيفة والنشاط الخبيث، وتعزيز الاستقرار الإقليمي ضرورة متبادلة".

الدستور الجديد 

يقول المحلل السياسي والأستاذ في القانون الدولي إسماعيل خلف الله، في حديث لـ"نون بوست": "زيارة وزير الدفاع الأمريكي وقبله قائد أفريكوم إلى الجزائر تؤكد انزعاج أمريكا من الوجود الروسي في ليبيا ومن الزيارات المتتالية للمسؤولين الروس إلى الجزائر".

ويضيف إسماعيل خلف الله أن أمريكا تريد أن تستقرئ مواقف الجزائر الخارجية والتعديلات الأخيرة التي أدرجت على الدستور الحاليّ التي تسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بشروط، وهو خيار لم يكن مسموحًا به منذ السبعينيات، كما أنه يمثل أحد ثوابت العقيدة العسكرية الجزائرية، حيث كانت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1773 آخر حرب شاركت فيها قوات الجيش الجزائري خارج البلاد، ويشير إلى أن أمريكا التي تمتلك مواطئ قدم لها في إفريقيا تريد معرفة توجه الجزائر بعد تمرير هذه التعديلات وأي دور تريد أن تلعبه مستقبلًا.

ورفضت الجزائر مرارًا وتكرارًا طلب الولايات المتحدة الأمريكية، إقامة قاعدة عسكرية على أراضيها تتيح لوشنطن رصد أنشطة التنظيمات الإرهابية، خاصة فرع تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا الملقب بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى جانب جماعات مسلحة أخرى من مالي والنيجر. 

وعلى نفس الخطى سار المحلل السياسي والإعلامي أحسن خلاص، ويقول في حديث لـ"نون بوست" إن الإدارة الأمريكية أخذت علمًا بالرسالة التي أرسلتها السلطة إلى المجموعة الدولية بشأن إتاحة المجال للجيش الجزائري للمشاركة في عمليات خارج الوطن كما ورد في التعديلات الدستورية الجديدة، ويرى المتحدث أن هذا المعطى شجع الولايات المتحدة الأمريكية للاقتراب من الجزائر وإدراجها كشريك مهم وإستراتيجي لا سيما في إفريقيا والساحل وليبيا باعتبارها دولة محورية في القارة الإفريقية. 

وفي إجابته عن سؤال بشأن إمكانية تجاوب الجزائر مع أي طلب أمريكي لتسخير المقدرات العسكرية الجزائرية لصالحها أو لصالح أي طرف أجنبي، قال خلاص: "لا يمكن أن يتم ذلك إلا في إطار اتفاق دعم لوجستي وفي مجال التدريب والتكوين من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وبموافقة روسيا، وهو ما أعرب عنه قائد الجيش الجزائري السعيد شنقريحة خلال لقائه بقائد أفريكوم حيث قال: إن الجزائر مستعدة لتعزيز الشراكة مع أمريكا في المجال العسكري من خلال الآليات القائمة على الشفافية والصراحة والمصالح المشتركة". 

وأكد أن "الجزائر تغلبت على الإرهاب وحدها دون الحاجة إلى أي دعم أجنبي، بفضل عزيمة وإصرار القوات المسلحة والتعاون الوثيق بين مختلف الأسلاك الأمنية والقناعات العالية للمواطنين، وبفضل تضحيات الجيش، وتمّ بعد كفاح مرير ومن دون هوادة، دحر الإرهاب الذي كان علينا مواجهته منذ سنوات التسعينيات، إنجاز كان ثمنه تضحيات جسيمة بشرية ومادية، والتهديد الإرهابي في الجزائر يتقلص بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة".

وحذرت أوساط سياسية في الجزائر من خروج الجيش الجزائري في مهمات خارج الحدود تحت قيادة الأمم المتحدة أو منظمات أجنبية أخرى، وجدد حزب العمال اليساري رفضه أي مشاركة عسكرية للجيش في عمليات بالخارج، واعتبرت التشكيلة السياسية أن إدراج مادة في مسودة الدستور المعروض للاستفتاء في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، سيمهد لإقامة قواعد عسكرية أجنبية في البلاد. 

وقالت الأمينة العامة للحزب لويزة حنون، في مؤتمر صحفي عقدته نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، إنها ترفض أي تدخلات للجيش خارج الحدود، واعتبرت حنون أن خروج الجيش تحت الأمم المتحدة أو منظمات أخرى يعني وضع الجيش في خدمة قوى دولية وإقحام الجزائر في صراعات إقليمية ودولية. 

وترى زعيمة حزب العمال اليساري أنه يتعين على الجزائر المحافظة على مبادئها في عدم التدخل، خاصة أن الجزائر "تملك الإمكانية للدفاع عن مصالحها وترابها من دون الحاجة للمشاركة في هكذا عمليات في الخارج"، وحذرت من أن يكون التوجه الجديد نتيجة لضغوط قوى غربية تسعى لتوريط الجزائر.