أثارت اختيارات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للأعضاء الـ100 المعينين في مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) حالة من الجدل لما تضمنته من أسماء تفتقر للتاريخ السياسي والتأثير المجتمعي، الأمر الذي أثار الشكوك بشأن آليات الاختيار ودوافعه، معتبرين أن ما حدث لا يعدو كونه "ترضيات" ليس إلا.

الأسماء المختارة التي نقلتها وسائل الإعلام المحلية سيطر عليها الإعلاميون والفنانون وضباط الجيش والشرطة ورؤساء الأحزاب المعارضة وبعض نقباء المهن، بينما خلت تقريبًا من الكفاءات التي كان يأمل الشارع أن تنول النصيب الأكبر من هذه الاختيارات.

وبتلك النخبة المختارة من السيسي التي تشترك جميعها في الدعم المطلق للرئيس بات المجلس برمته تحت قبضة النظام، فبخلاف الـ100 عضو الذي وقع الاختيار عليهم، سيطر حزب "مستقبل وطن" المدعوم من أجهزة الدولة السيادية على الثلثين الباقيين، سواء عن طريق قائمته الوحيدة دون منافسة أم مرشحيه على قوائم الفردي.

ويتشكل مجلس الشيوخ من 300 عضو، ينتخب ثلثا أعضائه بنظامي القائمة والفردي، في حين يعيّن رئيس الجمهورية الثلث الباقي، على أن تكون مدة عضويته 5 سنوات، فيما جرت انتخاباته قبل شهر ونصف وقد شهدت عزوفًا كبيرًا من المصريين، فيما بلغت نسبة المشاركة في التصويت نحو 14%.

على خطى مبارك

يبدو أن العقلية ذاتها ما تدير المشهد رغم التطورات التي شهدتها إستراتيجيات الإدارة والحكم في مختلف أنظمة دول العالم، حيث يسير السيسي على خطى سلفه حسني مبارك فيما يتعلق بتحويل مجلس الشيوخ (الشوري سابقًا) إلى ساحة للترضيات السياسية بعيدًا عن دوره غير المجدي في دعم الغطاء التشريعي.

كان مبارك يحول الغرفة الثانية للبرلمان إلى مسرح كبير يضم فيه العديد من أوجه المعارضة الديكورية ورؤساء الأحزاب والشخصيات صاحبة المواقف الداعمة على طول الخط للرئيس ونظامه، التي لا تتسع مقاعد مجلس الشعب (النواب حاليًّا) لاستيعابها نظرًا لمحدودية عددها مقارنة بما يريد النظام ترضيته.

ووفق تلك الإستراتيجية حول الرئيس المخلوع المعارضة السياسية الرسمية (الأحزاب) إلى قطط مستأنسة، لا تصدر أصواتها إلا دعمًا وتأييدًا للرئيس الذي يلقي لقادتها الفتات بين الحين والآخر، ويدعمها من خلال التمويلات والمنح التي تقدم لها بين الحين والآخر.

الأمر ذاته يتكرر اليوم، إذ تضمنت قائمة المعينين، رؤساء الأحزاب البارزة والمصنفة تاريخيًا كأحزاب معارضة، ومن بين تلك الأسماء: رئيس حزب "الوفد الجديد" بهاء الدين أبو شقة ورئيس حزب "التجمع" سيد عبد العال وخلف الزناتي نقيب المعلمين ومحب الرافعي وزير التربية والتعليم السابق والدكتور رياض إسماعيل عميد كلية الزراعة بشمال سيناء وهدى عبد الناصر ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسامح عاشور نقيب المحامين السابق، هذا بجانب الفنان يحيى الفخراني والفنانة سميرة عبد العزيز.

كما ضمّت نقيبة التمريض كوثر محمود ورجل الأعمال نبيل دعبس زوج عضوة مجلس النواب ألفت كامل والاقتصادي هاني سري الدين ومحمود أشرف أبو النصر وعبد الله أمين محمود ومحمد عمر مصطفى ويوسف السيد عامر وإيهاب زكريا عطا الله وعياد راغب وجميل حليم حبيب ‏ومحمود سيد محمود ومحمد محمود ثروت.

اللافت للنظر أنه في ظل مولد توزيع المناصب على المحاسيب، خرج رئيس حزب "التحالف الشعبي الاشتراكي" الكاتب الصحفي مدحت الزاهد ليرفض قبول تعيينه عضوًا في الشيوخ، بحسب نقيب الصحفيين الأسبق يحيى قلاش الذي نقل عن الزاهد قوله: "لن أقبل ولن يقبل حزبي، وإذا قبل الحزب سوف أستقيل منه، وليبحثوا عن أحدٍ غيري" وفق ما كتب على صفحته الشخصية على فيسبوك.

الإعلام.. الحصان الأسود

"عشان تعمل ده محتاج أذرع، وده بياخد جهد ووقت طويل"، هكذا تحدث السيسي خلال ندوة ثقافية للقوات المسلحة في 2012 حين كان وزيرًا للدفاع وقتها، معلقًا على تأثير الإعلام وخطة الدولة لتشكيل منظومة إعلامية جديدة تحقق الأهداف المرجوة.

وعلى مدار السنوات الثمانية الماضية نجحت أجهزة الاستخبارات في تشكيل نخبة جديدة من الإعلاميين القادرين على تنفيذ الأجندة المطلوبة منهم على أكمل وجه، في شتى قطاعات الإعلام (المسموع والمرئي والمقروء) وكان لا بد من ضمان ولائهم عبر الإغراءات المادية والإدارية وإشراكهم في خطة الدولة التنفيذية.

المتابع الجيد للقائمة المعينة في الشيوخ يجد أن حظوظ الإعلاميين كانت النصيب الأكبر من التورتة، وهو ما تم تفسيره على أنه مكافأة النظام لأذرعه الإعلامية التي طالما دعمته وأيدته في توجهاته كافة، وكانت أداته الرئيسية لتشكيل الرأي العام، وقد شملت رئيس مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم" الكاتب الصحافي عبد المنعم سعيد ورئيس تحرير صحيفة "الوطن" محمود مسلم ورئيس تحرير صحيفة "الشروق" عماد الدين حسين والسكرتير العام لنقابة الصحافيين محمد شبانة.

كما ضمت نقيب الإعلاميين طارق سعدة والكاتب محمد صلاح البدري والإعلامي محمد مصطفى شردي والكاتب المتورط في وقائع سب وقذف محمود الكردوسي وصاحب المقال الشهير: "هل يضعه السيسي بأكمله؟" والكاتب إبراهيم حجازي، إضافة إلى رئيسة قطاع الإذاعة السابق نادية مبروك.

غضب وسخرية

الفنانة سميرة عبد العزيز أحد المعينين ضمن القائمة الرئاسية في تصريح لها عقب تلقيها خبر تعيينها أعربت عن دهشتها قائلة: "رغم أني ليس لي علاقات سياسية، (...) ومبفهمش في الحاجات دي"، تصريح أثار غضب رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وسخريتهم في الوقت ذاته، متسائلين عن منطقية التعيينات والأسس التي استند إليها الرئيس في اختياراته.

ودشن رواد السوشيال ميديا هاشتاغ #برلمان_السيسي_مش_الشعب عبروا من خلاله على استنكارهم لكثير من الأسماء الواردة في القائمة، معتبرين أن هدفها الرئيسي مجاملات النظام لذيوله وأبواقه الإعلامية والفنية، وليس له أي علاقة بمصلحة الدولة ولا رغبات الشعب.

تزامنت تلك التعيينات مع تصاعد موجة الاستنكار لانتشار المال السياسي بصورة غير مسبوقة في الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها نهاية الشهر الحاليّ، حيث بلغ سعر الانضمام للقائمة الانتخابية قرابة 10 ملايين جنيه، فيما يغدق المرشحون ملايين الجنيهات لضمان الحصول على أصوات الناخبين.

وقد عزز هذا المناخ الفاسد وضعية الغضب المسيطر على الشارع الذي استقر في يقينه أن البرلمان لم يعد متحدثًا باسم الشعب كما هو المفترض والدستوري، بل تحول إلى منبر للتربح وتحقيق المكاسب من جانب وأداة لتنفيذ أجندة الحكومة وتمرير مشروعاتها وقرارتها من جانب آخر، أما الشعب فلا وجود له على قوائم الأولويات وهو ما تم ترجمته من خلال أداء البرلمان المنتهية ولايته.

وعد فأوفى.. هذا لسان حال الإعلاميين ورؤساء الأحزاب المختارين ضمن قائمة الرئيس الذي ألمح أكثر من مرة أنه لن يتخلى عن رجاله، فها هم يحصدون الثمن ويحصلون على المكافأة، مكافأة الدعم المطلق والتأييد غير المشروط، فيما يبقى الشعب من مقاعد المتفرجين يشاهد مسرحية توزيع الثروات على الموالين بينما هو غارق في أزماته المعيشية الطاحنة الناجمة عن سياسات النظام التي روج لها من اختارهم السيسي اليوم لإقناع الشعب بها بالأمس.