لم تكن مجرد عروض عسكرية تتحدث عن إنجازات جديدة للترسانة الكورية الشمالية، فهو أمر يعتاده العالم ويفجر حالة من الجدل والاستقطاب دائمًا، لكنها رسائل سياسية مباشرة لأمريكا قبل حسم المعركة الانتخابية لتوضيح حالتها وقدراتها وتلاحمها مع شعبها، بجانب توجيه رسائل أخرى لأعداء واشنطن وخاصة إيران، ‏لاستغلال الارتباك الانتخابي غير المسبوق بالولايات المتحدة، فما الرسائل؟ وعن ماذا تتحدث؟ 

ماذا حدث في عرض كوريا العسكري؟

في احتفال تاريخي بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس حزب العمال الكوري ـ الحزب الحاكم في البلاد ـ صدرت كوريا الشمالية، صورة ذهنية جديدة عنها لجميع أنحاء العالم، كان حديث القوة، ولاستعراضها أدلة وبراهين، بداية من ارتداء كيم جونغ أون بذلة على الطراز الغربي وتحضير عبارات قوية ومباشرة مع الكثير من الاستمالات العاطفية لشعبه، لدرجة أنه بكى بالدموع في محاولة لإعادة شحن الجمهور الكوري بالولاء لأسرته ولحزبه. 

كان اللقاء الذي هندسه كيم، محصنًا من الفيروس التاجي، فعند الرئيس الكوري لا الفيضانات ولا حتى الأعاصير وليس مجرد جائحة يمكن أن تمنع واحدة من أكبر العروض العسكرية على الإطلاق، ترسانة من الأسلحة التقليدية والأفراد، صواريخ نووية، مدفعية صاروخية، مئات الدبابات، أحدث المعدات العسكرية، وفوق كل ذلك توضيح حجم التكنولوجيا العسكرية بإبراز التطور الكوري في تصنيع الصواريخ البالستية العابرة للقارات. 

الصواريخ البالستية الجديدة وصلت رسالتها على الفور لأمريكا والعالم، إذ اتفق المحللون على أن الصاروخ الجديد أول وأكبر نموذج متحرك بوقود سائل، ولم تظهر نسخة منه في أي مكان في العالم، وانطلقت التحليلات وأغلبها يرجح أنه مصمم لحمل رؤوس حربية متعددة داخل رأس مدمر موجه.

ومع أن هناك آراءً كثيرةً لبعض خبراء ملف التسيح الكوري الشمالي، ترجح أن تكون المعدات التي يعرضها نظام كيم زائفة ومجرد نماذج غير قابلة للاستخدام، فإن وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر نفى هذه التكهنات وأكد أن البرنامج النووي والصاروخي في كوريا الشمالية أصبح يشكل تهديدًا عالميًا.

تخوفات وزير الدفاع الأمريكي قد ترجح التقديرات المؤيدة لقدرات الصواريخ الكورية الجديدة من مراكز الأبحاث منها مركز أنكيت باندا أو اتحاد العلماء الأمريكيين الذي أكد أن هذا الطراز يعتبر أكبر صاروخ متحرك بوقود سائل على الإطلاق، في إشارة إلى الارتفاع الضخم للصاروخ الذي بلغ نحو 24 مترًا، مع قطر يقارب 2.5 متر.

ويمكن للصاروخ أن يبلغ مدى يزيد على 13 ألف كيلومتر، وهي قدرات تتجاوز بكثير أقوى صاروخ كوري شمالي عرفه العالم - هوانسون 15 - العابر للقارات، الذي أجريت تجاربه عام 2017 وأحدث ضجة كبرى وصراع تاريخي بين ترامب وكيم.  

 

 

يجزم إسبر أن هناك شبه اتفاق بين الخبراء الأمريكيين، على أن برامج كوريا الشمالية النووية والصواريخ الباليستية، أصبحت تشكل تهديدًا حقيقيًا على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، لكنه تهرب من المواجهة منفردًا، ومن مسؤولية واشنطن عن أمن كوريا الجنوبية، وأشار إلى ضرورة مشاركة العبء الدفاعي حتى لا يقع فقط على عاتق دافعي الضرائب الأمريكيين، ما يؤكد تخبط الموقف الأمريكي وعدم قدرتهم على اللهث باستمرار خلف جبروت كيم.

رسائل للانتخابات الأمريكية

مع أن كل ما دار من استعراضات كورية، كان يدور في ضوء الاحتفال التاريخي بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس حزب العمال الكوري، فإن افتراضات الواقع السياسي، تؤكد أن هناك رسائل أخرى موجهة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجرى الشهر المقبل، لا سيما أن الكوريون يعلمون جيدًا أن العالم يراقبهم عن كثب وسيقارن بين ما يحدث عندهم والتطورات على الساحة الدولية، وقد يحمل نيابة عنهم رسائل إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

photo

كانت هناك الكثير من الشواهد على الرسائل السياسية المتعمدة، بداية من ارتداء "الزعيم" لبذلة غربية، رغم الخصوصية الثقافية للمناسبة، وكأن كيم يريد إظهار انفتاحه على الغرب، من غير أن ينسى - من خلال الاستعراض العسكري الباذخ - إظهار ثقة مواطني بلاده أمام العالم في القيادة السياسية والقوات المسلحة الوطنية على حد سواء، والتضامن والاستعداد من القيادة للشارع لخوض التحديات الجديدة التي يمكن أن تطرأ على الساحة الدولية بعد نهاية غبار المعركة الأمريكية مهما كانت نتائجها. 

بخلاف ذلك، يكشف كيم عن تفوقه على نظام الدرع الصاروخي الأمريكي الذي سيكلف الولايات المتحدة ما يزيد على مليار دولار للتفوق عليه، بحسب جيفري لويس، مدير برنامج شرق آسيا لمنع انتشار الأسلحة النووية في المعهد الأمريكي للدراسات الدولية في ميدلبري. 

يمكن القول إن مجمل رسائل كوريا الشمالية لكل من ترامب وبايدن، أنه على الرغم من كل المصاعب التي واجهتها الأمة الكورية، فإن القدرة العسكرية للنظام الشيوعي لا تزال قوية وصلبة للغاية، كما أن البلاد رغم بكاء كيم لم تتأثر بشكل خطير بوباء فيروس كورونا، إذ تصر بيونغ يانغ على أنه لا توجد حالات للمرض داخل حدودها. 

هناك رسالة أخرى، موجهة إلى حكومة كوريا الجنوبية الحليف القوى لواشنطن، مفادها أن كوريا الشمالية تواصل تحسين قدراتها العسكرية التقليدية والنووية، وما زالت قادرة على تطوير أسلحة جديدة ومتطورة، وبالتالي الكرة الآن في ملعب أمريكا وحلفائها الذين عليهم التأقلم والبحث عن طريقة مبتكرة في الحديث مع دولة لا تحيد عن تصوراتها، كما أن نظامها السياسي قوي للغاية ولديه القدرة على العطاء والاستمرار. 

رسائل لإيران

تقف كوريا الشمالية على مسافة قريبة من كل أعداء أمريكا، على رأسهم إيران التي تراقب عن كثب ما يحدث في العالم، وبالتأكيد رسالة كهذه لن تخطئها، فأعداء أمريكا يمكنهم أن يفعلوا جميعًا الشيء نفسه، كما هو معروف في الأدبيات الإستراتيجية.

في إيران وكوريا الأهداف والإستراتيجات لدى النظامين شبه واحدة، إذ تسعى إيران للحصول على برنامج متطور لإطلاق رد نووي مضمون في أي حرب، وهذا هو سبب الصراع بين البلدين والقوة الأكبر في العالم. 

حتى تخرج إيران بالشكل الأمثل، دخلت الملعب قبل أيام بتصريحات هجومية للغاية

أيضًا لدى إيران مثل كوريا الشمالية قدرات سريعة النمو، وتستطيع العمل في كل الاتجاهات والظروف، وربما هذا السبب تحديدًا من أسرار وضع أمريكا لإيران وكوريا الشمالية في كفة واحدة وإن كانت تتعامل مع الملف الإيراني بشكل أكثر جدية، لا سيما أنه الأكثر حدة في التهديد بإيذاء الولايات المتحدة.

طهران في المقابل تعي ذلك جيدًا، كما تعلم أنه من الصعب للغاية الوصول إلى حل مع أمريكا في ظل وجود إدارة ترامب، وبالتالي هضمها لرسائل كيم، يعني أنها قد تقدم على عرض مماثل خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لإرغام نائب أوباما السابق جو بايدن إذا فاز بالمنصب، بأهمية رفع العقوبات والبدء بصفحة جديدة تعود بالجميع إلى طاولة الحوار دون شروط. 

حتى تخرج إيران بالشكل الأمثل، دخلت الملعب بتصريحات هجومية للغاية، منها تصريح بليغ الدلالة قبل أيام، وبعد انتهاء العرض الكوري الشمالي، لسفير الجمهورية الإسلامية في باكو، عباس موسوي، الذي حذر ترامب من شعب يجيد الحرب على حد تعبيره. 

بعد موسوي خرجت دفعة تهديدات مثل طلقات المدافع، من قيادات إيرانية رفعية المستوى، على رأسهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة الذي وصف تصريحات حديثة للرئيس الإمريكي دونالد ترامب بالوقحة.

أبلغ زادة من سيفوز في الانتخابات القادمة أن الشعب الايراني لا ترعبه التصريحات المتغطرسة لنظام الولايات المتحدة، لافتًا إلى أنهم سيختارون أسلوب الرد المناسب على إجراءات الحظر ضد الاقتصاد الإيراني واغتيال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني التي توجع طهران حتى الآن، وهي كلها رسائل لا تخطئ عند صانع القرار الأمريكي وبالتأكيد سيرد عليها بما يناسب الولايات المتحدة في ثوبها الجديد مطلع يناير القادم!