إيمانويل ماكرون

أثارت حادثة قتل اللاجئ الشيشاني للمدرس الفرنسي - الذي عرض على طلابه رسومًا كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم - في إحدى ضواحي العاصمة باريس، الجمعة الماضية 16 من أكتوبر/تشرين الثاني، حالة من الجدل داخل الشارع الفرنسي، فيما اعتبرها الرئيس ماكرون محاولةً للنيل من قيم الجمهورية.

ماكرون في أول رد فعل على هذه الجريمة التي أدانتها الكيانات الإسلامية في مختلف دول العالم وعلى رأسها الأزهر الشريف ومراكز الإفتاء في أوروبا، قرر السيطرة على أنشطة المدارس الإسلامية وتعزيز الأمن بها ومراقبة الدعاية الإسلامية على الإنترنت التي وصفها بالمتطرفة.

الرئاسة الفرنسية أشارت إلى أن ماكرون وعقب اجتماعه بـ6 وزراء من حكومته بحضور المدعي العام لمكافحة الإرهاب أمر باتخاذ "إجراءات ملموسة" سريعة ضد ما أسماه التطرف الإسلامي، مطالبًا "بعدم منح أي مجال لأولئك الذين يُنظّمون أنفسهم بغية الوقوف بوجه النظام الجمهوري".

ردود فعل أثارت مخاوف الجالية المسلمة في فرنسا، البالغ عددها قرابة 6 ملايين مواطن، التي تتوقع أن يتصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضدها خلال الفترة المقبلة بنسبة أكبر مما هو عليه حاليًّا، في ظل تعزيز نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا بوجه عام وفي الداخل الفرنسي على وجه الخصوص، ساعد على ذلك وجود ماكرون نفسه على رأس السلطة في البلاد.

لماذا يكره ماكرون الإسلام؟

لم تكن حادثة باريس بمعزل عن تصريحات ماكرون العنصرية التي لعبت دورًا كبيرًا في تغذية خطاب الإسلاموفوبيا، لعل آخرها ما قاله قبل عدة أيام حيث صرح بأنه "على فرنسا التصدي إلى الانعزالية الإسلامية، الساعية إلى إقامة نظام موازٍ وإنكار الجمهورية" وهي التصريحات التي أثارت ردود فعل غاضبة، داخل فرنسا وخارجها.

منذ قدوم ماكرون إلى قصر الإليزيه وشغله الأول التطاول على الإسلام عبر تصريحات ناعمة يفهم من ظاهرها انتقاد التطرف فيما تبطن بداخلها حقدًا دفينًا على كل ما يمت للإسلام بصلة، فالأحاديث المستفزة التي تصدر عنه بين الحين والآخر ويتعرض من خلالها للمسلمين باتت وردًا يوميًا للرجل الذي يعاني من تراجع حاد في شعبيته الداخلية.

فبعد الأوصاف العنصرية التي نعت بها الدين الذي يعتنقه ما يزيد على مليار ونصف المليار حول العالم، على شاكلة "الإرهاب الإسلامي"، انتقل إلى مستوى أكثر فجاجة في خطاب الكراهية، وصولًا إلى قوله: "الإسلام في العالم يعيش أزمة"، وكشف عن خطّة عمل يجري وضعها لمُواجهتها بصرامةٍ على حد قوله.

الأجندة المصطنعة التي وضعها ماكرون قبل عام ونصف تقريبًا تتخذ من المسلمين كبش فداء للتنصل من مسؤولياته

وعلى عكس ما يدعي ماكرون الذي يحن لحقبة الاستعمار البالية، متعاطيًا مع لبنان كوصي ومع تونس والجزائر كمندوب سامٍ، أنه يفرق بين الإسلام الوسطي والإسلام المتطرف، إلا أن الرجل لا يكل ولا يمل من مهاجمة الاثنين عبر سياسة تخويف يتبعها وحكومته منذ تقلده الرئاسة.

خطاب الكراهية الماكروني المتصاعد ضد المسلمين بات أرضية جيدة لتمرير قوانين وإجراءات أكثر عنصرية ضد الجيلين الثالث والرابع في فرنسا بعد الفشل الواضح في إدماجهم في المجتمع الفرنسي، وهو ما يفسر الهرولة نحو تشريع قوانين جديدة تسعى لإقصاء هوية المسلمين ووأد حضورهم الثقافي والديني عبر مفاهيم العولمة وشعارات العلمانية.

الغريب أن الرئيس الفرنسي في تعامله مع الجالية المسلمة يسير عكس التيار في الغرب، رغم الشعارات المزيفة التي يرفعها بين الحين والآخر التي يندد فيها بعنصرية بعض الحكومات الأخرى، ففي الوقت الذي تنهض فيه أمريكا ضد العنصرية وتستفيق على ما تحمله من مخاطر في أعقاب مقتل جورج فلويد خنقًا تحت ركبة أحد رجال الشرطة، نجد ماكرون يعزف منفردًا في منطقة أخرى تمامًا.

وبينما وعت بريطانيا لمخاطر سياسات العزل المتبعة ضد المسلمين، وأنهت عقودًا من العنصرية ضدهم، من خلال إقامتها لمناطق سكنية خاصة بهم وسط الأحياء الراقية تجبنا لمشاعر الدونية التي من الممكن أن تهدد - حال تصاعدها - أمن واستقرار البلاد، كما حاربت أشكال العنصرية في المدارس والملاعب الرياضية، نجد أن حكومة ماكرون تسير عكس سياسات جارتها.

وإن كانت الحكومات الفرنسية المتعاقبة قد شجعت على سياسات العزل للمسلمين لا سيما المهاجرين منهم حين فرضت عليهم الإقامة في "غيتوهات" عنصرية، وفرقت بينهم وبين بقية أطياف المجتمع على أسس العرق والدين والجنسية، فإن الحكومة الحالية ربما تكون الأكثر تطرفًا في هذا المضمار، الأمر الذي يحمل بين ثناياه تهديدًا مباشرًا لاستقرار وتماسك المجتمع الفرنسي، وهذا ما لا يعيه ماكرون.

كبش فداء للفشل

المواقف العنترية التي يبديها ماكرون ضد الإسلام وإسراعه في تنفيذ مشروعه الذي يجري الإعداده له حاليًّا بشأن ما أسماه محاربة الأفكار الانفصالية واستهدافه الإسلام من خلال وصف أنصاره بالانعزاليين، في حقيقتها - بحسب ما ذهب البعض - محاولة أخيرة منه للتغطية على إخفاقاته الداخلية والخارجية، على المستويين السياسي والاقتصادي والأمني.

العديد من النشطاء الحقوقيين الفرنسيين والعرب ذهبوا إلى أن ماكرون يعاني من شيزوفرينيا سياسية، بين ممارساته العنصرية وأطروحاته الخاصة بقيم فرنسا العلمانية، ولعل استمرار حراك السترات الصفراء توثيقًا واضحًا لحالة التهاوي الواضحة في مكانته ونفوذه لدى الشارع الذي بات يكفر به بعدما تسبب في تراجع مستوى معيشة المواطن وتهديد أمنه واستقراره.

الناشط الفرنسي في مجال حقوق الإنسان ياسر اللواتي في تعليقه على خطاب ماكرون العنصري الأخير ضد المسلمين أشار إلى أن إثارته لقضية مثل مكافحة الأفكار الانفصالية هدفها التغطية على الإخفاقات في السياسة الخارجية والداخلية، ومكافحة وباء كورونا وإنعاش الاقتصاد.

تعاني الجالية المسلمة في فرنسا من خطاب كراهية متصاعد خلال السنوات الأخيرة، في ظل مساعي الحصول على "إسلام مدجن" يخدم الأجندة الفرنسية ولا علاقة له بالإسلام التشريعي

وأضاف في تصريحات له أن الأجندة المصطنعة التي وضعها ماكرون قبل عام ونصف تقريبًا تتخذ من المسلمين كبش فداء للتنصل من مسؤولياته، لافتًا إلى أن مسألة الانعزالية التي يتشدق بها ليست سوى وهم وخيال من بنات أفكاره ولا وجود لها على أرض الواقع، موضحًا أن تلك التصريحات تستهدف الإصرار على دمج أشخاص في المجتمع الفرنسي يرفضون الاندماج المشروط الذي تضعه الحكومة، مختتمًا حديثه بأن "النخبة الفرنسية لا يمكنها قبول اندماج الأتراك والعرب والأفارقة في المجتمع، وأن تكون لهذه المجتمعات نفس الحقوق مع الفرنسيين في إطار المواطنة".

وعلى النقيض تمامًا حين يطفو على السطح أي قضية كنسية لا يلقي ماكرون باللائمة على الدين المسيحي، حتى حين يتعاطى مع الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين لا يشير من قريب أو بعيد للديانة اليهودية، وهو ما يعكس حالة من الحقد الشخصي تجاه كل ما هو إسلامي بعيدًا عن الشعارات المزيفة التي يرفعها.

الجالية الإسلامية.. مخاوف متصاعدة

يحتبس المسلمون في فرنسا الأنفاس ترقبًا لما ستسفر عنه الإجراءات الأخيرة ضدهم في أعقاب حالة السخط العارمة التي فرضتها حادثة مقتل المدرس الفرنسي الجمعة الماضية، حيث أبدت العديد من الجمعيات الحقوقية المسلمة تخوفها من الإجراءات المحتملة ضد الجالية.

وكانت الشرطة الفرنسية قد كشفت عن البدء في ترحيل 231 أجنبيًا مدرجين على قائمة المراقبة الحكومية، وذلك للاشتباه في تبنيهم أفكارًا متطرفة، فيما طالب وزير الداخلية وبعض أعضاء البرلمان بإعادة النظر في أوضاع الجمعيات والمراكز الإسلامية في البلاد.

وتعاني الجالية المسلمة في فرنسا من خطاب كراهية متصاعد خلال السنوات الأخيرة، في ظل مساعي الحصول على "إسلام مدجن" يخدم الأجندة الفرنسية ولا علاقة له بالإسلام التشريعي والحكمي المعروف والمنزل، وهو الأمر الذي ينعكس على الحياة العامة للمسلمين هناك ويتجسد في التفرقة العنصرية الواضحة في التعامل بينهم وبين أنصار الديانات الأخرى.

قياسًا على ما سبق بات من الواضح أن ماكرون يسعى وبكل قوة من أجل الاستثمار الانتخابي في "الإسلاموفوبيا" التي تنتشر بصورة كبيرة في أوروبا والغرب خلال السنوات الأخيرة، وباتت تشكل طوق النجاة السياسي له، إذ يضمن بها دعم أنصار اليمين المتطرف والموالين له، ويغطي بها على إخفاقاته المتعددة.