انتقادات لتعامل الشرطة الفرنسية مع المتظاهرين

أثارت التعديلات الخاصة بمشروع قانون "الأمن الشامل" الذي أقره مجلس النواب الفرنسي (البرلمان) قبل يومين حالة من الجدل داخل الشارع الفرنسي الذي انتفض رفضًا لهذا القانون الذي يعزز من سلطات الشرطة في المراقبة وينتهك الحريات الإعلامية.

القانون الذي تقدمت به الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم "الجمهورية إلى الأمام" يشير في إحدى مواده (24) إلى معاقبة كل من ينشر صورًا مسيئةً لرجال الشرطة بالسجن مدة تصل إلى عام، بالإضافة إلى غرامة تصل إلى 45 ألف يورو، الأمر الذي اعتبره إعلاميون تضييقًا جديدًا على رقابة الإعلام على الحكومة.

ويعد هذا التحرك هو الرابع من نوعه الذي يتورط فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال أقل من شهر، في مجال انتهاك الحريات المزعومة رغم ما يتشدق به ليل نهار بشأن دفاع بلاده عن قيمها وثوابتها الوطنية في فتح الباب أمام الآراء كافة دون قيد أو تضييق، خلال تعليقه على الحملة المنددة له بسبب تصريحاته العنصرية ضد الإسلام ودعمه للرسوم المسيئة للنبي عليه السلام.

وقوبل القانون الذي أسقط الادعاءات الماكرونية بانتقادات شعبية كبيرة، حيث خرج الآلاف في احتجاجات عارمة عمت شوارع باريس، أمس السبت، طالبوا فيها بإعادة النظر في بعض المواد التي تم التعديل عليها والمتعلقة بحرية الصحافة ونشر المعلومات المتعلقة بتجاوزات الشرطة.

ورغم رضوخ وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، ذراع ماكرون المقرب، الذي بات يتعامل كشرطي أكثر منه وزيرًا سياسيًا، لمطالب الشارع الحقوقية بما يضمن حرية عمل الصحافة، فإن الاحتجاجات لم تتوقف بعد، الأمر الذي يضع ماكرون ووزيره وحكومته في مأزق جديد يضاف لسلسلة الفشل التي تحيط بهم من كل اتجاه.

وتواجه الشرطة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة العديد من الانتقادات والاتهامات بارتكاب ممارسات وحشية ضد المتظاهرين والمشتبه بهم، هذا بجانب انتهاكاتها المتواصلة بشأن الأقليات لا سيما العرب والمسلمين، الأمر الذي زاد من احتقان الشارع ضد تلك الممارسات.

توسيع صلاحيات الشرطة

المشروع المقدم يوسع من صلاحيات الشرطة المحلية وينظم الأمن الخاص، كما أنه يغلظ العقوبة على كل من ينشر صور "وجه أو أي علامة تعريف" لشرطي أو دركي خلال أداء عمله بهدف "إيقاع أذى جسدي أو نفسي به"، فيما يعتبرها مؤيدوه خطوة جيدة لحماية ضباط الشرطة وأسرهم من المضايقات على الإنترنت أو المضايقات المباشرة وهم خارج الخدمة.

ويقر القانون إطارًا لاستخدام كاميرات المراقبة والطائرات المسيرة في مكافحة الإرهاب ومراقبة المظاهرات، فيما تقول الحكومة إن الهدف الأساسي لتلك التعديلات وقاية رجال الأمن من الاعتداءات ومن حملات التحرش عبر شبكات التواصل الاجتماعي وإنه لا يمس حق الإعلام في شيء.

وجاء هذا التشريع الذي انبرى لإقراره حزب ماكرون الحاكم بعد الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها الحكومة وقواتها الأمنية في أعقاب نشر صور ومقاطع فيديو لوحشية التعامل مع المتظاهرين والمعارضين، الأمر الذي زاد من تشويه صورة الشرطة ورفع منسوب الاحتقان الشعبي ضدها.

القوى التي تحاول منع الصحافة من القيام بعملها في تغطية عنف الدولة ليست فقط الشرطة، إنها الدولة التي تقف وراءها

انتهاك صارخ للحريات

عشرات الحقوقيين والإعلاميين أعلنوا رفضهم لهذا القانون الذي يمثل بحسب رأيهم انتهاكًا صارخًا للحريات ويقوض من صلاحيات الصحافة والإعلام ورقابتها على ممارسات الشرطة التي تتصاعد وحشيتها يومًا تلو الآخر وسط تصاعد موجات الغضب الشعبي ضد سياسات ماكرون

صحيفة "لوموند الفرنسية" في مقال افتتاحي لها عشية إقرار البرلمان على تلك التعديلات كتبت تقول إن القانون الجديد "ينتهك بشكل صارخ حقًا ديمقراطيًا"، فيما اعتبر رئيس تحرير صحيفة ليبراسيون، دوف ألفون، أن تحركات الحكومة الفرنسية قوضت محاولات ماكرون لتقديم نفسه كمدافع عالمي عن حرية الصحافة.

أما إدوي بلينيل مدير الموقع الإخباري الفرنسي "ميديا بارت" فيرى أن "القوى التي تحاول منع الصحافة من القيام بعملها في تغطية عنف الدولة ليست فقط الشرطة، إنها الدولة التي تقف وراءها" في إشارة إلى أن مثل تلك التحركات مصدرها الأول هو الإليزيه وإدارة الرئيس.

خبراء قانون حذروا من تداعيات هذا القانون على مستقبل الصحافة في المجتمعات الغربية عمومًا، وحق المواطن هناك أن يعرف الحقيقة بعيدًا عن أي تعتيم أو تجهيل، حيث قال الخبير الدستوري الفرنسي باتريك ويل: "إذا تم تمرير القانون فلن تتمكن من تصوير فيديو يظهر مقتل جورج فلويد في فرنسا".

احتجاجات شعبية

وعلى مدار الأيام الماضية منذ الخميس الماضي وحتى مساء أمس السبت شهدت شوارع العاصمة باريس العديد من التظاهرات والاحتجاجات المنددة بتلك التعديلات، فيما أصدرت نقابات الصحفيين في البلاد وعدد من وسائل الإعلام المحلية الفرنسية وبعض الكتل السياسية بيانا مشتركًا أكدت فيه دعمها لهذا الحراك الرافض للقانون.

البيان أدان بشدة أعمال العنف والتهديدات التي تعرض لها الصحافيون خلال وقفاتهم الاحتجاجية اليومين الماضيين على أيدي عناصر الشرطة، لافتًا إلى أنه قد ألقي القبض على عدد من الصحفيين أبرزهم مراسلة  (فرانس 3) تانجي كرماريك، والصحافية المستقلة في (تارانيس نيوز ميديا) آنا نيلسون، حيث تم وضعهما في السجن.

وأضافت نقابة الصحفيين في بيانها أنه تم استهداف 6 مراسلين على الأقل "تعرض ثلاثة منهم للعنف، بما في ذلك الضرب بالهراوات. كما هُدد اثنان بالاعتقال ومنعهما من القيام بعملهما الإعلامي، بحجة ساقها وزير الداخلية جيرالد دارمانان، أنهما لم يعتمدا لدى المحافظة قبل تغطيتهما للتظاهرة".

واختتم البيان بالتأكيد على الدعم الكامل للاحتجاجات الشعبية وإدانة الاعتداءات "المخزية" على حرية الصحافة وحرية إعلام الجمهور، الأمر الذي يضع سمعة فرنسا كونها بلد الحريات في مهب الريح، في ظل سياسة عدائية ينتهجها ترامب مع المعارضين له منذ قدومه الإليزيه.

يذكر أن تصاعد الموقف الاحتجاجي جاء على خلفية اعتقال صحفية القناة الثالثة الفرنسية في أثناء تصويرها لإحدى التظاهرات، ولدى سؤال وزير الداخلية عن سبب الاعتقال رغم شعارات حرية الصحافة قال إن الصحفي لم يبلغ الشرطة بنيته تغطية الاحتجاج قبل القيام بذلك، متابعًا "إذا قام الصحفيون بتغطية المظاهرات فإنه يجب عليهم الاتصال بالسلطات".

يواصل ماكرون تناقضاته المستمرة، ليؤكد أن شعارات الحرية التي يتشدق لها ليست إلا أداة سياسية يتم توظيفها بين الحين والآخر خدمة لتطلعات مستقبلية في ولاية جديدة واستعادة جزء من الشعبية المنقوصة

انتقادات دولية

الانتقادات الموجهة لحكومة ماكرون لم تقتصر على الساحة الداخلية، حيث امتدت إلى المؤسسات الدولية والأممية المعنية بحقوق الإنسان والحريات الإعلامية، حيث عبر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن قلقه إزاء القانون، وقال إنه "يجعل فرنسا في وضع متناقض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

المتحدثة باسم منظمة "مراسلون بلا حدود" بولين أداس أعربت هي الأخرى عن تخوفاتها من التطبيق الخاطئ لتلك التعديلات التي ربما تقيد حرية الصحفي وتعرضه للحبس، قائلة: "ما نخشاه هو أن يعتبر الصحفي وهو يصور في الميدان مسببًا للضرر بشخص الشرطي ونفسيته، ومن ثم يتعرض للاعتقال"، مضيفة أن لذلك "أثرًا ردعيًا على بقية الصحفيين، إذ لا أحد يريد أن يعتقل أو يلاحق قضائيًا، ولا أحد من الصحفيين مستعد لتحمل ضغط الشرطي في أثناء أداء مهمته".

ويواصل ماكرون تناقضاته المستمرة، ليؤكد أن شعارات الحرية التي يتشدق لها ليست إلا أداة سياسية يتم توظيفها بين الحين والآخر خدمة لتطلعات مستقبلية في ولاية جديدة واستعادة جزء من الشعبية المنقوصة بسبب فشله الواضح حيال الملفات ذات التلامس المباشر مع رجل الشارع الفرنسي.

ففي الوقت الذي أقام فيها الدنيا وأقعدها دفاعًا عما أسماه "حرية التعبير" في بلاده تعليقًا على تداعيات الرسوم المسيئة للنبي عليه السلام، يأتي في مواقف أخرى مناقضًا تمامًا للشعارات التي رفعها إبان تلك الأزمة، لتسقط تلك الازدواجية القناع عن مثالية الهدف المنشود ونزاهة التوجه الذي يتم الترويج له.

فقبل عشرة أيام تقريبًا استعرض الكاتب الصحفي البريطاني بيتر أوبورن، في تقرير نشره على موقع "ميدل إيست آي" إحدى الوقائع التي تكشف زيف شعارات ماكرون الذي لا يتحمل أي صوت معارض له رغم تشدقه بالحريات، وكاشفًا عن استغلاله لنفوذه السياسي في إسكات الأصوات المعارضة له، رغم أنه يصدر نفسه "بطلًا للدفاع عن حرية التعبير".

الواقعة تتعلق بتدخل الإليزيه وماكرون نفسه لحذف مقالين، أحدهما في "بوليتيكو يوروب" لأستاذ علم الاجتماع المتقاعد في كلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية بباريس، فرهاد خوسروخفار، والثاني في "فاينانشال تايمز، لمراسلة الصحيفة في بروكسل، مهرين خان، كانا قد تطرقا إلى انتقادات لسياسات الرئيس فيما يتعلق بالتعامل مع ملف "الإسلام وأزمة الرسوم المسيئة".

حالة الشيزوفرينيا التي يعاني منها ماكرون في التعامل مع هذا الملف، تحمل شعارات الحرية حين يكون المستهدف إسلامًا، وأخرى تتسلط لإسكات أي أصوات معارضة لسياساته، تكشف بشكل فج حجم التناقض الواضح الذي يسقط القناع شيئًا فشيئًا، لتؤكد يومًا تلو الآخر أن ادعاءات حريات التعبير التي يدغدغ بها ماكرون مشاعر الأوروبيين مجرد شعارات للاستهلاك السياسي أكثر منها إيمان بقيم بلاده المزعومة.