ذكرت وكالة "رويترز" نقلًا عن راديو الجيش الإسرائيلي أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، زار السعودية أمس الأحد، والتقى ولي العهد محمد بن سلمان ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الذي كان يزور المملكة في إطار رحلة الوداع الشرق أوسطية التي شملت عددًا من دول المنطقة.

وعن تفاصيل الزيارة كشف موقع "والا" العبري أن نتنياهو سافر على متن طائرة مملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي أودي أنجل، حيث وصل إلى مدينة نيوم السعودية المطلة على البحر الأحمر، في تمام الساعة الثامنة مساء الليلة الماضية، واستغرقت الرحلة قرابة 5 ساعات فقط.

ورافق رئيس الحكومة العبرية في رحلته، رئيس الموساد يوسي كوهين، فيما خيمت أجواء السرية على تلك الزيارة السريعة التي امتنع مكتب نتنياهو عن الإدلاء بأي معلومات عنها، بينما اكتفى بالإعلان عن تأجيل الاجتماع الذي كان مقررًا له اليوم الإثنين بشأن فيروس كورونا المستجد، بدعوى عدم الانتهاء من إعداد التوصيات بشأن استخدام الوسائل الرقمية للحد من الوباء، وهي القصة التي أشار مسؤولون إسرائيليون أن الهدف منها التغطية على الرحلة السرية للسعودية.

الزيارة الخاطفة تلك تأتي بعد ساعات قليلة من تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود على هامش قمة زعماء مجموعة العشرين التي انطلقت في الرياض، أول أمس، التي قال فيها إن بلاده تؤيد التطبيع الكامل مع "إسرائيل"، "لكن ينبغي أولًا إقرار اتفاق سلام دائم وكامل يضمن للفلسطينيين دولتهم بكرامة".

كما أنها جاءت بعد أيام قليلة من القمة الثلاثية التي عقدها بومبيو ونتنياهو مع وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، في تل أبيب، الأربعاء 18 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، على خلفية اتفاقيات التطبيع بين "إسرائيل" والإمارات والبحرين والموقعة في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، بجانب السودان الذي تم الإعلان عن اتفاق مماثل قريبًا دون تحديد موعد رسمي للتوقيع.

الحديث عن التنسيق الكامل بين الرياض وتل أبيب ليس بالجديد، لا سيما في ظل الأجواء الحميمية التي تظلل سماء العلاقات بين البلدين على المستويات كافة، فيما تتناقل الأنباء عن قرب توقيع المملكة لاتفاق مشابه للذي أبرمته حليفتيها، الإمارات والبحرين، وإن كان إقدامهما على هذه الخطوة ما كان له أن يتم دون ضوء أخضر سعودي.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد تكلمت الأشهر الماضية عن ترتيبات بشأن زيارة رسمية لنتنياهو للأراضي السعودية دون تحديد موعدها، فيما نقلت مصادر عن قرب عقد لقاء بين ولي العهد ورئيس الحكومة الإسرائيلية في واشنطن أغسطس/آب الماضي، إلا أن تسريب اللقاء إعلاميًا دفع الأمير السعودي للتراجع عنه خشية الانتقادات المحتملة ضده.

توقيت الزيارة في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به المنطقة في أعقاب مؤشرات تغير الإدارة الأمريكية بعدما بات الديمقراطي جو بايدن على بعد خطوات قليلة من البيت الأبيض على حساب الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، الحليف الأكبر للرياض، يثير الكثير من التساؤلات عن الدوافع والأهداف.

حلفاء ترامب في مأزق

ربما تكون النظم السلطوية التي وجدت في ترامب ضالتها لترسيخ حكمها عبر الأدوات الديكتاتورية هي الأكثر قلقًا من خروجه من السباق، إذ تعزز هذا القلق مع تصريحات الرئيس الجديد المحتمل المنددة بسياسات تلك الأنظمة، فضلًا عن المواقف الأولية تجاه بعض الملفات الحساسة التي تحمل تهديدًا لبعض قادة المنطقة.

يأتي هذا اللقاء في محاولة لتعزيز حلف ترامب الشرق أوسطي الذي تقوده السعودية و"إسرائيل"، كونهما الذراعين الأقرب للإدارة الأمريكية الجمهورية لتحقيق مصالح البلاد في المنطقة، فهما الركيزتان الأساسيتان لترامب خلال سنوات ولايته الأولى، حقق من خلالهما العديد من المصالح والمكاسب الدعائية وإن لم تسعفه حتى الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي الذي مني فيه بخسارة كبيرة وفق المؤشرات الأولية حتى الآن.

الحماية الترامبية للنظام السعودي الحاليّ ودعمها له في مواجهة الانتقادات الدولية الحقوقية بسبب الانتهاكات المرتكبة في الداخل والخارج، دفعته لأن يتمسك بتلك الإدارة التي يدين لها بالفضل في الإبقاء على حظوظ الأمير الشاب في تحقيق حلم خلافة والده بعدما كان مستقبله السياسي في مهب الريح إثر اتهامه بالضلوع في اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول أكتوبر/تشرين الأول 2018.

كانت مؤشرات فوز بايدن الأولية صادمة للرياض، وسط تشكيك إعلامي في نتائج الانتخابات، الأمر الذي دفع المملكة إلى إرجاء تهنئته بالفوز حتى وقت متأخر لحين التأكد من النتيجة بصورة شبه نهائية، وهو المؤشر الذي يكشف بوصلة السعودية في تعاملها مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

جولة الوداع

رغم اعتقاد بومبيو أن جولته الشرق أوسطية ربما تكون جولة الوداع ولا طائل منها، فإنه يسعى إلى تحقيق العديد من الأهداف من ورائها، أبرزها الإبقاء على حلفاء الجمهوريين في المنطقة، تحسبًا لأي جديد قادم، وبما يصعب الطريق على الإدارة الجديدة بقيادة بايدن.

بومبيو يريد أن يضع بصمته الأخيرة أمام العالم بشأن شعبية إدارة ترامب وحضورها الإقليمي وقوة تماسك حلفائها رغم الخسارة في الانتخابات، غير أن ذلك ربما يكون أرضية جيدة لماراثونات أخرى قادمة، سواء عبر بوابة البرلمان أم انتخابات 2024.

زيارة بومبيو إلى عدد من المستوطنات الإسرائيلية ولقاؤه بوزير الخارجية البحريني في تل أبيب، ثم دوره المؤكد في ترتيب لقاء نتنياهو وابن سلمان في السعودية، كل هذا في محاولة لأن تكون تلك الزيارة هي إعلان انتصار سياسي لتسليط الضوء على التحولات التي أنجزتها سياسية ترامب.

يسعى وزير الخارجية الأمريكي إلى تعزيز التقارب بين الرياض وتل أبيب خلال المرحلة المقبلة بما يقوي هذا التحالف ويسرع خطوة التطبيع الرسمية أسوة بالدول الخليجية والعربية الأخرى، يقينًا بأن هذا إن حدث سيكون له صداه لدى الشارع الأمريكي مستقبلًا.

وفي المقابل يراهن ابن سلمان على الدعم الأمريكي للوصول إلى كرسي العرش الذي كان لترامب دور كبير في الإبقاء عليه كولي للعهد حتى اليوم، لا سيما أنه غض الطرف عن الجرائم التي ارتكبها الأمير المتهور من أجل إخلاء الطريق نحو الكرسي.

زيارة نتنياهو للسعودية لن تغير كثيرًا من الأوضاع، لكنها ترسخ حقيقة الحميمية التي باتت عليها العلاقات السعودية الإسرائيلية التي تجاوزت فكرة التنسيق من أجل مناهضة النفوذ الإيراني كمبرر تسويقي للتقارب إلى ما هو أعمق من ذلك، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال التغيرات التي بدت على الخطاب الرسمي والشعبي السعودي تجاه دولة الاحتلال التي باتت الأقرب لبعض الأوساط الملكية من دول جوار عرب ومسلمين.