يبدو أن حكام الإمارات حزموا أمرهم من أجل السيطرة على شمال إفريقيا ومنطقة المغرب العربي، فبعد تغلغلهم في كل من ليبيا والمغرب وتونس، تُحاول الدولة الخليجية مد عروقها في الجزائر وذلك في إطار مشروع ثورة مضادة لضرب مساعي التغيير السياسي عبر أدوات الضغط وآليات طورتها أبو ظبي في السنوات الأخيرة لزيادة مشاركتها في المنافسات الجيوسياسية لإفريقيا، بما في ذلك التحالفات السياسية والمساعدات الاقتصادية والاستثمارات والاتفاقيات العسكرية والعقود التجارية.

نظرًا لثقلها الإستراتيجي وموقعها في خريطة الفعل السياسي والدبلوماسي الدولي ودورها في بعض الملفات الحيوية كالأزمة الليبية والساحل والصحراء، تحاول أبو ظبي جاهدة تطويع الجزائر لخدمة أجندتها الإقليمية المتمثلة في مشروع النظام العربي الجديد الذي يعد التطبيع مع الكيان الصهيوني أحد أعمدته الرئيسية، ويرى حكام الإمارات أن الدولة العربية الواقعة في شمال إفريقيا آخر حجر عثرة أمام تحكمها في خيوط بنية العلاقات خارج حدودها الجغرافية.

منع سفر

آخر الورقات التي لعبتها أبو ظبي لابتزاز الجزائريين كانت وضع مواطني الدولة العربية الواقعة في شمال إفريقيا على قائمة الممنوعين من دخول أراضيها وفق تعميم أصدره مجمع الأعمال، المملوك لدولة الإمارات، الذي جاء فيه منع الجزائريين ومواطني 12 دولة أخرى من دخول البلاد، بعد أيام من جدل بشأن صحة القرار، وصمت رسمي.

التعميم لم يوضح ما إذا كان هناك أي استثناءات للحظر، غير أن مصدر مطلع على الأمر كشف لوكالة "رويترز" أن الإمارات أوقفت مؤقتًا ولفترة محدودة إصدار تأشيرات دخول لمواطني تونس ولبنان والعراق وعدة دول أخرى لاعتبارات أمنية، دون كشف نوعية هذه الدواعي، فيما اعتبره جزائريون إهانة جديدة من أبو ظبي لبلادهم ويعود سببها الرئيسي إلى عدم ردها الحازم على تحركاتها في العيون وإلى سوء تقدير بعض الوزراء.

وفي السياق ذاته، هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها الإمارات قيودًا على بعض الدول لدخول أراضيها، فأبو ظبي يُعرف عنها في السنوات الأخيرة انتهاج مثل هذه الإجراءات لدواعي سياسية بحتة تهدف من ورائها إجبار الطرف المقابل على التواصل والتفاوض وتحريك المياه الراكدة وفق ما يخدم مصالحها.

ومثل هذا الإجراء اعتمدته الإمارات مع تونس في 2018 حين منعت التونسيات من دخول أراضيها، وذلك ردًا على سياسة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي أرسى توافقًا مع حركة النهضة رغم الدعم الذي أغدقته عليه أبو ظبي في الانتخابات الرئاسية إعلاميًا ولوجستيًا من أجل إقصاء الإسلام السياسي عن الحكم في مرحلة أولى تليها عملية استئصال على الطريقة المصرية بقيادة العسكري عبد الفتاح السيسي.

تهديدات

ضغوط الإماراتيين انتقلت من مرحلة التدخل الناعم في السياسة الداخلية للجزائر عبر الدعم الذي كانت تقدمه للرئيس الراحل عبد العزيز بو تفليقة أو لجنرالاته المعروفين بقربهم من حكام أبو ظبي، والشراكة الاقتصادية، إلى مرحلة التهديد والوعيد، ما يطرح كثيرًا من الأسئلة عن الأسباب الحقيقية وراء استهداف الجزائر ومحاولات تقويض استقرارها.

آخر التحركات الإماراتية في هذا السياق، كشفتها مصادر إعلامية غربية، حيث أكدت أن الإمارات أبلغت الجزائر عبر مسؤول أمني كبير عن شعورها بالقلق مما وصفته "سياساتها المعادية لها"، مهددةً بـ"مراجعة تعاونهما الاقتصادي والثنائي بشكلٍ كامل" ما يعني أن أبو ظبي تلوح بفرض عقوبات سياسية واقتصادية قد تصل إلى إعادة تقييم العلاقات الثنائية برمتها.

الموقع الفرنسي "مغرب إنتليجنس" أورد في أحدث تقرير نشره أن الإمارات تسارع في تحركاتها ضد الجزائر، وتعمل على ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على قياداتها بسبب مجموعة مواقف لم ترض حكام الإمارات، مشيرًا إلى أن التوتر الحاصل بين البلدين يعود للصيف الماضي عندما ندد الإماراتيون بوضوح بتقارب الجزائر مع مواقف تركيا بشأن الملف الليبي، وبعض الملفات الإقليمية الأخرى في المنطقة.

 

وبحسب مصادر "مغرب إنتليجنس"، فقد بعثت القنوات الدبلوماسية الإماراتية غير الرسمية رسائل غضب أبو ظبي إلى الجزائر العاصمة، خاصة بعد أن بلغ التوتر ذروته بعد تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون عن الدول العربية التي تطبع علاقاتها مع "إسرائيل" في 20 من سبتمبر/أيلول 2020، وإدانته الشديدة لهذا التطبيع عبر استهدافه مباشرة الإمارات.

ووفقًا لذات المصادر، فقد أرسل الشيخ محمد بن زايد رسالة تهديد مباشر في شكل برقية سرية لنظيره الجزائري عبر الملحق العسكري الجزائري السابق في أبو ظبي والرئيس الحاليّ للمديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) الفرع الرئيسي للخدمات الجزائرية عبد الغني الراشدي، ورد فيها أن أبو ظبي لن تتردد لثانية واحدة في تبني عقوبات اقتصادية وسياسية ضد الجزائر إذا استمرت السلطات في التحرك خارج سرب توجهات الدولة الخليجية، إضافة إلى التهديد بمراجعة تعاونها الاقتصادي والثنائي بشكل كامل.

وفي وقت اختار فيه الرئيس الجزائري تبون عدم الاستعجال في الرد والمضي قدمًا في انتهاج ذات السياسة الخارجية (الانفتاح على تركيا وقطر)، سارعت أبو ظبي بافتتاح قنصلية في الصحراء الغربية في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، في إشارة إلى أنها ماضية في تنفيذ تهديداتها وأنهما لم يعودا في نفس الضفة، وهي رسائل مشفرة مفادها أن أي تحرك ضد توجهات الإمارات سيعد عدوانًا صريحًا يتطلب وضعها تحت مرمى نيران أبناء زايد.

الموقع أشار أيضًا إلى أن "التحفظات الإماراتية تركزت على الملف الليبي ومسألة التقارب مع تركيا التي عززت موقعها في ضفة البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى ملف التطبيع حيث يرى حكام الدولة الخليجية أن الجزائر "وقعت في الفخ التركي في الأزمة الليبية وهو ما يعد تهديدًا لمصالحها".

حصار الجزائر

التحركات الإماراتية في إفريقيا تؤكد مساعيها الحثيثة من أجل ضرب حصار على الجزائر نظرًا لثقل هذه الدولة دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا، فحكام أبو ظبي لديهم وجود قوي في ليبيا عن طريق اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يمثلها تقريبًا في كامل مناطق الشرق، وأيضًا في مصر باعتبارها الداعم الرئيسي لعبد الفتاح السيسي ولانقلابه على الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي، وكذلك الحال في تونس حيث تخوض حربًا ضد ما تسميه الإسلام السياسي وتقدم الدعم الإعلامي واللوجستي للحزب الحر الدستوري بقيادة عبير موسي، وفي النيجر أيضًا لديها حضور قوي خاصة بعد إنشائها قاعدة عسكرية على بعد أقل من 400 كيلومتر فقط من الجزائر، وفي مالي تُعد الممول الأساسي للغزو والحرب الفرنسية، كما تسيطر الدولة الخليجية أيضًا على موريتانيا التي تتحكم تقريبًا في ميزانيتها بالقروض والتمويلات.

من جهة أخرى، يمكن القول إن التقارب الإماراتي المغربي أحد أهم فصول الضغط السياسي الذي تمارسه أبو ظبي على الجزائر من أجل تطويعها ودفعها إلى ركن العجز الدبلوماسي وقبولها بالأمر الواقع، فرغم أن الدولة الخليجية لم تكن علاقتها بالرباط بأفضل حال، خاصة أن الأخيرة عُرفت بموقفها المحايد في الصراع بين أبو ظبي والدوحة (الخلاف الخليجي)، بل بميولها إلى قطر حينما ساعدتها في تمويل بالمواد الغذائية في مواجهة الحصار، الأمر الذي دفع البلدان إلى تبادل هجمات إعلامية شديدة، أجبرت المغرب على سحب قواته في التحالف العربي في اليمن، إلا أن الإمارات خفضت من منسوب التوتر واستثمرت في قضية الصحراء الغربية بفتحها لقنصلية في مدينة العيون، والهدف الرئيسي من هذه الحركة هو توتير العلاقات بين المغرب والجزائر وزعزعة استقرار المنطقة خدمة لمشروعها الإستراتيجي.

وفي هذا الجانب، يرجح سياسيون وناشطون جزائريون أن يأتي اعتراف الدولة الخليجية بمغربية الصحراء، في هذا الوقت تحديدًا، في سياق تأزيم الأوضاع في المغرب العربي وتعقيدها ومحاولات الضغط على الجزائر التي تعد حجر عثرة أمام مسار التطبيع العربي الشامل مع الاحتلال الإسرائيلي، فأبو ظبي أدركت مؤخرًا أن قواعد اللعبة تغيرت وأن النظام الحاليّ أقل ولاءً لها وتبعيةً ويصعب التحكم في قراره السيادي، لذلك لم تجد إلا الضغوط وتحريك ماكينة الفتنة.

التحركات الإماراتية دفعت رئيس حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي بالجزائر) عبد الرزاق مقري، إلى اتهام حكام أبو ظبي بقيادة مشروع زعزعة استقرار منطقة المغرب العربي، معلقًا في تغريدة على موقع تويتر، على أزمة معبر "الكركرات" الحدودي بين المغرب وموريتانيا، "الإمارات في مدينة العيون.. أينما حلت الإمارات تعقدت الأزمات.. وسالت الدماء".

 

خسائر بالجملة

في مداخلة مع "نون بوست" أرجع الصحفي الجزائري رياض المزوزي التدخل الإماراتي في الجزائر إلى أن أبو ظبي لم تستسغ طريق التغيير الذي انتهجته بلاده الذي وصفه بالربيع العربي الهادئ الذي أسقط منظومة حكم خنقت البلاد والعباد لأكثر من 20 سنة كاملة، لذلك عملت الدولة الخليجية على بث الفوضى خلال مسيرات الحراك الشعبي في 22 من فبراير/شباط 2019، من أجل نفخ الروح في جسد سلطة بوتفليقة عبر الإعلام الذي سوق للخوف وإمكانية وصول الجزائر إلى السيناريو السوري واليمني وكذلك الليبي.

الصحفي الجزائري أشار أيضًا إلى الدور الذي لعبته قناتا العربي وسكاي نيوز في إخراج الحراك الشعبي عن سياقه السلمي الحضاري وتقديمه على أساس مشروع فوضوي لهدم الدولة وتقويض استقرارها، مؤكدًا أن الخلاف الإماراتي الجزائري طفا لأول مرة على السطح حينما اختار قائد أركان الجيش الجزائري الراحل القايد صالح الذي كان محسوبًا في وقت سابق على أبو ظبي، مصلحة بلاده والتمترس في صفوف الشعب.

محاولات أبو ظبي  لزعزعة الاستقرار الجزائري، تعود أيضًا بحسب المزوزي، إلى خسارتها الأفضلية الاقتصادية بعد انهيار نظام بوتفليقة الذي مكنها في فترة حكمه من جني أرباح طائلة، مضيفًا أن خلاف ازداد حدته بعدما تقرر سحب تسيير أربعة موانئ كبيرة في الجزائر من شركة موانئ دبي العالمية، وهي الموانئ التي كانت الإمارات تحقق فيها أرباحًا تفوق الـ70%، خاصة بميناء الجزائر الدولي.

خسائر الإماراتيين لم تقف عند هذا الحد، فقد تحطم حلم أبو ظبي وباريس على حد سواء في إنجاز وتسيير ميناء الحمدانية، وهو أكبر ميناء على المستوى الإفريقي بغلاف مالي يتراوح بين 5 و6 مليارات دولار، ومن شأنه معالجة 6.5 مليون حاوية و25.7 مليون طن من البضائع سنويًا، وبعد نجاح الحراك الشعبي أصبح الميناء يُدار بالشراكة بين الجزائر والصين، وهو على ما يبدو لم تستسغه الإمارات.

وفي ذات السياق، أكد المزوزي أن الإماراتيين صفعوا مجددًا بعد أن أهانهم وانتقدهم بشكل لاذع الرئيس تبون على خلفية تطبيعها مع "إسرائيل"، حيث وصفهم بـ"المطبعين والمهرولين"، لذلك تحاول الإمارات إشعال المنطقة وزعزعة الاستقرار الداخلي الجزائري من خلال جيشها الإلكتروني لتقسيم منطقة القبائل وتحريك ملف الصحراء لإشعال الحدود الغربية، بعدما لجأت أبو ظبي إلى فتح قنصلية بمنطقة العيون ودعم موقف المغرب في التدخل العسكري بالكركرات، مشيرًا إلى أن حدة الخلاف مرجحة للتوسع بعد أن تبين بشكل واضح توجه الجزائر نحو القطب الصيني الروسي والتركي في المشاريع والمواقف وغيرها.

بالمحصلة، يمكن القول إن التطورات الداخلية في الدول العربية وخاصة في شمال إفريقيا، المتمثلة في الثورات الشعبية التي انطلقت عام 2011، إضافة إلى التنافس الجيوسياسي المحموم بين القوى الإقليمية والدولية في تلك المنطقة على تحصيل موطئ قدم، دفعت الإمارات إلى دق أجراس الخطر، فمصالحها الأمنية والاقتصادية التي كان يرعاها حكام موالون باتت مهددة، وبالتالي فإنها تسعى إلى تحصين نفسها أولًا من المد الثوري ومن ثم الانطلاق إلى خارج حدود الجغرافيا وفق مبدأ "امنح قليلًا وطالب بالكثير"، لكن على ما يبدو أن الجزائريين أيضًا لهم قوانينهم الخاصة أهمها "صديق عدوي داخل في عداوتي".