يبدو أن الإمارات لم تكتف بعد باتفاق التطبيع السياسي والاقتصادي مع الاحتلال الموقع بينهما في النصف الأول من أغسطس/آب الماضي، لتدخل من باب الرياضة الذي لم يكن موصدًا قبل ذلك التاريخ، عبر سلسلة من اتفاقات جديدة ومذكرات تفاهم تحضيرًا لفعاليات ومسابقات مشتركة وعمليات انتقال متبادلة للاعبين واستثمار في الأندية والرياضة بشكل عام.

الإمارات كعادتها وضعت عنوانًا ورديًا لهذا التقارب وألبسته لبوس التسامح والتقارب بين الحضارات والأديان، وهو تبرير قد يسقط من الوهلة الأولى حينما يتعلق الأمر بشراء نادٍ معروف بتاريخه وانتهاكاته وجرائمه ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض وجماهيره اليمينية المتطرفة والمعادية للعرب ووجودهم، الأمر الذي يطرح أسئلة حارقة عن مصلحة الدولة الخليجية من شرائه؟

مفاوضات

نقلت هيئة البث الإسرائيلية (رسمية)، في وقت سابق، عن المتحدث باسم "بيتار القدس"، أن بعثة من النادي بمشاركة صحفيين إسرائيليين، ستزور أبو ظبي نهاية الأسبوع الحاليّ لتوقيع اتفاق بيع أسهم من النادي للشيخ حمد بن خليفة آل نهيان، مشيرة إلى أن النادي سيعقد لاحقًا مؤتمرًا صحفيًا يُعلن خلاله رسميًا هذه "الخطوة التاريخية".

وكان أحد مالكي "بيتار القدس"، موشيه هوغ، قد كشف في تصريحات سابقة نقلتها قناة "كان" الإسرائيلية الرسمية، أنه تلقى خطابًا من الشيخ حمد بن خليفة آل نهيان قدم خلاله الأخير عرضًا رسميًا لشراء نحو نصف الأسهم في النادي، مضيفًا "تلقيت عرضًا تاريخيًا"، وذلك دون الكشف عن تفاصيل أخرى بالخصوص لا سيما بشأن قيمة الصفقة المرتقبة.

النادي الذي يلعب في الدوري الممتاز لكرة القدم في "إسرائيل"، كشف في سبتمبر/أيلول الماضي، أنه يتفاوض على استثمار محتمل مع مجموعة إماراتية في بيان تلا إعلان "إسرائيل" والإمارات الاتفاق على تطبيع العلاقات، فيما لم يصدر إلى الآن أي تعقيب إماراتي على الخطوة.

نادٍ متطرف

لمن لا يعرف تاريخ النادي الإسرائيلي، فإن "بيتار القدس" أو "بيتار يوروشلايم" بالعبرية، هو النادي الوحيد الذي لم يشرك أي لاعب عربي أو مسلم للعب ضمن صفوفه، كما هي الحال في بقية النوادي الإسرائيلية، وهو أيضًا فريق يرتبط بتاريخ مثير للجدل في "إسرائيل" منذ نشأته.

تأسيسه يعود إلى العام 1936 حيث ارتبط اسمه بالسياسة وهو اختصار لـ"بريت يوسف ترومبلدور"، أي تحالف يوسف ترومبلدور، وهي منظمة شبيبة الصهيونيين التصحيحيين التي أسسها زئيف جابوتنسكي وأراد من خلالها أن يخلد زميله ترومبلدور، وهو يهودي مولود في القوقاز ويعتبرونه شخصيةً مثاليةً خدمت الصهيونية، وعمل الاثنان معًا على إقامة الكتائب اليهودية خلال الحرب العالمية الأولى.

في ثلاثينيات القرن الماضي، نشط أعضاء "بيتار" في الأعمال الإرهابية داخل فلسطين، وتحالفوا مع "الأيتسل"، وهي منظمة صهيونية نفذ أعضاؤها عدة عمليات ضد العرب، قبل انسحاب القوات البريطانية من فلسطين.

مشجعو النادي يطلقون على أنفسهم تسمية "لا فاميليا" (العائلة)، واعتادوا في المدارج توجيه الشتائم للمسلمين خلال المباريات التي تجمعهم بفريق من فلسطينيي الداخل، ومعرفون أيضًا بعدائهم الكبير للمسلمين وعقيدتهم وهتافاتهم العنصرية من قبيل "محمد مات.. محمد مات" و"الحرب الحرب" و"الموت للعرب".

عداؤهم المتطرف توضح للعالم عام 2013، حينما قرر أركادي غايدماك، وهو يهودي روسي امتلك فريق "بيتار" آنذاك، استقدام لاعبين مسلمين اثنين من الشيشان على سبيل الإعارة، هما زاهر سعيدوف وغابرييل قادييف، لم يتقبل المشجعون الخطوة فخرجوا إلى الشوارع وأحرقوا إطارات السيارات ورفعوا لافتات تندد بالقرار إلى أن انتهت فترة الإعارة وغادر اللاعبان الفريق المتعصب.

عام 2019، انتقل اللاعب النيجري علي محمد للعب مع "بيتار"، إلا أن رابطة مشجعي الفريق طالبت الإدارة بالعدول عن الصفقة إذا لم يغير اللاعب اسمه، والطريف في الأمر أن اللاعب مسيحي إفريقي، ورغم ذلك أصرت الجماهير على موقفها مبررة طلبها بالقول: "كيف سنهتف باسمه، محمد أم علي؟"، ومع رفض اللاعب تغيير اسمه أصبحت الجماهير تناديه بـ"علي مو" على غرار تسمية مشجعي ليفربول للمصري محمد صلاح (مو صلاح).

المعروف عن النادي أيضًا، قربه من دوائر سلطة الاحتلال والحظوة التي يتمتع بها لدى اليمين المتطرف، حيث صرح زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغور ليبرمان أن "بيتار هو أهم مكتسبات دولة إسرائيل وهو الواجهة الكروية لتيار اليمين المتشدد وفخر مدينة القدس. إنه ببساطة نادي الشعب وقيمته تتمثل في حب إسرائيل والديانة اليهودية".

تعاون قديم جديد

التعاون الرياضي بين دولة الإمارات العربية المتحدة و"إسرائيل" ليس جديدًا، وكان قد بدأ منذ سنوات، حين شاركت فرق إسرائيلية في عدة نشاطات أقيمت في أبو ظبي ودبي، خصوصًا في الألعاب الفردية "الجودو" وكرة المضرب، وغيرها من المسابقات مثل:

  • مارس/آذار 2018: شارك سائقان إسرائيليان في "رالي أبو ظبي الصحراوي" للسيارات.
  • مارس/آذار 2018: شارك 20 رياضيًا إسرائيليًا في "بطولة العالم للجوجيتسو" لفنون القتال للشباب والناشئين بالإمارات.
  • مايو/أيار 2018: شاركت الإمارات في "طواف إيطاليا 2018" للدراجات الهوائية في "إسرائيل".
  • أكتوبر/تشرين الأول 2018": فاز اللاعب ساغي موكي بالميدالية الذهبية في بطولة دولية للجودو، وتم عزف النشيد الإسرائيلي لأول مرة بحضور وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف.
  • مارس/آذار 2019: شارك وفد رياضي إسرائيلي في دورة الألعاب الأولمبية المخصصة للرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة في أبو ظبي.

أما فيما يخص الاتفاقات الجديدة، فقد وقعت رابطة المحترفين الإماراتية لكرة القدم ونظيرتها الإسرائيلية مؤخرًا مذكرة تفاهم هي الأولى من نوعها، في أحدث صور التطبيع بينهما، وذلك عقب إبرام اتفاقات مشابهة على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

بُعيد الإعلان عن الاتفاقية، أكد نادي "ماكابي حيفا الإسرائيلي" أنه تلقى دعوة من نادي العين الإماراتي لخوض مباراة ودية في أبو ظبي، سيطلق عليها "مباراة السلام"، يحدد موعدها لاحقًا، فيما صرح أحد مالكي نادي هابول تل أبيب بأنه على علاقة مع رجال أعمال من الإمارات يرغبون في الاستثمار في النادي، وهو ما أكده الاستقبال الحار الذي لقيه وفد الفريق الإسرائيلي برئاسة بوعز توشاف من مجلس دبي الرياضي، حيث بحث الطرفان سبل التعاون المشترك وفرص الاستثمار.

 

التعاون لم يقف عند حد مذكرات التفاهم، فحسب تقارير يبدو أن لاعب الوسط الإسرائيلي السابق بيرام كايال يحوز اهتمام العديد من النوادي الإماراتية، وذلك في الوقت الذي انضم فيه المهاجم ضياء سبع إلى نادي النصر في دبي قادمًا من نادي صيني، هو أول لاعب إسرائيلي يوقع على عقد مع فريق إماراتي.

لماذا بيتار؟

اختيار الإمارات لنادي "بيتار" للاستثمار لم يكن اعتباطيًا، فالفريق الذي تحول من منظمة إلى أكبر نوادي الاحتلال يعتبر فريق العاصمة بالنسبة لـ"إسرائيل"، ولهذا السبب تحديدًا وقع اختيار المستثمرين وهم الواجهة لسلطات الإمارات على شراء هذا النادي، ومن المتوقع أن تصبغ أبو ظبي الخطوة بغطاء ديني كأن تبرر عملية الاستحواذ بأنها استهدفت فريق القدس الذي يعني كثيرًا بالنسبة للمسلمين.

من جهة أخرى، يعلم الإماراتيون جيدًا أن الفريق يكن عداءً كبيرًا للعرب وأن خطوتهم لن تلقى قبولًا من مشجعي بيتار الذي استبقوا المفاوضات بنشر صور وكتابات مسيئة للنبي الكريم ودولتهم على الجدار الخارجي لملعب ناديهم بعد خسارة فريقهم أمام مكابي حيفا، فلماذا هذا الإصرار؟

 

الإجابة تكمن في الأسئلة العكسية: لم لا يحاول الإماراتيون شراء نادٍ عربي أو فلسطيني بالتحديد أو أن تتعاقد أبو ظبي مع لاعبين من رام الله وقطاع غزة؟ ولم تصمت الإمارات إزاء الممارسات التي يقوم بها الاحتلال كمنع الرياضيين الفلسطينيين من المشاركات الخارجية عبر تقييد حركتهم، وتعمد تأخير بعثاتهم المشاركة في أحداث رياضية خارجية؟

لا يُفهم من تحركات الإمارات الأخيرة من خلال الاتفاقيات الجديدة مع الكيان الصهيوني، سوى المزيد من تشديد الخناق على الفلسطينيين من البوابة الرياضة هذه المرة، فالتقارب سيعود بالنفع على الاحتلال أكثر من الإمارات، كالأموال الطائلة التي سيجنيها جراء المباريات المشتركة التي سيستثمرها في بناء منشآت رياضية وتطوير المستوطنات، فيما كان بإمكان أبو ظبي التوجه إلى أوروبا المعروفة بريادتها عالميًا إذا كانت حقًا تريد النهوض برياضتها.

وفي سياق ذي صلة، فإن التطبيع الرياضي الإماراتي هو جزء من إستراتيجية كاملة المعالم يلتقي فيها البعد السياسي بالاقتصادي والثقافي، وهي عملية شديدة التعقيد والتشابك تستند إلى خطة مفصلة ودقيقة لتطويق العالم العربي وإرغامه على التطبيع الشامل مع الاحتلال، وخطوة التطبيع الرياضي لا تقل خطورة عن باقي أنماط التطبيع، فالإمارات بهذه الخطوة ستفتح الأبواب لـ"إسرائيل" للعودة إلى ملاعب آسيا.

خطورة تنافس الأندية الإماراتية على التعاقد مع لاعب منتخب كيان الاحتلال، بيرم كيال، لا يتعلق بالداخل الإماراتي فقط بل الأمر سيشمل كل الأندية في المنطقة، فالانتداب سيفتح أبواب الأزمات على مصراعيها في البطولات الآسيوية، فحتمًا هناك أندية أنظمتها تُعادي "إسرائيل" سترفض اللعب مع الأندية الإماراتية تضم في صفوفها إسرائيليين، وستمتنع عن استقبالها.

إذًا الخطوات الإماراتية يُمكن اعتبارها من خلال هذا العرض، صناعة أزمة ومحاولة لفرض "إسرائيل" عربيًا وإقليميًا، على اعتبار أنها خدمة لا تُقدر بثمن من أبو ظبي للاحتلال من أجل العودة إلى القارة الآسيوية بعدما أجبرها العرب سابقًا بقيادة الكويت على الخروج من القارة الصفراء (1974)، والتوجه إلى ملاعب القارة الأوروبية عام 1992.

 

بالنهاية، فإن الوتيرة المتسارعة لتوطيد العلاقات والتقارب الإماراتي الإسرائيلي عبر سلسلة الاتفاقيات المتعددة على أكثر من صعيد، دبلوماسي واقتصادي وتجاري ورياضي، تُوحي بأن خريطة الفعل السياسي في طريقها إلى التغير 360 درجة، وأن الكيان بات يملك أدوات دبلوماسية جديدة وأنظمة وظيفية كحكام أبو ظبي والبحرين التي تترأس الاتحاد الآسيوي، لكن المؤكد أيضًا أن الكرة التي ألقت بها الإمارات مؤخرًا في ملعب التطبيع العربي ستجعلها في وضعية التسلل الشعبي.