في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، تم تسليم ميزانيات كل الدول التي تشكّل منطقة اليورو. تسببت البيانات الاقتصادية التي تم تقديمها في ضربة كبيرة للبورصات الرئيسية حول العالم. وتعتبر تلك البيانات من أعراض الركود الاقتصادي ودليلا على عدم وجود انسجام سياسي في أوروبا.

تعتبر هذه البيانات (التي تركز على العجز والدين العام)  إحدى الطرق (سواء كانت الأفضل أو الأسوأ) للنظر السياسات المالية للدول الأعضاء. يفرض ميثاق الاستقرار والنمو، الذي صادق عليه المجلس الأوروبي سنة 1997، خارطة طريق على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 

تعود هذه المعاهدات الأوروبية بالفائدة على مصالح ألمانيا، خاصة فيما يتعلق بالسياسة النقدية. لكن فرض سياسة صارمة "على الطريقة الألمانية"، لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في منطقة أخرى. ومع ذلك، فإن النموذج الألماني الذي كان يبدو مثاليا في نظر المؤسسات والدول الأعضاء والمواطنين، بدأ يضعف نوعا ما، وهذا ما تعكسه حالة الانكماش في الاقتصاد الألماني، والتي تقدر بحوالي 0.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما قد يؤدي إلى تغيرات جيوسياسية كبيرة في منطقة اليورو.

تعد فرنسا المثال الأبرز على مزاحمة النموذج الألماني الصارم. وخلال التصويت القادم، يمكن للمفوضية الأوروبية أن تفرض عقوبات على الحكومات التي لا تمتثل لاتفاقية سنة 1997.

في النهاية، تسعى ألمانيا إلى ضمان صرامة الاتحاد الأوروبي، لا سيما في مجال الميزانية، مما يعطيها مسؤولية كبيرة. كما قد يعيد نموذجها الاقتصادي، أو نموذج آخر بديل، تشكيل الواقع الاقتصادي الإقليمي.

النموذج المهيمن 

في الجغرافيا السياسية، تعتبر النماذج الاقتصادية بمثابة استراتيجية إقليمية لنظام اقتصادي متكامل، حيث تحاول جهات فاعلة أن تقنع أو تفرض على دول أخرى رؤية معينة للاقتصاد، وبالتالي للمجتمع. في هذه الحالة، يتم بناء الاستراتيجيات الاقتصادية ضمن إرادة فرض السيطرة بالقوة الاقتصادية وليس بقوة عسكرية على دول أخرى في إطار العولمة. يشبه هذا التنافس "الآثار الكارثية للشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي"، وهو ما أطلق أستاذ العلوم السياسية جوزيف صموئيل ناي القوة الناعمة.

من هذه الزاوية، تصبح الدول "مفترسة اقتصاديا" من أجل المحافظة على مكاسبها النسبية. تستفيد الدولة "المعتدية" من دخل اقتصادي كبير إذا تمكنت من أن تفرض نموذجها على الدول الأخرى، مما يضمن، في الاتجاه الصعودي، قدرتها على العمل كمحور مركزي. وهكذا، في ظل تفسير اختزالي إلى حد ما، نتحرك نحو إنشاء دول مركزية وأخرى على الهامش.

سعت ألمانيا لتصبح مصنع أوروبا وجزءا مهما من عملية التصنيع عالميا. ويكمن ثقل ألمانيا في تأثيرها على القوانين والسياسات النقدية الأوروبية. 

تتفق الجهات الفاعلة في الدولة على طريقة تسيير الأمور بما يعزز هيمنتها وقدرتها على الحصول على المزيد من المكاسب الرأسمالية. وبالتالي، فإن ما يسميه إيمانويل والرشتاين بالاقتصاد العالمي، الذي سيصبح في هذه الحالة الاقتصاد العالمي الرأسمالي، يشبه كثيرا عملية تجسيد نموذج اقتصادي متفوق على الآخرين.

بشكل عام، سوف تبلور العولمة رؤية واحدة أو أكثر، أي ستكون الرؤية الأمريكية المهيمنة والدول الأوروبية التابعة لها، ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بمثابة المعايير الكبرى. وتتنافس هذه الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا وألمانيا من أجل مستقبل النموذج الأوروبي، وكل طرف يرغب  في أن يترك بصمته. عادة ما يُنظر إلى ألمانيا على أنها مركز أوروبا مع وجود تابع قوي لها وهي فرنسا. على العكس من ذلك، ترى فرنسا أوروبا بقيادة ثنائية، وتحاول تأكيد سلطتها السياسية من أجل ذلك، ولكنها ربما ما زالت تفتقد إلى نفس الثقل الألماني في الوقت الحالي.

التنافس بين ألمانيا وفرنسا

يندرج النموذج الاقتصادي الألماني ضمن تيار ظهر في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي يسمى الليبرالية المنظمة أو اقتصاد السوق الاجتماعي. ويعد هذا النوع من الاقتصاد مساحة تضع فيها الدولة نظاما محددا للقواعد العامة ليتم تطبيقها، ثم تكريس مبدأ المنافسة الحرة في السوق لصالح الشركات. وتطبق معظم الدول الأوروبية هذا النموذج الاقتصادي بدرجات متفاوتة. يعمل نموذج الليبرالية المنظمة بشكل جيد للغاية في ألمانيا. وبناء عليه، تسعى الدولة الألمانية، بسياستها القائمة على تصدير المنتجات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية، إلى تعزيز مكانتها المهيمنة على حساب الدول الأخرى.

سعت ألمانيا لتصبح مصنع أوروبا وجزءا مهما من عملية التصنيع عالميا. ويكمن ثقل ألمانيا في تأثيرها على القوانين والسياسات النقدية الأوروبية. 

أما النموذج الفرنسي، فهو عبارة عن اقتصاد اجتماعي أكثر انضباطا وتسييسا. بعبارة أخرى، هو نموذج ليبرالي يضمن فيه تدخل الدولة نموا أكبر مما حدث في ألمانيا.

ومع ذلك، يجرّ ثقل ألمانيا، بشكل مباشر أو غير مباشر، فرنسا وجميع البلدان الأخرى لتنفيذ سياسات صارمة في الميزانية وإعادة هيكلة السوق.

ما هي عواقب عدم التضامن الأوروبي؟

كما ذكرنا سابقا، تُعد النماذج الاقتصادية بمثابة استراتيجيات تمثل في النهاية مصدر دخل للمجتمع. أدى التقشف الألماني والأوروبي القسري إلى كسر الرفاهية الاقتصادية في بعض الدول الأوروبية. وقد تم تفعيل هذا النموذج في جميع أنحاء أوروبا تقريبا. 

يظهر ذلك بوضوح في إسبانيا، حيث انخرطت حكومة ماريانو راخوي المحافظة بقوة في تنفيذ إجراءات التقشف. ولعل المشكلة في رأينا، لا تكمن في السعي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، بل في تكيف هذا النموذج مع حاجة المجتمع للخدمات الصحية والإسكان والعمل اللائق.

إذا نجحت ألمانيا في فرض نموذجها الاقتصادي على الدول الأوروبية الأخرى، فإن هيمنتها تظل أقل وضوحا من الناحية السياسية في ظل الضغوط التي تمارسها فرنسا بدعم من إيطاليا التي تستضيف الرئاسة نصف السنوية لمجلس الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي مؤسسات مثل البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي تتخذ مواقف غير قطعية. في الواقع، تطرح الرؤية الألمانية الموحدة أعباء كبرى لإعادة إطلاق اقتصاد الاتحاد الأوروبي.

المصدر: بسيكولوخيا إي منتي