استنكار حقوقي لقرار منع التغطية الإعلامية لجلسات المحاكمات في مصر

أقرت الحكومة المصرية تعديلها المقترح بشأن قانون العقوبات المعمول به والمتضمن منع التغطية الصحفية والإعلامية للمحاكمات بصفة عامة، مع وضع شروط - شبه مستحيلة - للتصوير أو التسجيل تتضمن موافقة جميع أطراف المحاكمة، وهي الخطوة التي أثارت حالة من الجدل داخل الشارع المصري.

التعديل المقترح الذي وافق عليه مجلس النواب (البرلمان) يجرم التصوير أو التسجيل أو النقل لأي تفاصيل داخل المحاكمة دون موافقة رسمية من كل من رئيس المحكمة والنيابة العامة والمتهم والمدعي بالحق المدني أو ممثلي أي منهما، وفي حال الإخلال بهذه الشروط فإن الصحفي معرض للسجن مدة لا تقل عن سنة، مع غرامة مالية تتراوح بين 100 ألف جنيه (6367 دولارًا) و200 ألف جنيه (12734 دولارًا) عليهم، هذا بجانب مصادرة الأجهزة المستخدمة في التغطية، سواء كانت كاميرات أم هواتف محمولة.

الحكومة ممثلة في وزارة العدل بررت هذا التعديل بأن الهدف منه حماية المتهمين من التشويه والتعريض بهم من خلال تصويرهم داخل الجلسات بما يجعلهم محل ازدراء من الآخرين، طالما لم تصدر ضدهم أحكام نهائية، إعمالًا للمبدأ القانوني "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".

القانون ليس وليد اليوم، إذ تعود نسخته الأولى إلى عام 2017 حين تقدمت وزارة العدل به إلى البرلمان، غير أن طموح الوزارة حينها اقتصر على موافقة رئيس المحكمة (كتابيًا) فقط على تغطية الصحفيين لوقائع الجلسة، لكن بعد 3 سنوات ها هو القانون على وشك التمرير لكن بشروط أكثر إجحافًا وتقييدًا.

انتقادات حدة قوبل بها هذا التعديل كونه يمثل طعنة جديدة في ظهر منظومة الحريات والحقوق المهلهلة في مصر، ويمنع نقل وقائع الجلسات للمشاهد بما فيها من تجاوزات وخروج على القانون، فيما وصفه مراقبون بأنه يمثل "حماية" للانتهاكات المرتكبة داخل قاعات المحاكم التي تم فضحها أكثر من مرة - إعلاميًا - خلال السنوات الماضية وأثارت الكثير من الجدل بين المصريين.

يتزامن هذا التعديل المثير للجدل مع تصويت البرلمان الأوروبي، أمس الجمعة، على مشروع قرار يستنكر الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها السلطات المصرية، ويطالب بإقرار عقوبات دولية ضد المتورطين في تلك الانتهاكات، مع حث قادة دول أوروبا على اتخاذ مواقف حاسمة وفتح تحقيقات موسعة إزاء الملف الحقوقي داخل مصر الذي بات محل جدال داخل الأوساط الدولية المعنية خلال السنوات الأخيرة على وجه التحديد.

مخالفة دستورية

يعكس التعديل الأخير نية السلطات الحاليّة في تجاهل الدستور والضرب ببنوده عرض الحائط، إذ تؤكد الوثيقة الدستورية وبشكل قاطع على حرية الصحافة والإعلام وعدم التعرض لمن يمارس هذا العمل وفق الضوابط المهنية لأي عقوبات من أي نوع، بل على العكس توفر له الحماية الكاملة لذلك.

الفقرة الثالثة من المادة (71) من الدستور المصري تنص حرفيًا على أنه "لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون".

لم يكن المشرع بحاجة إلى تعديل جديد لمنع أي تغطيات إعلامية من شأنها أن تؤثر على سير العدالة أو تنعكس سلبًا على المتهمين قبيل صدور أحكام باتة ضدهم، إذ كان من صلاحيات القاضي في السابق منع التصوير في بعض الحالات، وكان ينص على ذلك صراحة ويتم إخراج كل الإعلاميين الموجودين من القاعة، وهو ما جعل الإصرار على إضافة تلك المادة الجديدة أمرًا يثير الريبة.

في تقرير سابق وثق المرصد العربي لحرية الإعلام (مستقل) قرابة 200 حالة سوء تعامل مع الصحفيين داخل جلسات المحاكم خلال الفترة بين عامي 2016 و2018، لا سيما في القضايا ذات البعد السياسي وعلى رأسها محاكمات قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتيارات المعارضة الأخرى.

نقيب الصحفيين الأسبق يحيى قلاش وصف المادة الجديدة التي أضافتها الحكومة لقانون العقوبات بأنها "كارثة تنال من روح العدل الذي يعتبر العلانية أحد دعائمه لأنها تكرس ثقة الناس في القضاء"

طعنة جديدة للحريات

انتقادات حادة قوبل بها هذا التعديل الذي يراه البعض قيدًا جديدًا يكبل حرية الصحافة وحق المواطنين في معرفة كواليس ما يدور داخل جلسات المحاكمات التي يثار بشأنها الكثير من الأقاويل بخصوص حزمة من المخالفات التي تقع بحق المتهمين والمحامين في قضايا بعينها.

شعبة المصورين الصحفيين بنقابة الصحفيين المصرية أعربت عن صدمتها البالغة حيال هذا القانون، لافتة في بيان لها بالاشتراك مع لجنة الحريات بأن هذا القانون "غير مفهوم وغير مقبول" ويمثل كارثة حقيقية للعاملين في مجال التصوير الصحفي على وجه الخصوص.

الشعبة في بيان لها نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي أشارت إلى أنه "لا يمكن القبول أبدًا بأن تؤدي الصورة الصحفية بصاحبها إلى الحبس لمدة عام أو الغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه"، مضيفة أن هذا التعديل "يشكل حصارًا آخر على عمل المصورين الصحفيين" في إشارة إلى القيود التي فُرضت مؤخرًا في هذا الشأن أيضًا وأبرزها ما سمي بـ"تصريح التغطية الصحفية"، وهو التصريح الذي جعل المصورين معرضين للاستهداف والحبس رغم حماية الدستور لهم (افتراضيًا).

واختتمت لجنة الحريات والشعبة بيانهما بمطالبة الحكومة "بالتراجع الفوري عن هذا التعديل الذي يزيد من الحصار المفروض على مهنة الصحافة، ويخالف الدستور الذي يضمن حرية العمل الصحفي ويلغي الحبس في قضايا النشر، ويجعل الصحفيين والمصورين معرضين لعقوبات مخيفة وغير منطقية".

من جانبه أكد عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، أن التعديل الجديد "يصطدم بالمبادئ العامة التي أقرتها نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها الدولة المصرية"، موضحًا أن كل الاتفاقيات التي وقعت عليها الحكومة المصرية تتضمن علانية المحاكمات، إلا في بعض الاستثناءات التي تكون فيها العلانية خطورة على الأمن القومي أو إخلال بمبادئ العدالة.

نقيب الصحفيين الأسبق يحيى قلاش وصف المادة الجديدة التي أضافتها الحكومة لقانون العقوبات بأنها "كارثة تنال من روح العدل الذي يعتبر العلانية أحد دعائمه لأنها تكرس ثقة الناس في القضاء"، مضيفًا في منشور له على صفحته على فيسبوك: "وكذلك تضرب حرية النشر، والحق الأصيل للمواطن في المعرفة، وتتعارض مع مواد الدستور المصري، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، داعيًا كل القوى والتيارات والأطراف المعنية بالتصدي لهذه الكارثة، على حد وصفه.

 

استمرار لمسلسل الانتهاكات

ينضم التعديل القانوني الأخير لسلسلة طويلة من الإجراءات والقوانين التي أقرها النظام المصري خلال السنوات الماضية لتضييق الخناق على الحريات في محاولة للعودة بالمشهد الإعلامي إلى ستينيات القرن الماضي، وهي الغاية التي طالما تمنى الرئيس عبد الفتاح السيسي تحقيقها حين أثنى أكثر من مرة على إعلام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث الرأي الواحد ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

منذ دخول السيسي قصر الاتحادية والتسليط الأكبر من الضوء الرقابي والتشريعي كان على الإعلام والحريات الصحفية، كونها التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس الذي يعلم جيدًا تأثير الإعلام في صناعة الرأي العام المحلي، الذي كان له الدور الأكبر في شيطنة الإخوان ونظام حكمهم والترويج للنظام الجديد والثورة المضادة.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) في دراسة رصدية لها جاءت تحت عنوان "تشريعات الظلام.. نماذج من القوانين المقيدة للحريات في 7 سنوات، يونيو/حزيران 2013- يونيو/حزيران 2020" وثقت أبرز 25 قانونًا صدروا خلال تلك الفترة وكان لهم تأثير قوي في تكبيل حقوق وحريات المصريين.

إن كان هذا القرار ليس الأول من نوعه، إذ سبقه قرار آخر في أكتوبر 2019 إلا أنه الأكثر حدة في لغة الخطاب المستخدمة والمطالب المقدمة، وهو ما يعتبره البعض جرس إنذار جديد بشأن مستقبل العلاقات بين القاهرة وأوروبا

الدراسة فندت تبريرات السلطة الحاكمة لإبرام تلك القوانين بدعوى أنها جاءت من أجل مواجهة التطرف والإرهاب، بالكشف عن تداعياتها ميدانيًا على أرض الواقع حيث حصار الحريات والحقوق واستهداف المهتمين بالشأن الحقوقي والنشطاء والإعلاميين المغردين خارج السرب.

ومن أبرز القوانين التي رصدتها الشبكة، قانون تنظيم الاجتماعات والتظاهرات السلمية الصادر في 2013 وقانون مباشرة الحقوق السياسية في 2014 وقانون الكيانات الإرهابية في 2015 وقوانين الصحافة والإعلام بتفريعاته المختلفة في 2016 وقانون الهيئات القضائية 2019، وكلها قوبلت بانتقادت لاذعة في الداخل والخارج.

 

البرلمان الأوروبي.. صفعة جديدة

تزامنًا مع الجدل المثار بشان القوانين القمعية المكبلة للحريات، تبنى البرلمان الأوروبي قرارًا عاجلًا بشأن تردي الأوضاع الحقوقية في مصر، وذلك خلال جلسته العامة التي عقدت أمس الجمعة 18 من ديسمبر/كانون الأول 2020، وبأغلبية 434 صوتًا من أعضاء المجلس مقابل رفض 49 وامتناع 202 عن التصويت.

القرار أدان بشدة الحملة القمعية التي تستهدف مؤسسات المجتمع المدني والمدافعين عن الحقوق في مصر، بجانب الصحفيين والكتاب والأطباء والمحامين المعتقلين في قضايا الرأي، داعيًا إلى الإفراج الفوري عنهم والمطالبة بموقف أوروبي موحد وقوي ضد المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

وقد تضمن القرار الختامي 15 توصية للسلطات المصرية تهدف إلى تحسين الحالة الحقوقية بشكل تشريعي وميداني، أبرزها إجراء تحقيق شفاف في الانتهاكات التي تم ارتكابها خلال السنوات الأخيرة ومحاسبة المتورطين فيها، كذلك مراجعة بعض التشريعات المسيئة حقوقيًا وعلى رأسها قانون الجمعيات الأهلية ومحاربة الإرهاب.

المطالب المرفوعة شملت مطالبة العواصم الأوروبية باتخاذ مواقف حازمة بشأن فرض عقوبات على المسؤولين المصريين الثابت تورطهم في انتهاكات حقوق الإنسان، منددين بالدعم الذي تحصل عليه القاهرة من بعض العواصم الأوروبية فيما يتعلق بمبيعات السلاح لا سيما فرنسا التي انتقدها البرلمان بسبب منحها الرئيس المصري وسام "جوقة الشرف الفرنسي".

وإن كان هذا القرار ليس الأول من نوعه، إذ سبقه قرار آخر في أكتوبر 2019 إلا أنه الأكثر حدة في لغة الخطاب المستخدمة والمطالب المقدمة، وهو ما يعتبره البعض جرس إنذار جديد بشأن مستقبل العلاقات بين القاهرة وأوروبا رغم الجهود التي يبذلها السيسي لتحسين صورته عالميًا.

تزامن قانون منع التغطية الإعلامية داخل جلسات المحاكم وقرار البرلمان الأوروبي يعكس المأزق الحقيقي الذي بات فيه نظام السيسي عالميًا، رغم مئات الملايين المنفقة لتحسين الصورة عبر شركات العلاقات العامة الدولية

ولاقى هذا التحرك تأييدًا كبيرًا لدى الأوساط الدولية، حيث اعتبرت الأمم المتحدة أي عقوبات محتملة قد يفرضها الاتحاد الأوروبي ضد مصر "أمرًا سياديًا" وليس للمنظمة أن تتدخل فيما يقرره الاتحاد أولًا، كما جاء على لسان المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، خلال لقاء صحفي عقده في المقر العام للمنظمة بنيويورك.

مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين المصريين، عمرو بدر، في تعليقه على قرار البرلمان الأوروبي أشار إلى أن المخرج الوحيد من هذا المأزق الإفراج عن سجناء الرأي وتعزيز حرية الصحافة ونزاهة الانتخابات، مشيرًا إلى أن الحكم السلطوي الحاليّ إن نجح عامًا فلن يستمر في هذا النجاح، وعلى الدولة المصرية أن تعيد النظر في ملفها الحقوقي طالما اختارت أن تكون جزءًا من العالم.

 

ولم يصدر عن الخارجية المصرية أي رد رسمي حتى كتابة هذه السطور، غير أن مجلس النواب (البرلمان) أصدر بيانًا أدان فيه قرار البرلمان الأوروبي مطالبًا إياه "بعدم تنصيب نفسه ‏وصيًا على مصر، والنأي عن تسييس قضايا حقوق الإنسان لخدمة ‏أغراض سياسية أو انتخابية"، داعيًا إلى النظر بموضوعية لما أسماه "الجهود المصرية في حفظ الأمن والاستقرار على المستوى الداخلي والإقليمي".

تزامن قانون منع التغطية الإعلامية داخل جلسات المحاكم وقرار البرلمان الأوروبي يعكس المأزق الحقيقي الذي بات فيه نظام السيسي عالميًا، رغم مئات الملايين المنفقة لتحسين الصورة عبر شركات العلاقات العامة الدولية، وهو الأمر الذي يتوقع معه تصعيدًا من نوع آخر حال استمر النظام في عناده الذي يتوقع أن ينكسر خلال الأيام القادمة عبر إجراءات تخفيفية (اليوم تم إخلاء سبيل 63 متهمًا في 6 قضايا تتعلق بالانضمام لجماعة محظورة) تجنبًا لأي إجراءات من شأنها أن تضع سمعة السيسي على المحك خاصة مع خسارته للحليف الأمريكي الأبرز، دونالد ترامب، ووصول الديمقراطيين للحكم، وما يمثل ذلك من صداع مزمن للسلطات الحاكمة في المحروسة.