بعد عامين على اندلاع حراكهم ضد البشير، أيقن السودانيون أن تنحيه عن الحكم لم يكن كافيًا لإصلاح أوضاع بلادهم أو تحقيق مطالبهم في الحرية والعدالة الاجتماعية، وأن شعار "تسقط بس" أبطأ ديناميكية ثورتهم ومنجزاتها على الأرض ومن شأنه أن يُحيي وميض نار ديكتاتورية العسكر من تحت الرماد.

ذهب البشير وقامت في الخرطوم سلطة بمكونين اثنين (عسكري ومدني) اتفقا على إدارة البلاد حتى إجراء انتخابات عامة نهاية عام 2022، إلا أن السودانيين عادوا من جديد إلى الشوارع من أجل استرداد الثورة التي يعتقد كثير منهم أنها سرقت واختطفت من أيديهم فلم تُحقق أهدافها المتمثلة أساسًا في ضمان التنمية والعدالة ومحاسبة الفاسدين ومن تعلقت برقابهم جرائم ارتكبت خاصة في عهد البشير أو خلال أيام الثورة كمجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو/حزيران 2019 بالقوة.

 

جرد حساب

جرد حساب الثورة السودانية جعل الذكرى الثانية لاندلاع الحراك (19 من ديسمبر/كانون الأول)، تبدو مختلفة عن سابقتها من حيث العوامل المحركة للجماهير، فإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، فإن الدافع الأساسي يتمثل في مخاوف استمرار تصدر الديكتاتورية العسكرية التي توالت على حكم البلاد على مدى 54 عامًا منذ الاستقلال (1956) المشهد، على اعتبار أنه بات يهدد مسار تأسيس سلطة انتقالية تضطلع بتنفيذ مهام محددة متمثلة في السلام ووقف التدهور الاقتصادي وتفكيك دولة الحزب الواحد وإعادة هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية وبناء المنظومة العدلية وتمكين المرأة وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتقديم الجناة في حق الشعب السوداني لمحاكمات عادلة.

رغم مرور عامين على الثورة، يشكو معظم السودانيين ترديًا متسارعًا في أوضاعهم الاقتصادية، الأمر الذي ولد قلقًا اجتماعيًا وزاد منسوب الشعور بالإحباط، فلا يزال الفرد السوداني يكابد أزمة اجتماعية واقتصادية حادة من شح السلع الأساسية مثل الخبز والوقود، وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 240%، وتدهور العملة الوطنية إلى حدود 260 جنيهًا للدولار الواحد، ودين يساوي 201% من الناتج المحلي الإجمالي.

الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي إضافة إلى الأزمة السياسية المتفاقمة بين مكوني السلطة، غذى مخاوف حدوث انقلاب سياسي عسكري في البلاد ودفعه إلى استحضار الشعار الذي أطلق في فترة تفاوض قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري ومفاده "حنتعصر حنتعصر ما بنتغشى زي ناس مصر"، في إشارة إلى أن الأحداث التي تعيشها بلادهم مشابهة إلى حد بعيد بالتجربة المصرية حين انقلب عبد الفتاح السيسي على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، فكل عوامل الانقلاب متوافرة وقائمة كتدخل الجيش وانخراط قوى الثورة المضادة الداخلية والإقليمية التي تعمل جاهدة على إعادة السودان إلى مربع الحكم الشمولي.

بين العسكر والمدنيين

الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة ألقت بظلالها على المكونين العسكري والمدني للسلطة بتبادل التهم علنًا، فالمدنيون يؤكدون أن حل الأزمة المتعددة الأوجه بقبضة الجيش الذي يتحكم في معظم الموارد المالية والاقتصادية، في حين ترجع المؤسسة العسكرية تردي الأوضاع وفشل المسار الانتقالي إلى ضعف الحكومة المدنية ووهنها.

على هذا الجانب، فإن توتر العلاقات بين مكوني السلطة السودانية يؤكد بصفة واضحة الصعوبات التي تعترض المسار الانتقالي السياسي والتهديدات التي قد تعرقل محاولات إرساء نظام ديمقراطي، حيث بلغ الخلاف بين السلطتين إلى حد إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح برهان صراحة، أن الحكومة "فشلت في تحقيق طموح الجماهير" بعد مرور عام على تشكيلها، مؤكدًا أن القوات المسلحة ستظل "قوة الشعب الأولى، تدافع عنه وتحمي مكاسبه وتعمل على حماية ثورته".

الصراع لم يقف عند هذا الحد، فرئيس الوزراء عبد الله حمدوك أدلى بتصريحات جريئة عن شركات القطاع العسكري والعلاقة المضطربة بين الشريكين في السلطة الانتقالية، ليرد البرهان في غضون ساعات بتصريحات انتقد فيها قانون سنه الكونغرس الأمريكي بشأن الانتقال الديمقراطي في السودان، متهمًا المدنيين (المكون المدني) بجلبه من وراء البحار.

مراقبون للأزمة في السودان، يؤكدون أن ما يحدث في البلد هو أخطر من مجرد خلافات سياسية واختلاف في وجهات النظر والتقديرات، بل هي تباينات عميقة وجذرية وليدة لاختلاف مرجعية السلطتين قد تؤدي في النهاية إلى تفكك الدولة ومؤسساتها، وهي مرحلة تتضاعف فيها المخاطر التي تحيط بالفترة الانتقالية في ظل تأثيرات إقليمية وغياب نواة مدنية صلبة تتصدى للتأثيرات الخارجية المناوئة للحكم المدني، خاصة بعد تجميد "حزب الأمة" القومي لنشاطه داخل التحالف الحاكم، وانسحاب الحزب الشيوعي و"تجمع المهنيين السودانيين" منه، مع الأخذ في الاعتبار الانقسام داخل التجمع المهني نفسه منذ أشهر، إذ بلغ هو الآخر حد وجود جسمين بذات الاسم.

انقسام الثوار

حالة الركود التي يعيشها السودان من حيث تباطؤ المنجز الثوري ليس وليد انقسام السلطة فقط، فالمكون الراعي للحراك والداعي للتغيير أصابه هو أيضًا التصدع والتشرذم والتباين الحاد في وجهات النظر تجاه أهداف وشعارات الحراك، حيث ضرب الانقسام القوى التي قادت الثورة وعلى رأسها تجمع المهنيين وقوى "الحرية والتغيير" المرجحة للتفكك والتلاشي، مما أدى الى اختلاف الموقف من السلطة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري، نتج عن خطاب تصعيدي من الجانبين.

شقان مختلفان متعارضان، أحدهما ضد سلطة الانتقال يتهمها صراحة بالنكوص والانحراف عن أهداف الثورة لذلك يجب إسقاطها من خلال الحفاظ على المد الثوري وسلطان الشارع، حيث تدعو اللجان الثورية و"تجمع المهنيين السودانيين"، الذي قاد الحراك الشعبي الذي أسقط الحكم السابق، إلى ضرورة "الدفع بملفات العدالة والمحاسبة، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، إلى جانب تعزيز مدنية السلطة الانتقالية، ووقف تغول العسكريين على الملفات التي تقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية".

 

وشدد التجمع في بيان، على أهمية "التصدي لمحاولات التلاعب بحق الشعب في الرقابة على السلطة الانتقالية، عبر محاولات فرض مجلس تشريعي مدجن يستبعد قوى الثورة"، مطالبًا "بإنفاذ المعالجات اللازمة لفك الضائقة الاقتصادية، ورفع كفاءة أداء أجهزة الدولة، والحزم أمام مسببات الأزمة الراهنة في الخبز والوقود والدواء"، داعيًا إلى ترجمة "ما تم من خطوات في ملف السلام، إلى واقع ينعكس على حياة المتضررين في المناطق المتأثرة ومعسكرات النزوح، واستكمال المساعي وصولًا إلى السلام الشامل"، معتبرًا أن "ثورة ديسمبر سارت طوال عامين في منعرجات مد وجزر".

الحزب الشيوعي السوداني أشار بدوره إلى "التراجع البائن عن شعارات وأهداف الثورة والتآمر عليها من بقايا النظام السابق، والمتمثلة باللجنة الأمنية لنظام البشير السابق"، رافضًا ما أسماه "تمدد المكون العسكري من خلال مجلس السيادة، وخطفه لعدد من الملفات، وعلى رأسها ملف السلام"، مؤكدًا أنه "ملف محوري ومدني بالدرجة الأولى"، منددًا بسيطرة العسكر على السياسة الخارجية، ما جعلها خاضعة للإملاءات الإقليمية والدولية.

أما الطرف الثاني فينادي بالاحتفال بالثورة ومنجزاتها ويُطالب الحكومة بالإصلاحات وتحقيق أهداف محددة كالعدالة والاقتصاد وتكوين المجلس التشريعي، ويقود هذا الطرح كل من حزب الأمة القومي والتجمع الاتحادي والبعث العربي والمؤتمر السوداني، وهي قوى أعلنت في وقت سابق أنها "ستعارض أي دعوات لإسقاط حكومتنا الانتقالية".

حمدوك والتحديات

يرى مراقبون أن المكون العسكري للسلطة في السودان تغول على صلاحيات الحكومة، وذلك نظرًا إلى أن المكون المدني في مجلس السيادة تخلى عن دوره وعجز عن تقوية موقف فريق حمدوك بتشكيل حاضنة وحزام سياسي، كما أن الأداء الضعيف لقوى الحرية والتغيير واتجاههم نحو تغليب مصالحهم الحزبية الضيقة عقد الأزمة وفاقم من حدتها.

في المقابل، من المرجح أن تستند حكومة حمدوك في تنافسها على السلطة مع المكون العسكري على الرغبة دولية في مساعدة السودانيين على عبور الفترة الانتقالية والوصول إلى بر التحول الديمقراطي عبر الانتخابات، ويعد القانون الأمريكي الذي أقره الكونغرس المتمثل في دعم الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية في السودان، القاعدة الصلبة التي ستعمل من خلالها الحكومة المدنية وسترتكز بالأساس على قرار ضرورة سيطرتها على الشركات المملوكة للجيش والأجهزة الأمنية كشرط للحصول على المساعدات الأمريكية.

من جهة أخرى، فإن رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتحسين علاقات السودان الخارجية من خلال مؤتمر برلين للمانحين، إضافة إلى الحماس الدولي الملحوظ للتغيير في هذا البلد، سيدفع القوى المدنية إلى السير قدمًا في محاربة وجوه الثورة المضادة من أجل تفكيك دولة الحزب الواحد وإنهاء سلطة الإنقاذ التي يتزعمها العسكر.

على الصعيد الاقتصادي، فإن إلغاء التصنيف سيتيح للخرطوم الحصول على مساعدات دولية قد تخفف من الأزمة الاقتصادية الطاحنة ويجعل رئيس الوزراء يقف على أرضية صلبة من أجل استعادة شعبيته المتآكلة، فالقرار من شأنه أن ينهي عزلة قسرية استمرت 27 عامًا، ويفتح لها الأبواب لإعادة الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي والإقليمي، وسيمنحها فرصة للتوسع في حركة التبادل التجاري مع العالم وجذب الاستثمارات وتحويلات ومدخرات المغتربين.

 

الخطوة ستمكن السودان أيضًا من إمكانية إعفاء ديونه البالغة مع فوائدها المتراكمة 60 مليار دولار، الأمر الذي سيخفف الضغط على الميزانية المنهكة، وذلك شريطة أن تُحسن حكومة حمدوك استثمارها وأن لا تستنزفها في الدعم والاستهلاك ورواتب ومخصصات العسكر لشراء السلم الأهلي والاستقرار الظرفي.

على الجهة المقابلة، يبقى التحدي الرئيسي أمام السلطة الحاليّة متمثلًا في قدرتها على كسر العزلة واختراق غضب الشارع، وفي قدرتها على معالجة تقصيرها في تحقيق أهداف الثورة المتعلقة بالحفاظ على مدنية الدولة وتحقيق العدالة والقصاص للشهداء، وتحقيق انتقال الاقتصادي يضمن المقدرة الشرائية ويوفر متطلبات المواطنين ويقطع مع مشاهد الطوابير.

الأهم من ذلك، فإن نجاح حكومة حمدوك يبقى رهين بالمقايضة السياسية مع بعض الجهات الأجنبية، حيث يرى بعض المراقبين أن القرارات الأمريكية الأخيرة لفائدة السودان التي تراها الحكومة إنجازًا، تأتي في إطار حرص واشنطن على التحكم في القرار السيادي الداخلي وفرض أجندتها المتمثلة في كسر حاجز ممانعة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وإلحاق الخرطوم بالقافلة العربية التي خيرت التنازل عن القضية الفلسطينية مقابل صفقات.

إلى ذلك، يؤكد المحلل السياسي السوداني أشرف عبد العزيز في تصريحات سابقة أنه لا يُمكن الحديث عن نجاح الثورة في ظل عدم تحقق المقومات الثلاث المتمثلة في محاسبة رموز النظام السابق وإرساء عدالة اجتماعية وتسليم السلطة للمدنيين، مشيرًا إلى أن الإصلاح الجذري الضروري في الوقت الراهن يتركز على إبعاد المكون العسكري من السلطة على اعتبار أنه يقف حجر عثرة أمام الانتقال الديمقراطي في السودان، مضيفًا أنه اتضح أن مصالح الجيش تتقاطع مع أجندة بعض عناصر من النظام السابق وبالتالي فإن عملية المحاسبة والبناء أصبحت مهددة، ما يعني أن السياق الثوري في مرحلة الهبوط الناعم.

بالمحصلة، فإن الأزمة السودانية تتلخص في الوصايا التي يريد العسكر فرضها على الشعب، فهو يُقدم نفسه الضامن لاستمرار الدولة ومقوماتها، في حين أن تاريخ المؤسسة وعقيدته تؤكد غير ذلك فيما توحي المؤشرات بوقوفه في صف المناهض للثوار، لذلك يُمكن القول إن الجيش السوداني أمام مرحلة مفصلية فإما السير في طريق دعم الفترة الانتقالية ومساعي إخراج البلد من أزماته الراهنة والوصول به إلى بر الأمان والديمقراطية، وإما المضي قدمًا في طريق المناورات والانقلابات وهي خطوة قد تلقى قبولاً دوليًا وإقليميًا لكنها حتمًا ستُقاوم داخليًا.