منذ أكثر من شهرين يعاني الاقتصاد العراقي من تذبذب في سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، فعلى الرغم من تحديد البنك المركزي العراقي سعر الصرف رسميًا بـ1190 دينارًا للدولار الواحد، فإن الفترة الماضية شهدت زيادة في أسعاره بالسوق السوداء لما يزيد على 90 دينارًا لكل دولار حتى اليومين الماضيين اللذين شهدا ارتفاعًا غير مسبوق.

بدايات الأزمة الاقتصادية

تعد الأزمة الاقتصادية في العراق قديمة قدم العملية السياسية التي جاءت بعد عام 2003، إذ ومع تخفيض الحاكم المدني للعراق الضرائب والجمارك المفروضة على البضائع المستوردة إلى 5% عام 2004 وتدهور القطاعات الإنتاجية المحلية، شهدت السوق العراقية إغراقًا سلعيًا لا مثيل له على الإطلاق. 

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء، فإن عام 2016 شهد استيراد العراق بضائع أجنبية بقيمة 56 مليار دولار، وسط غياب الصناعات المحلية والإنتاجية، مع مزاحمة البضائع المستوردة للمحاصيل الزراعية المنتجة محليًا وبأسعار أرخص من المحلية. 

ليس هذا فحسب، إذ وعلى مدى السنوات الماضية كان البنك المركزي العراقي يبيع العملة الصعبة (الدولار) للمصارف الأهلية المسجلة لديه بما مجموعه 200 مليون دولار سنويًا، بحسب الخبير الاقتصادي محمد الحمداني. 

ويؤكد الحمداني في حديثه لـ"نون بوست" أن الحكومات العراقية لم تعالج أساسًا مشكلة تدهور الاقتصاد العراقي، وبالتالي ومع انهيار أسعار النفط بسبب جائحة كورونا، خسر العراق كل شيء نتيجة أعداد الموظفين العموميين الهائلة وأعداد الموظفين الفضائيين (الوهميين)، فضلًا عن إضافة قرابة نصف مليون موظف جديد خلال الأشهر التسع الماضية، ما أدى بالمجمل إلى أن تكون قيمة الإيرادات المالية جراء بيع النفط لا تكفي لسداد أجور الموظفين. 

وفي الشأن ذاته، يكشف الحمداني أن التلاعب بسعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي وبمعدل تخفيض يقارب الـ20% ليس حلًا على الإطلاق، إذ إنه سيؤدي إلى انخفاض قيمة المرتبات للموظفين، بما سيجعل كل موظف يخسر 20% من قيمة راتبه، فضلًا عن أن هذه العملية باهظة التكاليف على الاقتصاد بصورة عامة، بسبب اعتماد القطاع الخاص على رواتب الموظفين بشكل شبه مطلق، ما سيؤدي بالمجمل إلى كساد في القطاع الخاص وارتفاع نسب الفقر والبطالة إلى ما لم يشهده العراق منذ عام 2003. 

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في الجامعة العراقية أن تسريب مسودة قانون الموازنة كان مقصودًا ليتقبل الشارع العراقي الوضع قبل تمريرها في مجلس الوزراء، مشيرًا إلى أن خطوة وزارة المالية برفع سعر صرف الدولار تأتي في إطار تعزيز الموازنة بـ16 تريليون دينار من خلال الدولار الذي تحصله نتيجة بيعها النفط وصرفها رواتب الموظفين بالدينار العراقي. 

ولفت المشهداني إلى أن الحكومة الحاليّة تريد بناء الميزانية العامة للعام المقبل على أساس 150 تريليون دينار عراقي، مستفيدة من زيادة سعر صرف الدولار، إلا أنه يرى أن ذلك سيكون أشبه بالمهمة المستحيلة عازيًا ذلك للعجز المالي الكبير الذي تعاني منه البلاد.

يذكر أن اليومين الماضيين شهدا تسريب نسخة من الموازنة العامة المقترحة من الحكومة العراقية، وتضمنت رفع سعر صرف الدولار رسميًا إلى 1450 دينارًا للدولار، فضلًا عن زيادة أسعار وقود البنزين من 450 دينارًا للتر الواحد إلى 540 دينارًا بمعدل زيادة 1.2% إضافة إلى زيادة أسعار وقود التدفئة بـ15%. 

وعلى الرغم من نشر الموازنة في مختلف وسائل الإعلام المحلية، فإن وزارة المالية الاتحادية لم تنف ما جاء في مسودة الموازنة، إذ إن وزارة المالية وفي بيان رسمي أكدت السبت 19 من ديسمبر/كانون الأول، صحة ما سَرِّب من معلومات ليكون سعر الصرف الذي ستعتمده الموازنة القادمة 1450 دينارًا للدولار الواحد. 

تبعات اقتصادية

هو تأكيد حكومي على رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، إلا أن خبراء في القانون العراقي يرون أنه مخالفة قانونية واضحة، إذ يقول الخبير القانوني علي التميمي إن رفع سعر صرف الدولار إلى 1450 دينارًا يخالف المادتين 30 و31 من الدستور العراقي اللتين توجبان على الدولة توفير الحياة الحرة الكريمة والدخل المناسب، فضلًا عن مخالفة هذا الإجراء للمادتين 23 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بما يوجب على كل دول العالم الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة الالتزام بها.

ويضيف التميمي في حديثه لـ"نون بوست" أن قانون البنك المركزي ذو الرقم (56) لعام 2004 يقر بأن البنك المركزي يعد هيئة مستقلة بموجب المادة (3) من هذا القانون، إضافة إلى أن تعليمات البنك المركزي لعام 2017 أكدت أن المركزي هو الذي يحدد سعر الصرف وليس وزارة المالية.

وعن طرق مواجهة هذا الإجراء الحكومي، يؤكد التميمي أنه إذا شرع البرلمان الموازنة وفق سعر الصرف المسرَّب، فإنه يمكن الطعن به أمام المحكمة الاتحادية، كما يمكن للبرلمان أن لا يوافق على تشريع هذا القانون أساسًا ويرجعه إلى الحكومة لتعديله.

من جانبه، حمّل عضو تحالف سائرون النائب سلام الشمري الحكومة الحاليّة تداعيات رفع سعر صرف الدولار في الأسواق العراقية، مضيفًا أن تداعيات ذلك على العراقيين ستكون كبيرة، خاصة ما يتعلق بارتفاع أسعار المواد الغذائية، في ظل معدلات البطالة والفقر التي وصفها بالـ"مرتفعة جدًا".

أما النائب في البرلمان العراقي مضر الكروي فيؤكد أن الموازنة المالية العامة للسنة المقبلة 2021 ستكون من أصعب الموازنات في العراق بعد 2003، مبينًا أنه من الصعوبة تمرير أي خفض لرواتب الموظفين أو مخصصاتهم بصورة عامة، مشيرًا إلى أنه يمكن التعامل مع تخفيض المخصصات فيما يتعلق بكبار موظفي الدولة والدرجات الخاصة والنفقات التشغيلية.

الكروي أشار إلى أن رفع سعر صرف الدولار إلى 1450 دينارًا يعني ارتفاع الأسعار تلقائيًا، مع تراجع قيمة الرواتب بما سيجعل الضرر كبيرًا على بسطاء العراقيين، لافتًا إلى أنه يمكن تعظيم إيرادات الدولة من خلال مكافحة الفساد في المنافذ الحدودية واسترداد الأموال المنهوبة وتصحيح مسار الجباية، إضافة إلى تقليل النفقات في كل الوزارات والهيئات. 

يشير داغر أن تطبيق جميع تلك الإجراءات سيؤدي إلى هزة اقتصادية ومالية كبيرة، بما قد يجر إلى تبعات شعبية وسياسية وأمنية

وعن التبعات الاقتصادية الأكثر تأثيرًا، أكد الخبير الاقتصادي محمود داغر أن حزمة الإجراءات التقشفية التي حملتها مسودة قانون الموازنة العامة لعام 2021 ستحدث صدمة كبيرة لدى المواطن العراقي، كونها قد جاءت بشكل متزامن وبدفعة واحدة دون وجود تدرج فيها.

وأوضح داغر أن تلك الحزمة التقشفية شملت خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي وبنسبة كبيرة، إضافة إلى تقليص مخصصات رواتب الموظفين بحدود 20-60%، مبينًا أن هذا التقليص سيشمل أصحاب الرواتب المتدنية من الموظفين، فضلًا عن تضمين مسودة الموازنة فرض ضرائب على الوقود والمطارات وبعض المجالات الأخرى.

وفي الأثناء، يشير داغر أن تطبيق جميع تلك الإجراءات سيؤدي إلى هزة اقتصادية ومالية كبيرة، بما قد يجر إلى تبعات شعبية وسياسية وأمنية. 

عودة لأيام الحصار الدولي

يعكف العراقيون على مراقبة الأوضاع الاقتصادية في بلادهم وهم يتذكرون ما شهدوه من فقر إبان الحصار الدولي بين عامي 1991 و2003، وفي هذا الصدد، يقول أحمد رياض أحد تجار المواد الغذائية في مدينة الموصل (شمال العراق) إن الحركة التجارية توقفت أمس السبت بصورة شبه كلية بسبب الارتفاع الحاد في أسعار صرف الدولار. 

ويضيف في حديثه لـ"نون بوست" أن الأسعار بدأت تشهد ارتفاعًا كبيرًا، فالتجار لا يستطيعون البيع وفق أسعار صرف متذبذبة بما يقارب الـ100 دينار للدولار الواحد، مؤكدًا أن أسعار جميع السلع ستشهد ارتفاعًا بما لا يقل عن 23% عن القيمة السابقة، وهو ما سيؤدي بحسبه إلى أضرار بالغة على محدودي الدخل. 

وفي خضم المفاجأة الاقتصادية الكبيرة التي أكدتها وزارة المالية، يخشى العراقيون أن تتجه الأوضاع إلى أسوأ مما كانت عليه أيام الحصار الدولي، معللين ذلك بأن الحكومة العراقية وقتها كانت توفر جميع مفردات البطاقة التموينية وفق برنامج النفط مقابل الغذاء، فضلًا عن وجود الصناعة والزراعة المحلية التي اعتمد العراقيون على منتجاتها سنوات طويلة. 

إلا أنه وبعد 17 عامًا على الغزو الأمريكي، يبدو أن العراق يتجه نحو وضع اقتصادي مجهول، إذ لا يستبعد الخبير الاقتصادي همام الشماع حدوث مواجهات وصفها بـ"الدموية" جراء الخطوات الاقتصادية الأخيرة، واصفًا الإجراءات الحكومية المتعلقة بـ"الورقة البيضاء الإصلاحية" بالحق الذي يراد به باطل.

جاء تخفيض سعر صرف العملة والإجراءات الحكومية شديدة التقشف لتضيف أعباءً لا يعلم أحد إلى أي حد يمكن أن تصل انعكاساتها

وأبدى الشماع في حديثه لإحدى وسائل الإعلام المحلية خشيته من حدوث صدمة مجتمعية، معتبرًا أن الورقة البيضاء خداع مارسته وزارة المالية وأن الحكومة صورت كل مشكلات الفساد بمدير التقاعد السابق، في إشارة إلى حادثة اعتقال مدير التقاعد السابق الذي وصفته الحكومة حينها بالإنجاز المهم. 

أما رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي فأكد خلال جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية لمناقشة مسودة الموازنة المقبلة أنه ومنذ عام 2003 يعاني العراق من التأسيس الخاطئ الذي يهدد النظام السياسي والاجتماعي بالانهيار الكامل، على حد قوله، مبديًا خيارين لا ثالث لهما، فإما انهيار النظام والدخول في فوضى عارمة وإما الدخول في عملية قيصرية للإصلاح.

هي أيام صعبة ينتظرها العراقيون في قابل الأسابيع والأشهر، فما بين فساد مالي يضرب البلاد منذ 17 عامًا ومشكلات سياسية وأمنية، جاء تخفيض سعر صرف العملة والإجراءات الحكومية شديدة التقشف لتضيف أعباءً لا يعلم أحد إلى أي حد يمكن أن تصل انعكاساتها.