محاولة قمع القوات الأمنية مظاهرة 25 كانون الأول/ديسمبر، في الخرطوم باستعمال الغاز المسيل للدموع.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 19 كانون الأول/ ديسمبر سنة 2018، نزل آلاف السودانيين إلى الشوارع ردا على قرار حكومي عرّض حياتهم للخطر: فقد تضاعف سعر الخبز بمقدار ثلاثة مرات مما كان عليه، في سياق تقشف الميزانية والتضخم غير المنضبط. رافق الاستياء من الوضع الاقتصادي في البلاد على الفور مطالبة المحتجين عمر البشير، الذي يقود السودان منذ سنة 1989، بترك السلطة. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينتفض فيها السكان السودانيون في السنوات الأخيرة: فقد أدى الخلاف بين سياسات التّعديل والنظام السلطوي والقَمعي إلى تسريع الاحتجاجات في 2011 و 2013 و 2017. ولكن هذه المرة، سيكون الأمر مختلفا.

اليوم وبعد سنتين من تلك المظاهرات، يمكن للشعب السوداني الاحتفال بسقوط البشير وتشكيل حكومة انتقالية والوصول إلى المزيد من القوانين الضامنة للحقوق. لكن في المقابل، تضاعف الشعور بالخوف: من إصرار الجيش على الاستمرار في حكم ثروات البلاد، وهو ما يتجلى بوضوح في هيمنته الأحادية الجانب على السياسة الخارجية، والتوتر على الحدود مع إثيوبيا، والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب جائحة فيروس كورونا وفيضانات تشرين الأول/أكتوبر من هذه السنة.

إن خروج السودان من القائمة السوداء للدول الداعمة للإرهاب، في 14 كانون الأول/ ديسمبر، يفتح الباب أمام البلاد للبحث عن أوجه التكامل الدولي، لكن الرسوم المدفوعة من أجل هذا القرار ولدت توترات داخل الحكومة نفسها: فهي تفيد ضمنيا أنها ستكون الدولة العربية الثالثة التي ستوقع اتفاقية سلام مع "إسرائيل" بعد الإمارات العربية المتحدة والبحرين. قبل سنتين، لم يكن بوسع المتظاهرين أن يتخيلوا أن ثورتهم ستؤدي إلى قرار يثير الرفض لدى السكان، والذي لم يحظ بدعم العديد من الأحزاب الحكومية.

 

 

ثورة غير متوقعة

بدأت مظاهرات 19 كانون الأول/ ديسمبر في عطبرة، المدينة المشهورة بحسها النقابي والمناهضة للاستعمار، وهي أول من انتفض ضد ارتفاع الأسعار. وامتدت الاحتجاجات بشكل عفوي إلى عدة مدن منها العاصمة الخرطوم. وكما حدث في مناسبات سابقة، وقع قمع الإحتجاجات بقسوة، لكن مستوى الإرهاق في مواجهة نظام استمر لمدة 30 سنة واليأس من الجوع وغلاء المعيشة جعل للناس عزيمة قوية للاستمرار في الاحتجاجات رغم العنف المسلط عليهم من قبل الدولة.

في الوقت الذي قاوم فيه المتظاهرون عنف قوات الأمن، وقع تشكيل قوى إعلان الحرية والتغيير، التي كانت ضرورية لإبقاء التمرد على قيد الحياة في الأسابيع المقبلة. لقد قامت بحث مجموعات من المهنيين على دعم تجمع المهنيين السودانيين وقوى نداء السودان، الذي جمع بين حزب الأمة التاريخي وحزب المؤتمر السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان - الذراع السياسية للمحاربين الثلاثة العاملين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق؛ وأخيرا قطاعات اليسار العلماني الموحدة في قوى التوافق الوطني. واحتل بذلك العمال والشباب والنساء في المدن طليعة الثورة.

استمرت حملة العصيان المدني أربعة أشهر، خرج فيها البشير بموقف عدائي - وأعلن حالة الطوارئ في 22 شباط/ فبراير وحل الحكومتين الوطنية والإقليمية واستبدلهما بحكومة عسكرية - كما قدم تنازلات وأعلن عن ابتعاده عن قيادة حزب المؤتمر الوطني. لم يكن ذلك كافيا، فبعد التحركات الضخمة في السادس والسابع من نيسان/أبريل، قام الجيش نفسه باعتقال الرئيس في 11 نيسان/ أبريل 2019، وقام بتعيين مجلس عسكري انتقالي. 

احتفل المتظاهرون بنجاحهم، الذي أعقب سقوط بوتفليقة في الجزائر قبل أيام قليلة في الثاني من نيسان/ أبريل، مع استعداد البلدين، اللذين عاشا ربيعا عربيا قصير الأمد ومقموعا بشدة، لموجة ثانية ناجحة من الاحتجاجات. لكن النضال في السودان لم ينته بعد، حيث طالب المجتمع المدني بأن يقوم المجلس العسكري الإنتقالي بانتقال فوري إلى حكومة مدنية.

مع إصرارهم على عدم مغادرة الشوارع، مكث المتظاهرون لأسابيع أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم للضغط على المفاوضات مع الجيش. في الثالث من حزيران/يونيو، قتلت قوات الدعم السريع، وهي وحدات عسكرية مرتبطة بميليشيات الجنجويد المخيفة في دارفور والتي اضطلعت بدور متزايد الأهمية كقوة أمنية لنظام البشير، أكثر من 100 شخص كانوا يشاركون في الاحتجاج السلمي، وأصبحت هذه الحادثة تعرف بمجزرة الخرطوم. في ذلك الوقت، دعت المعارضة المدنية إلى إضراب عام استمر ثلاثة أيام، حتى وافقت اللجنة العسكرية المركزية على إطلاق سراح السجناء السياسيين واستئناف المفاوضات.

في 17 تموز/يوليو، تم توقيع اتفاقية سياسية بين اللجنة العسكرية المركزية وقوى الحرية والتغيير، حيث وصلا إلى حل وسط يتمثل في تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين خلال مرحلة الانتقال. في آب/أغسطس، سيقع إنشاء مجلس السيادة، وهو هيئة مكونة من ستة مدنيين وخمسة أفراد عسكريين سيحل محل رئيس الدولة، في حين سيتم تعيين كبير الاقتصاديين في الأمم المتحدة، عبد الله حمدوك، رئيسا للوزراء بالإجماع. من خلال هذا المخطط، سيبدأ السودان عملية من شأنها أن تؤدي إلى انتخابات سنة 2022

طريق صعب

مع تغيير الحكومة، جاء تجديد تشريعي مفتوح أبعد البلاد عن الأطروحات الأكثر رجعية التي بنى عليها البشير نظامه. قدم حمدوك غير المعروف حتى الآن نظرة تحديثية من خلال الرهان على وجود المزيد من النساء في السلطة - امرأتان تمثلان  جزء من مجلس السيادة، وأربع دخلن الحكومة - من خلال حظر ختان الإناث وإلغاء القوانين التمييزية ضد المرأة.

مع ذلك، لا يزال الاقتصاد متدهورا، ففي 15 أيلول/ سبتمبر أُعلنت حالة طوارئ في البلاد. بالنسبة لدولة تعتمد على الثروة النفطية، استنزفها البشير ونخبه العسكرية في الخرطوم، مما أدى إلى انفصال الجنوب عن السودان، الذي يستحوذ على معظم النفط، وهذه كارثة اقتصادية لا تستطيع الحكومة وحدها التغلب عليها. كانت المطالب الاقتصادية محركا مهما في التعبئة، وصعوبات التغلب عليها ولدت الاستياء من الحكومة.

إن الفيضانات الهائلة التي حدثت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والتي دفعت السلطات إلى المطالبة بإغاثة دولية، لم تؤد إلا إلى تفاقم الوضع. ومع ذلك، فإن الوضع الاقتصادي الكارثي في ​​البلاد لن يعفيها من دفع تعويضات بقيمة 335 مليون لضحايا هجمات القاعدة في سنة 1998، في سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا كجزء من اتفاقية الاستبعاد من القائمة السوداء للولايات المتحدة.

بعد تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، وقع إنشاء الحصانة الجنائية للحكومة الحالية، مما سيمنعها من مواجهة محاكمات جديدة وتعويضات. كما أن خروجها من القائمة السوداء سيمكنها أيضا من تلقي اعتمادات دولية. في المقابل، كشف الاتفاق مع "إسرائيل"، الذي دافع عنه الجزء العسكري من الحكومة، عن رغبة الجيش في الاحتفاظ بزمام الأمور من خلال اتخاذ قرار غير شعبي للبلاد. في 24 تشرين الأول/ نوفمبر الماضي، زار وفد إسرائيلي السودان لأول مرة لإجراء محادثات مع أعضاء عسكريين في المجلس، ولم تكن الحكومة على علم وأعرب أعضاء السلطة التنفيذية صراحة عن عدم ارتياحهم لهذا الوفد.

 

 

لن تكون المناورة مع ترامب هي الوحيدة التي تولد التوتر في الخرطوم. من ناحية أخرى، سيقع إنشاء قاعدة عسكرية روسية جديدة في البحر الأحمر، وهي خطوة من الواضح أنها ستحقق فوائد عسكرية فقط للسودان، فيما يُنظر إليه على أنه صفقة يقودها الجيش. من ناحية أخرى، التقى الجيش بالسيسي، الرئيس المصري المستبد، الذي يدعم الفرع العسكري للحكومة الانتقالية، على خلفية الصراع على سد النهضة الإثيوبي، حيث انتقل السودان من كونه أقرب إلى إثيوبيا إلى مواقع أكثر انسجاما مع الجانب  المصري. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن الصراع في منطقة تيغراي في إثيوبيا يهدد بالانتشار في البلاد. في حين أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكدت أن عدد اللاجئين الأثيوبيين الذين عبروا الحدود إلى الدولة المجاورة بلغ عددهم 50 ألف، مما أدى إلى اشتباك مع الجنود الإثيوبيين والسودانيين، الذي كان سينتهي بمقتل العديد من القوات السودانية في 15 كانون الأول/ديسمبر الماضي.

بين النظام الرئاسي والنظام العسكري، مر السودان بثلاث فترات ديمقراطية خاضها الشعب ويسّرها الجيش: الفترة الأولى (1956-1958)، حين فاز السودان بالاستقلال، والفترة الثانية بين 1964 و1969، والثالثة في 1986، والتي تَولي فيها البشير السلطة في سنة 1989 من خلال انقلاب عسكري. بعد مرور أكثر من خمس سنوات، تحتفل الثورة السودانية بعيدها الثاني مع ذكرى أن ما يجعله الجيش ممكنا، غالبا ما يسلبه الجيش. واليوم، يتظاهر السودانيون حتى لا يحدث هذا مرة أخرى.

المصدر: إل سالتو دياريو