من عادة الأحداث التاريخية الفاصلة، أنها لا تحدث فجأةً بلا سابق إنذار إلا ما ندر، فهناك دائمًا مؤشر على حصولها، خذ انهيار الاتحاد السوفيتي كمثال، فلم يكن سقوطه عام 1991 مفاجأةً مطلقًا، فقد سبق ذلك تراجعه إلى حدوده وانحسار نفوذه منتهيًا بالمشاكل في الجمهوريات القابعة تحت حكمه. 

في كتابه "100 سنة قادمة"، يقول الكاتب جورج فريدمان عن هذه العوامل: "بالطبع لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالمستقبل، لكن الحقائق الجيوسياسية، يمكنها إعطاء فكرة عما هو قادم، لو كنت في العام 1900 على سبيل المثال، قد لا يمكنك التخمين أن حربين عالميتين ستنشبان في الـ50 عامًا المقبلة، لكن يمكنك التخمين بالتأكيد أن ألمانيا ستكون طرفًا فيها، وأن هناك إمبراطوريات في طريقها للانهيار فعلًا". 

بالفعل، قد لا يمكن التنبؤ بأشياء بعينها، لكن الإشارات يمكنها أن تعطي صورة واضحة بما يكفي لما هو قادم، وفي العراق، هناك أكثر مما يكفي - صغيرة وكبيرة - لرسم صورة السقوط المدوي لهذا البلد، ليس أولها تحديد سعر الصرف، وليس آخرها بيع أيام الحرية للسجناء. 

خطوة صحيحة في المسار الخاطئ

يعتمد العراق بشكل شبه كلي على النفط الذي يشكل 90% من الموازنة العامة، كان العراق في مأمن نسبيًا، كون أسعار النفط لم تنخفض، بل إنها شهدت في العام 2010 ارتفاعًا كبيرًا جعل الموازنة العامة تتخطى حاجز الـ100 مليار دولار، لكن المشكلة تكمن في طريقة إدارة الاقتصاد، فالموازنة الاستثمارية لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من الموازنة العامة، وهي بكل الأحوال لا تدخل حيز التنفيذ بسبب اعتماد الحكومة على تضخيم الهيكل البيروقراطي بدل توسيع القطاع الخاص.

أصبحت الحكومة الآن أكبر وكالة توظيف في البلد، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الدولة لكسب عيشها

على مدى العقدين الماضيين، خلق الفساد مشكلةً ذات رأسين للعراق، وجود الحكومات الضعيفة والشمولية عنى أن كل حزب سياسي كبير يمكنه إدارة وزارة واحدة أو أكثر، لم يكونوا يديرون هذه البيروقراطيات لصالح البلاد، إنما كشبكات محسوبية ضخمة: آلات فساد تمتص عائدات النفط من الخزانة وتمررها إلى جمهورها في شكل وظائف وعقود وامتيازات أخرى، وقد أدى انتشار الكسب غير المشروع إلى خنق ما كان يمتلكه القطاع الخاص الصغير في العراق من قبل، ما يعني أنه لا يوجد الكثير من البدائل لوظائف القطاع العام.

نتيجة لذلك، أصبحت الحكومة الآن أكبر وكالة توظيف في البلد، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الدولة لكسب عيشها، إما بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية وإما بشكل غير مباشر من خلال العقود أو توفير السلع والخدمات لمن هم في كشوف المرتبات الحكومية.

حتى الشركات الصغيرة في العراق تعتمد في النهاية على الحكومة لأن الكثير من عملائها - خاصة في المدن الكبرى - هم أنفسهم يتلقون رواتبهم من الحكومة بطريقة أو بأخرى، علاوة على ذلك، لا تزال الحكومة العراقية تقدم "سلة غذاء" شهرية عبر نظام التوزيع العام، وتظل عنصرًا مهمًا في الحياة اليومية للطبقة العاملة والفقراء العراقيين.

لذلك ليس من المستغرب أن تكون هناك زيادة بمقدار ثلاثة أضعاف في عدد العاملين بالقطاع العام منذ عام 2004، وتدفع الحكومة رواتب تزيد بنسبة 400% عما كانت عليه قبل 15 عامًا، وهكذا أصبحت الحكومة وعائداتها النفطية المحرك الرئيسي للاقتصاد العراقي والمزود للشعب العراقي. تسببت هذه السياسة في مركزية شديدة في إدارة الاقتصاد وربط المستوى المعيشي بأداء الحكومة مباشرة، وهو ما أدى لأمرين: 

- وجدت الحكومة نفسها مطالبة بزيادة عدد الموظفين في كل عام، في ظل انحسار القطاع الخاص الناتج عن سياساتها الاقتصادية. 

 - مطالب مستمرة بزيادة الموازنة العامة وهو ما جعل الاقتراض بندًا ثابتًا منذ العام 2010، وصلت معه قسمة الديون إلى 114 مليار دولار.

طوال تلك السنين، بدأت الفجوة تتسع شيئًا فشيئًا، فكانت الطبقة السياسية في العراق تحاول تأخير اتساعها من خلال الاقتراض لا أكثر، ومع إضافة الخسائر المهولة نتيجة الفساد في "عدد الموظفين، مزاد العملة، المنافذ الحدودية، المنافذ الداخلية التي تقيمها المليشيات، دخول داعش، الفساد في المشاريع الخدمية"، وصلت الدولة إلى الحد الذي أصبحت فيه خزانتها التشغيلية خاوية، وكان أول ما فعلته هو الاقتراض من الاحتياطي الوطني، ثم تخفيض سعر الصرف لتقليل الفجوة بين العجز والمصاريف. 

يقول الخبير الاقتصادي زياد داوود لوكالة بلومبيرغ: "كان التخفيض حتميًا نظرًا لانخفاض أسعار النفط وضغوط الميزانية التي يواجهها العراق. تقول الحكومة إن هذا حدث لمرة واحدة ولن يتكرر، لكننا سنرى ما إذا كان الأمر كذلك. من المهم أيضًا مشاهدة الاستجابة الشعبية والزيادة الناتجة في تكاليف المعيشة وبرنامج التقشف الحكومي".

هذه الخطوة ليست إلا إبرة تخدير تحول دون إنفاق آخر دولار في الاحتياطي النقدي الذي يغطي العملة، تحاول الحكومة يائسة لجمع أي فلس يمكن الحصول عليه، ويناقش البرلمان قانونًا يتيح للسجناء دفع 20 ألف دينار عراقي مقابل كل يوم عقوبة سالبة للحرية، ما يعدل 5.4 مليون دينار عن كل عام. ماذا أيضًا؟ خفضت الحكومة الرواتب واستقطعت منها وفرضت ضرائب جديدة، لكنها أقدمت على خطوة هي الأخطر. 

بيع المستقبل

يستعد العراق لتوقيع عقد بمليارات الدولارات مع شركة تشن هوا أويل الصينية، وهي خطة إنقاذ من بكين للحكومة التي تعاني من ضائقة مالية التي ستتلقى أموالًا مقدمًا مقابل إمدادات النفط طويلة الأجل، والصفقة هي أحدث مثال على قيام الصين، من خلال الشركات التجارية والبنوك التي تسيطر عليها الدولة، بإقراض منتجي النفط المتعثرين مثل أنغولا وفنزويلا والإكوادور، مع السداد في شكل براميل النفط بدلاً من النقد، وأضر انهيار أسعار النفط هذا العام بالميزانية العراقية وفشلت الحكومة في دفع رواتب المعلمين والموظفين المدنيين في الوقت المحدد.

لا تشكل كميات النفط الحاليّة التي يبيعها العراق من إنتاجه المستقبلي تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد

اختارت الوكالة العراقية المكلفة بالصادرات البترولية، سومو، شركة زين هوا بعد أن طلبت من تجار النفط تقديم عطاءات، بحسب مصادر مطلعة، وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء حسن ناظم يوم الثلاثاء: "كانت هناك عدة عروض قيد الدراسة" قبل أن يتخذ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي القرار النهائي.

بموجب شروط خطاب أرسلته سومو الشهر الماضي، سيشتري العارض الفائز 4 ملايين برميل شهريًا أو نحو 130 ألف برميل يوميًا، وسوف يدفع مقدمًا مقابل عام واحد من التوريد، الذي سيحقق بالأسعار الحاليّة أكثر من ملياري دولار، ووفقًا لوكالة بلومبرج، الصفقة سارية لمدة خمس سنوات، لكن الدفعة المقدمة لمدة عام واحد فقط.

لا تشكل كميات النفط الحاليّة التي يبيعها العراق من إنتاجه المستقبلي تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد، لكن الخطوة تقود لاحتمالية توسيع الاتفاق ليكون مشابهًا لاتفاق الإكوادور التي ستسلم الصين 90% من صادرتها النفطية خلال عام 2024 عن دين بقيمة 6.5 مليار دولار أو مصير دول تواجه نفس المصير بعد غرقها في بحر من الديون مثل سريلانكا التي اضطرت لإيجار 70% من ميناء "هامبانتوتا" عام 2017 لصالح الصين لمدة 99 عامًا بعد عجزها عن سداد دين بقيمة 1.1 مليار دولار.

بمعنى آخر: قد يجد العراق نفسه في العام 2024، ينتج النفط بأقصى طاقته الإنتاجية دون أن يحصل على دولار واحد منه، لأنه ببساطة قبض ثمنه في الأعوام السابقة، وحينها لن تكون هناك حلول حتى لو امتلك العراق أفضل ربان لإنقاذ سفينته من الغرق.. لأنه لن يكون هناك سفينة أصلًا!