خلال ستينيات القرن الماضي، استقلت أغلب المستعمرات الفرنسية وحصلت على حريتها "المشروطة"، لكن بقيت فرنسا تتحكم في العديد من الأراضي التي تسمى حاليًا بإدارات وأقاليم ما وراء البحار، التي سبق أن تحدثنا عنها في تقرير سابق.

أقاليم منتشرة في أغلب أنحاء العالم، تستغلها باريس للهيمنة العسكرية وإثبات نفوذها الاستعماري، فضلًا عن استغلال مواردها المتعددة كالأسماك وغيرها من الثروات، في هذا التقرير الجديد لنون بوست ضمن ملف "أقاليم ما وراء البحار" سنتطرق لكيفية توسع فرنسا بحريًا واستحواذها على أملاك غيرها لتنمية اقتصادها وقوتها العسكرية حتى تحافظ على مكانتها العالمية.

حاجة فرنسا إلى القوة والازدهار الاقتصادي

قبل 4 قرون من الآن، رأت فرنسا أن كسب أسواق وأراضٍ جديدة سيمنح الدولة القوة والازدهار، لذلك من الضروري أن تتحكم في المناطق التي تزودها بالمنتجات التي تفتقر إليها، وكان أرماند جان دو بلاسيس دو ريشيليو الرجل المقرب للويس الثالث عشر، أول من افتتح السياسة الاستعمارية الفرنسية من خلال تطوير البحرية والشركات التجارية.

بالتوازي مع ذلك، أدرك كولبير أهمية المستعمرات، حيث دمج الشؤون البحرية والمؤسسات الاستعمارية، ما جعله يعتبر من دعاة المذهب التجاري في فرنسا، وسميت هذه السياسة التي انتهجها في هذا الميدان باسمه الكولبرتسم.

احتفظت فرنسا بعد موجة الاستقلال في ستينيات القرن الماضي ببعض "قصاصات الإمبراطورية" في زوايا الكوكب الأربعة

بعد ذلك، شرعت فرنسا في تنفيذ مخططاتها، فأرسلت العديد من المستكشفين في غزوات شاملة، في كل من البلدان المعتدلة والباردة وفي المناطق الاستوائية، وافتتحت كندا الحقبة الاستعمارية لفرنسا، بعدها بسطت يدها في أنحاء عدة من العالم وإلى الآن تحكم في العديد منها.

رأت السلطات الفرنسية حينها أن توفر الأراضي التي سيتم استعمارها أغذية ومنتجات تفتقر إليها، وهكذا يأتي التبغ والسكر والقهوة من جزر الهند الغربية، بينما توفر جزر الهند الشرقية القطن والحرير والشاي الصيني والتوابل من جزر الملوك.

الاستحواذ على ثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة

احتفظت فرنسا بعد موجة الاستقلال في ستينيات القرن الماضي ببعض "قصاصات الإمبراطورية" في زوايا الكوكب الأربعة، هذه الأراضي صغيرة الحجم (باستثناء غويانا الشاسعة)، ضرورية لها من الناحية الإستراتيجية لعدة أسباب.

منحت الأقاليم الواقعة فيما وراء البحار، فرنسا قوة اقتصادية كبيرة، فقد سمحت لها بامتلاك ثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية بمساحة تقدر بـ11 مليونًا و691 ألف كيلومتر مربع، وذلك بفضل مستعمراتها من الجزر، وأهمها بولينيزيا وكليبرتون وسان بيير وميكلون.

سنة 2015، نمت المنطقة الاقتصادية الخالصة في فرنسا بمقدار 579 ألف كيلومتر مربع، حيث وسعت باريس مجالها البحري قبالة جزر مارتينيك وغوادلوب وغويانا وكاليدونيا الجديدة وجزر كيرغولين.

 

يحدد القانون البحري حاليًّا المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلد على مسافة 200 ميل بحري (نحو 370 كيلومترًا) من ساحله، ما يمنحه السيادة على هذه المنطقة لاستغلالها، كما يحق لأي بلد مع ذلك المطالبة بتوسيع منطقته الاقتصادية الخالصة إلى ما وراء 200 ميل التقليدية، وما يصل إلى 350 ميلًا.

انطلاقًا من هذا القانون يمكن لفرنسا توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تستحوذ عليها بنحو مليون كيلومتر مربع أخرى، لا سيما حول سان بيير وميكلون، حيث يمكن أن يكون قاع البحر غنيًا بالهيدروكربونات، كما يمكن أن يخبئ قاع البحر أيضًا ثروة كبيرة من المواد الخام التي يمكن أن تصبح ذات يوم مربحة.

ثروات

تعتمد فرنسا بشكل كبير على هذه المياه الاقتصادية الخالصة مترامية الأطراف في استخراج نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي والثروات المعدنية (الذهب والحديد والألماس) التي تستخدمها إما محليًا وإما للتصدير الخارجي، فضلًا عن الأسماك.

رغم أن فرنسا بعيدة حاليًّا عن قمة التصنيف العالمي في بيع الأسماك، فإنها تسعى إلى تحسين ترتيبها ويمكن لها ذلك، فالمنطقة الاقتصادية الخالصة الفرنسية غنية بالأسماك، ويرتبط ضعف الاستغلال الفرنسي لهذه الثروة السمكية بالتكلفة الإضافية التي تسببها المسافة من البحر إلى الأسواق الاستهلاكية.

فضلًا عن ذلك، توفر هذه الأراضي عائدات مالية مهمة متأتية من السياحة، فإقليم "جزر بولينيزيا الفرنسية"، المتناثر في جنوب المحيط الهادي، وفر أكثر من 25% من عائدات السياحة و20% من التدفقات، مع 400 ألف مسافر في رحلات بحرية عام 2017، معظمهم من أمريكا الشمالية.

امتيازات بحرية هائلة

إلى جانب ذلك، مكنت هذه الأقاليم فرنسا من امتلاك 66 ميناءً تجاريًا بحريًا، بعض الموانئ متخصصة في الشحن أو الاستلام، والبعض الآخر في توزيع وتخزين ومعالجة المواد الغذائية أو البضائع (محطات النفط، الصناعات الغذائية المرتبطة بتجهيز الأسماك).

نتيجة ذلك، يبلغ وزن الاقتصاد البحري 3% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي وتمثل القوى العاملة البحرية المباشرة 1.1% من إجمالي القوى العاملة في البلاد، أو 350.000 وظيفة، يمكن أن تصل إلى مليون وظيفة إذا تم استغلال كل إمكانات البحر باستثناء السياحة).

نتيجة استحواذها على أقاليم ما وراء البحار بقوة السلاح، تعد فرنسا حاليًّا الدولة الأوروبية الوحيدة الموجودة في ثلاثة محيطات منفصلة

هذه البحار التي تهيمن عليها فرنسا، توفر ما يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما توفره قطاع السيارات، إلى جانب ذلك يقدم القطاع البحري الفرنسي عملًا أكثر من القطاع المصرفي أو صناعة السيارات بـ500000 وظيفة.

هيمنة عسكرية في كل المحيطات

تسمح هذه الأراضي الكثيرة والبحار الكبيرة، المنتشرة في جميع قارات العالم، لفرنسا بالحفاظ على وجود عسكري جاهز للتدخل السريع في أي مكان على هذا الكوكب، حتى أصبحت تعتبر الضامن للقوة الفرنسية في العالم.

مناطق بحرية متنوعة، ضمنت وجود عسكري فرنسي دائم في جميع المحيطات لضمان مصالحها المتنوعة والمتعددة، حيث تتجول قوات السيادة الفرنسية في المناطق البحرية المختلفة في العالم مستخدمة زوارق الدوريات.

جدير بالذكر أن فرنسا تمتلك واحدة من القوات البحرية العسكرية النادرة، حيث لديها القدرة على التدخل في جميع البحار وتحتها، وبواسطة القوة البحرية تدافع فرنسا عن مصالحها الاقتصادية وتساهم السفن والغواصات العسكرية المنتشرة في المياه الإقليمية لهذه الأراضي في القوة العسكرية الشاملة لفرنسا حيث تشكل قوة ردع مهمة تستعملها باريس لإثبات قوتها العالمية.

إلى جانب ذلك، تستغل فرنسا هذه الأقاليم لإثبات قوتها العسكرية الفضائية، حيث يتم إرسال الصواريخ والأقمار الصناعية الفرنسية والأوروبية إلى الفضاء من مركز كورو الفضائي في غويانا، على ساحل المحيط الأطلسي بأمريكا الجنوبية.

وقد تم اختيار الإقليم الفرنسي في أمريكا اللاتينية لاحتضان هذا المركز الفضائي نظرًا لبقعتها الجغرافية، فموقع كورو يقع على بعد خمس درجات فقط شمال خط الاستواء وله سرعة دوران تقدر بـ1670 مترًا في الساعة، ولا يجب أن ننسى أن خزانات الصاروخ تحمل عدة مئات من الأطنان من الوقود النفاث، التي عند الاحتراق تولد في بضع دقائق تفاعلًا كيميائيًا انفجاريًا هائلًا، لذلك اختارت فرنسا هذه الجزيرة لاحتضان المركز، فسكان الجزيرة أضعف من أن يعترضوا.

 

تستغل فرنسا هذا المركز الفضائي لدعم حلفائها من القادة المستبدين، حيث يستقبل عمل الدول التي تسعى للتجسس على مواطنيها على غرار دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعرف بعدائها لثروات الربيع العربي وحركات التحرر في المنطقة.

مؤخرًا، انطلق صاروخ سويوز من مركز الفضاء في غويانا حاملًا القمر الصناعي الإماراتي للمراقبة العسكرية "فالكون آي" الذي تم صنعه من طرف تحالف تقوده "إيرباص ديفانس أند سبايس" و"تاليس ألينيا سبايس"، وتسعى الإمارات من خلال هذا القمر الصناعي إلى دعم قدراتها العسكرية والاستخبارية.

نتيجة استحواذها على أقاليم ما وراء البحار بقوة السلاح، تعد فرنسا حاليًّا الدولة الأوروبية الوحيدة الموجودة في ثلاثة محيطات منفصلة، أقاليم تساعد إلى اليوم في ترسيخ مكانة باريس في جميع أنحاء العالم اقتصاديًا وعسكريًا، ومع ذلك ما زالت تبحث عن أراضٍ أخرى تحتلها وتغتصب ثرواتها.