يشهد الملف الليبي تحوّلات متسارعة لخيارات بعض الدول المنخرطة في الصراع على الأرض، ما يُنبئ بقرب إرساء تفاهمات إقليمية حول الأزمة على أساس الحلول السياسية والقنوات الدبلوماسية، وتُعد خطوة القاهرة الأخيرة من أبرز التطورات على الساحة الليبية لما تحمله من رسائل ومؤشرات قد تخلط الأوراق مجددًا وتُعيد رسم ملامح خارطة الفعل الدولي والإقليمي في البلد الذي يعرف صراعًا على السلطة منذ 2014.

خلال اليومين الماضين، تكثف الحراك الديبلوماسي الإقليمي والدولي في الملف الليبي، حيث استضافت العاصمة طرابلس زيارتين مهمتين لجهتين تبدوان على طرفي نقيض بسبب الخلافات الكبيرة والعميقة بينهما، الأولى كانت لوزير الدفاع التركي خلوصي آكار بصحبة وفد عسكري رفيع ضمن رؤساء الأركان البرية والبحرية، والثانية لوفد مصري رفيع مكون من شخصيات أمنية ودبلوماسية.

الزيارتان تهدفان إلى ترفيع العلاقات مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، فالأولى ترمي من خلالها أنقرة إلى تطبيق بنود تتعلق بالاتفاق الأمني الموقع بينها وبين طرابلس، ومن بينها إنشاء مكتب ليبي تركي مشترك في مجالي الأمن والدفاع، وإنشاء قوة "الاستجابة السريعة" مؤلفة من عناصر ليبية تم تدريبها مؤخرًا على يد خبرات تركية، أمّا الثانية فتسعى من ورائها القاهرة إلى إعادة بناء علاقات دبلوماسية مع طرابلس لتعزيز مكانتها في كطرف إقليمي محوري وفاعل في الأزمة الليبية، إضافة إلى أهداف سياسية واقتصادية أخرى.

تحوّل ديبلوماسي

الزيارة الأخيرة للوفد المصري للعاصمة الليبية، تأتي في إطار خطوة جديدة من القاهرة لطي صفحة الخلاف الحاد بينها وبين طرابلس وإذابة جليد العلاقات بعد سنوات من الجمود ودعم الأولى لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وحكومة الشرق، وقد أعطاها الاتصال الهاتفي لوزير الخارجية المصري سامح شكري بنظيره في حكومة الوفاق الليبية محمد سيالة، زخمًا إعلاميًا ودفعة ديبلوماسية.

 

الجانبان تباحثا في الاجتماع سبل دعم اتفاق وقف إطلاق النار ومناقشة مخرجات لجنة (5+5) العسكرية من أجل تأييد الجهود الأممية بشأن الحوار السياسي والخروج من الأزمة الراهنة بالطرق السياسية والسلمية، إضافة إلى التحديات الأمنية المشتركة وسبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين.

ووفقًا للمتحدث باسم وزارة الخارجية الليبية، محمد القبلاوي، فإن الطرفين ناقشا أيضًا "إمكانية إعادة عمل السفارة في طرابلس في أقرب الآجال، والاتفاق على ضرورة وضع حلول عاجلة لاستئناف الرحلات الجوية الليبية للعاصمة القاهرة"، فيما أكّد وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، أن اللقاءات كانت "مثمرة وبناءة، استعرضنا خلالها سبل التعزيز الأمني والاستخباراتي المشترك بما يحفظ مصالح الدولتين والمنطقة من خطر الإرهاب والجريمة المنظمة، واصفًا العلاقات مع القاهرة بالـ"مهمة للغاية".

 

الزيارة الأولى لمسؤولين مصريين إلى العاصمة طرابلس منذ 6 أعوام، توحي بتغير سياسة القاهرة تجاه الأزمة الليبية والتي تتجه تدريجيًا نحو ضمان مقعد في طاولة محادثات الانتقال والترتيب الدبلوماسي للمشاركة الفاعلة في مرحلة القادمة، وذلك بعد أن أيقن النظام المصري أنّ رهانه على اللواء المتقاعد خليفة حفتر والحسم العسكري قد يُكلفه مزيدًا من الخسائر السياسية والاقتصادية، وأن التغيرات الجيوسياسية في المنطقة تسير نحو التبلور من جديد مع بوادر حل الأزمة الخليجية وإعادة تشكل خارطة التحالفات.

 

 

وفي هذا السياق، أشار الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمود مختار إسماعيل الرملي، إلى أن زيارة الوفد الأمني المصري إلى العاصمة الليبية طرابلس تعكس تغيّرا كبيرًا في سياسة النظام المصري من دعم مطلق للمشير خلفية حفتر إلى إمكانية الحوار مع حكومة الوفاق الوطني، مضيفًا أن مصر بدأت تتخلى عن حفتر الذي ينتهج مبدأ السلاح، سعيًا لاحتضان مبدأ الدبلوماسية متعددة القنوات.

الخطوة التي أقدمت عليها مصر، تكشف أنّ القاهرة قدرت أنّ حفتر لا يُمكنه أن يخدم مصالحها في الفترة المقبلة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وبالتالي فإن النظام المصري يُحاول التخلص تدريجيًا من دعم حفتر الذي يعوّل كثيرًا على الإمارات وروسيا، ويسعى في مقابل ذلك إلى تكثيف جهود الحل السلمي على قاعدة الحوار بين أطراف الصراع، خاصة وأنّ استقرار ليبيا قد يعود عليها على بالنفع اقتصاديًا واجتماعيًا باعتبارها سوق يمتص بطالة اليد العاملة المصرية التي باتت تؤرق نظام السيسي.

تنافس أو تقارب

التحوّل في الموقف المصري يُمكن قراءته من زاوية حرص القاهرة على منافسة أنقرة على النفوذ في ليبيا، سيما وأنّ التواجد التركي في المنطقة يرى فيه النظام المصري تهديدًا لأمنه ولمجال فعله السياسي والاقتصادي، لذلك جاءت زيارة الوفد المصري إلى طرابلس بعد يوم من زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار واجتماعه مع مسؤولين ليبيين، وكذلك بعد رد المسؤول التركي على تصريحات حفتر، وتعهد أنقرة بـ"استمرار التنسيق المشترك لصد أي محاولة لتحرك معاد من قبل قوات المتمرد خليفة حفتر الخارجة عن القانون والشرعية للعبث باستقرار ليبيا".

وتعمل القاهرة التي تسعى لمنافسة الأتراك على مجال نفوذها الإقليمي، على التغلغل في المنطقة الغربية من خلال قنوات دبلوماسية وشخصيات تُمثل الغرب الليبي وكذلك مسؤولين في حكومة الوفاق، وترى أنّ استمالة شخصيات كوزير الداخلية فتحي باشاغا ووزير الخارجية محمد سيالة سيمكنها من موازنة الدور التركي في طرابلس، وبالتالي ستكتسب نقاط قوة تفرض من خلالها أجندتها السياسية.

القاهرة ترى أيضًا أنّ أيّ مغامرة عسكرية فاشلة أخرى لحفتر، قد يُمكن قوات حكومة الوفاق ومن وراءها تركيا من التقدم في مناطق حيوية مثل سرت والهلال النفطي، وبالتالي الاقتراب من الحدود المصرية، لذلك فهي تُحاول تطويع دبلوماسيتها النشطة لاستباق أي تحرك مسلح يُقوّض مساعيها لإبقاء الملف الليبي بيدها.

على الجهة المقابلة، يرى بعض المراقبين إلى أنّ تزامن زيارة الوفد المصري إلى طرابلس بعد سنوات من القطيعة مع زيارة وفد تركي ليست من قبيل المصادفة، بل إنّها تهدف إلى إخماد التوتر في ليبيا، وذلك بعد أن عبّرت مصر سابقًا عن سعادتها بما توصل إليه الفرقاء هناك في جولات الحوار.

ويمكن القول إن صمت القاهرة تُجاه الوعيد الذي أطلقه وزير الدفاع التركي من طرابلس، يُعد مؤشر على تراجع مصر عن موقفها الداعم لحفتر خطوتين إلى الوراء، فهي تعمل على تهدئة الأجواء من أجل إحراز تقارب يخدم مصالحها الحيوية، كما أن اللقاء الأخير بين المسؤولين المصريين والليبيين، يبدو أنّه أعطى تطمينات للقاهرة بأن حكومة الوفاق لا تسعى لبناء تحالفات مع جهة (تركيا) دون أخرى، وستعمل على تفعيل الاتفاقيات ذاتها مع كل الدول الصديقة والشقيقة بما فيها الجانب المصري والتي ستشمل الصعيد الاقتصادي، خصوصاً في ملف إعادة الإعمار.

التطمينات الأخيرة توحي بوجود قنوات خلفية بين القاهرة وأنقرة، ما يؤكد التصريحات السابقة للكاتب والمحلل السياسي التركي، حمزة تكين، المقرب من السلطة الحاكمة في تركيا، والمحلل السياسي فراس رضوان، الذين أشارا إلى وجود تنسيق واجتماعات مصرية-تركية، على مستوى مخابراتي بشأن الأوضاع في ليبيا.

الإمارات

وفقًا لمصادر مصرية، فإن زيارة الوفد رفيع المستوى للعاصمة الليبية طرابلس، جاءت على خلفية استياء القاهرة من التحرك الإماراتي لفرض حرب أهلية في ليبيا وتقويض اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين طرفي الصراع، وهي أيضًا تأتي ضمن مساعي القاهرة للتهدئة التي بدأتها منذ أسبوع تقريبًا أي بعد زيارة لوفد آخر برئاسة رئيس المخابرات المصرية عباس كامل إلى مدينة بنغازي شرق ليبيا التقى خلالها اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

يهدف تغير مواقف القاهرة من خلال الترتيب لإعادة البعثة الدبلوماسية المصرية إلى العاصمة طرابلس وإعادة فتح قنصليتها في بنغازي بحلول منتصف يناير/كانون الثاني المقبل، إلى إقامة علاقات سياسية مع الفاعلين السياسيين الغربيين في الفترة المقبلة، واستعادة دورها كلاعب أساسي في إنهاء الصراع، فمصر تريد من وراء هذه الخطوات تقديم نفسها كشريك المهم والموثوق به في عملية الحوار الليبي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

كما تُدلل محاولة القاهرة على سعيها لاستقطاب أطراف وازنة في المشهد السياسي في منطقة الغرب الليبي، والترويج لوقوفها مع جميع الأطراف على مسافة واحدة، وهي أيضًا رسالة توجهها القاهرة للخارج بأنها قادرة على التحدث والتواصل مع حكومة الوفاق، كما أن هذه الخطوة توحي بأنّ النظام المصري يُحاول تعديل موقفه والخروج من تحت جلباب الدولة الخليجية (الإمارات) التي تُصر على الدفع بالصراع المسلح إلى الحد الأقصى، ما يتعارض مع خطط القاهرة التي ترى أنّ مصالحها قد تتقاطع مع السياسية الجديدة للإدارة الأمريكية المقبلة برئاسة جو بايدن.

في الإطار ذاته، إنّ ما يُعطي أهمية للخطوة المصرية لا يكمن في الزيارات في حد ذاتها، فعدد من الشخصيات القبلية الغربية ومسؤولين من طرابلس (فتحي باشاغا) أدوا زيارات إلى القاهرة واجتمعوا بمسؤولين مصريين في أكثر من المناسبة، ولكن الزخم الحقيقي تمثل في إقدامها على التحرك دون تنسيق مع حليفتها الإمارات التي يبدو أنّها لن تتقبل المشهد الجديد في الغرب الليبي، فهي تعمل جاهدة ودون هوادة على القضاء على أي نظام حكم يشارك فيه الإخوان المسلمون أو يكون الإسلام السياسي أحد مكوناته.

لذلك، إن استقلال القرار المصري عن أجندة الإمارات على الرغم من وجود تنسيق وتحالف بينهما، يُعد من المؤشرات الإيجابية عن قرب حلّ الأزمة الليبية التي مازالت تقبع تحت رحمة توافق القوى الدولية الفاعلة على الأرض كفرنسا وروسيا والولايات المتحدة وإيطاليا ومصر وتركيا والإمارات.

لئن عدّل النظام المصري من أوتار ديبلوماسيته التي كانت تميل إلى الشرق الليبي على حساب غربه، فإنّه من غير المرجح أن تتخلى القاهرة نهائيًا عن ورقة حفتر في الوقت الراهن في غياب ضمانات واضحة من العاصمة طرابلس التي لم تحسم أمرها بعد، فيما تبقى العلاقات المصري التركية رهينة الملفات المشتركة الأخرى التي مازالت عالقة وبحاجة إلى مزيد من إذابة الجليد.