توقيع اتفاق استثماري بين أوروبا والصين بعد 7 سنوات من المفاوضات

بعد 35 جلسة مفاوضات على مدار 7 سنوات من بينهم 10 جلسات خلال 2020 وافق كل من الاتحاد الأوروبي والصين على إبرام اتفاق استثماري يسمح للشركات الأوروبية بمزيد من المشاركة والوصول إلى الأسواق الصينية، فيما يحتاج دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ عامًا آخر على الأقل.

الاتفاق إن أدخل الطرفين إلى نفق الشراكة من أحد الأبواب الواسعة، إلا أن ذلك لا ينفي أن كلاهما في الوقت ذاته لا يزال ينظر للآخر على أنه منافس شرس، في ظل صراع توسيع دوائر النفوذ الاقتصادية بين القوتين، مع الوضع في الاعتبار حالة التوتر التي تخيم على أجواء العلاقات بينهما في الآونة الأخيرة.

وقد أبرم الاتفاق عقب اجتماع افتراضي عبر تقنية الفيديوكونفرانس شارك فيه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي أول تعليق له على هذه الخطوة قال الرئيس الصيني إن هذا الاتفاق من شأنه أن يحفز الاقتصاد العالمي مع تعافيه من جائحة كورونا، كما أنه من المفترض أن يعزز الثقة المتبادلة بين الطرفين، إضافة إلى أنه يبرز عزم وثقة الصين بشأن انفتاح اقتصادها.

وكان الاتحاد وبكين قد أطلقا الجولة الأولى من المفاوضات لإبرام هذا الاتفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، خلال اللقاء الذي جمع بين الرئيس الصيني ورئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، هرمان فان رومبوي، على هامش زيارة الأخيرة لبكين.

حزمة من التساؤلات أثارتها تلك الخطوة التي تأتي عكس عقارب الساعة السياسية لا سيما فيما يتعلق بتداعياتها على مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية من جانب والأوروبية الصينية من جانب آخر في ظل صراع نفوذ الهيمنة وتقاطع العديد من الملفات السياسية والحقوقية بين الأطراف الثلاث.

التوازن في العلاقات

تسعى أوروبا من خلال هذا الاتفاق إلى ضبط علاقاتها الاقتصادية مع التنين الصيني لا سيما أنها تراها علاقات غير متوازنة ولا بد من إعادة هيكلتها مرة أخرى بما يحقق التوزان النسبي في ظل ما تمثله من ثقل اقتصادي كبير يفوق في قوته الاقتصاد الصيني.

ويسمح الاتفاق للعديد من الشركات الأوروبية بتعزيز وجودها داخل السوق الصينية على غرار الشركات الصينية داخل السوق الأوروبية، ومن أبرز الشركات المرجح أن تستفيد من الخطوة تلك التي تتمتع بوجود كبير في الصين شركة دايملر Daimler وبي إم دبليو BMW وبيجو Peugeot وأليانز Allianz وسيمنس Siemens.

ورغم الخلافات السياسية التي تطفو على سطح العلاقات بين الحين والآخر، فإن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الأكبر للصين خلال السنوات الماضية، فيما أصبحت الأخيرة الشريك الأكبر للاتحاد خلال الربع الثالث من هذا العام، وهي بذلك تتقدم على الولايات المتحدة التي كانت تحتل الصدارة في تلك العلاقة.

وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات الصينية في دول الاتحاد الأوروبي تبلغ قرابة 113 مليار يورو، في مقابل 150 مليار يورو قيمة استثمارات أوروبية - ليس من بينها بريطانيا - في السوق الصينية، فيما يُتوقع أن تساهم الاتفاقية الأخيرة في تعزيز حجم تلك الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.

الإعلام الأوروبي في مجمله يميل إلى التعامل مع الصين كخصم أكثر منها منافس

الصين تغزو القارة العجوز

يسعى التنين الصيني على مدار العقد الأخير لغزو السوق الغربية بشتى السبل، إلا أن حزمة من التحديات والعراقيل المرتبط معظمها بأبعاد سياسية وحقوقية كانت الحائل دون تحقيق الحلم الصيني في فرض الهيمنة على هذه السوق الكبيرة رغم النجاحات التي حققها في أماكن أخرى كآسيا وإفريقيا.

في 2019 استطاعت بكين تحقيق أول خطوة في تجاه حلمها حينما أقنعت الحكومة الإيطالية بالانضمام إلى مبادرة "طريق الحرير" وهي الخطوة التي أربكت العواصم الأوروبية وأثارت الكثير من الجدل بخصوص التهديدات التي يمثلها هذا التحرك في منسوب توزان الثقل بين القوتين.

إلا أنه خلال هذا العام تراجع الحلم خطوات عدة للوراء، فمن بين قرابة 50 اتفاقية أبرمتها إيطاليا مع الحكومة الصينية لم يتبق منها اليوم إلا 29 فقط، وذلك بعد مغادرة حزب "ليغا" اليميني الشعبوي الحكومة، وهو الحزب الذي قاد التقارب بين البلدين العام الماضي وأسفر عن إبرام تلك الاتفاقيات.

ومنذ هذا التراجع كثفت بكين من تحركاتها من أجل إبرام الاتفاق مع الاتحاد ككيان متكامل بعيدًا عن التعامل مع أعضائه في مسارات فردية ربما تثير غضاضة العديد داخل التحالف، وهو ما أسفر في النهاية عن إبرام هذا الاتفاق الذي يعد نقلة نوعية نحو تحقيق حلم التنين، الأمر الذي من المتوقع أن يربك الكثير من الحسابات الداخلية ويثير الجدل.

الإعلام الأوروبي في مجمله يميل إلى التعامل مع الصين كخصم أكثر منها منافس، لا سيما بعد النجاحات التي تحققت خلال الآونة الأخيرة التي يراها البعض تهديدًا لنفوذ القارة العجوز، ففي 22 من يونيو/حزيران الماضي نشر موقع شبيغل أونلاين الألماني مقالًا اتهم فيه بكين بأنها توسع قوتها ونفوذها بلا رحمة.

المقال لفت إلى ضرورة مقاومة العديد من الدول لهذا المد الصيني الذي يسحب البساط من تحت الجميع، فيما حث الموقع الحكومة الألمانية أن تلعب دورًا رئيسًا حيال ما وصفه بـ"المقاومة" من أجل الدفاع عن مصالح القارة في مواجهة التغول المقلق للقاطرة الآسيوية.

فريق عمل بايدين أعرب عن قلقه إزاء التقارب الملحوظ بين الاتحاد الأوروبي وبكين

ماذا عن الولايات المتحدة؟

تعد العلاقات مع الصين أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيما وضعت الحرب الاقتصادية التي أُشعل فتيلها العامين الماضيين بين واشنطن وبكين، أوروبا في موقف حرج فيما يتعلق بالتموضع حيال صراع الهيمنة بين القوتين.

وهنا وجدت القارة العجوز نفسها ممزقة بين الميل لشريكها وحليفها الأمريكي رغم الانهيار الواضح في العلاقات بينهما خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، وبين مصالحها مع القوة الآسيوية العملاقة التي تتزايد معها الشكوك بشأن طموحاتها الاقتصادية وتداعياتها على توازن القوى بينهما.

من المتوقع أن يثير هذا الاتفاق غضب الأمريكان، وبالتالي أن يعمق الفجوة بين أوروبا وواشنطن، خاصة أنه يأتي قبل عشرين يومًا من تنصيب الديمقراطي جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، وهو ما سيضع مستقبل العلاقات مع الحليف الأوروبي على المحك.

فريق عمل بايدين أعرب عن قلقه إزاء التقارب الملحوظ بين الاتحاد الأوروبي وبكين، فيما حث بروكسل على إعادة النظر في هذه الخطوة التي تثير استياء بايدن الذي يعول على التنسيق مع الأوروبيين بشأن ملف العلاقات مع الصين، وفق ما نقل موقع "دويتشه فيله".

مثل هذا التقارب قد يعزز فرضية بقاء العلاقات الأمريكية الأوروبية في إطارها المتوتر، في ظل انتهاج الاتحاد مقاربة أكثر ليونة مع التنين الصيني في الوقت الذي تواصل فيه إدارة ترامب حربها الضروس ضد بكين عبر حزمة من العقوبات لإجبارها على تقديم تنازلات.

ورغم رسائل الطمأنة التي يبعثها التكتل الأوروبي للحليف الأمريكي بأن هذا الاتفاق لن يؤثر سلبًا على العلاقات مع إدارة بايدن، كونه يوازي بنسبة كبيرة الاتفاق الذي أبرمه ترامب مع بكين في يناير/كانون الثاني الماضي، فإن خيوط التواصل والتنسيق بين أوروبا وأمريكا خلال المرحلة المقبلة هي الفيصل في تحديد سقف تلك العلاقة وحدودها.

وفي المحصلة تسير الصين بخطوات مدروسة لتعزيز نفوذها عالميًا، ليس على المستوى الاقتصادي فقط كما يتوهم البعض، فالتعاطي السياسي مع العديد من الملفات الإقليمية والدولية الأخيرة يشير إلى أن الأمر تجاوز حده الاقتصادي، ليخطط العملاق الصيني لفرض واقع جيوسياسي جديد.

وخلال أزمة كورونا، وبينما يرفع العالم راياته البيضاء استجابة لما تلقاه من ضربات موجعة في خاصرته الاقتصادية، إذ بالصين توظف تلك الأجواء - الملبدة بغيوم الخسائر - لتعزيز قوتها الناعمة وتوسيع نفوذها، وهو ما يتوافق مع جملة الرئيس الصيني التي استشهد بها موقع "فوكوس" الألماني حين قال: "كل الخطوات الكبيرة في التاريخ تمت بعد الكوارث الكبرى"، متسائلًا "ألم تصبح الولايات المتحدة قوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية؟".

ويكفي الإشارة إلى أن نصف طلبات تسجيل براءات الاختراع في العالم خلال 2019 كانت من نصيب الصين برقم قياسي بلغ 1.54 مليون طلب، متقدمة بذلك عن الولايات المتحدة التي حلت في المركز الثاني مسجلة نحو 600 ألف طلب، وفق ما أعلنته المنظمة العالمية للملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة.