ساعات قليلة وتتجه الأنظار صوب مدينة "العلا" السعودية (غرب) حيث فعاليات القمة الحادية والأربعين لدول مجلس التعاون الخليجي التي ستنطلق في الـ5 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، ومن المقرر أن يكون ملف المصالحة على رأس جدول الأعمال.

تكهنات عدة بشأن تحريك القمة للمياه الراكدة في مستنقع الأزمة الممتدة لأكثر من أربعين شهرًا في ظل الأجواء الإيجابية نسبيًا التي تخيم على المشهد منذ تصريحات وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح، في الـ4 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، التي ألمح فيها إلى التوصل لاتفاق نهائي لطي صفحة الخلاف والعمل على حلحلة الأزمة دون الإشارة إلى أي تفاصيل بشأن هذا الاتفاق.

الترحيب السعودي بالتصريحات الكويتية في ظل الصمت البحريني الإماراتي عكس حالة الانقسام الواضحة في محور الحصار بشأن جهود المصالحة، الأمر الذي وجه الأنظار صوب "العلا" لا سيما بعد توجيه دعوة رسمية لحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحضور القمة.

تزايدت التخمينات والتقديرات المتضاربة على مدار الأيام الماضية بشأن مستقبل الأزمة بعد حديث وزير الخارجية الكويتي الذي عززه وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بتصريحاته بشأن حدوث اختراق كبير في المصالحة الخليجية، حيث تباينت القراءات بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المطلق.

وتأتي القمة المرتقبة لتضع كل تلك التكهنات على طاولة الحسم والتقييم، وسط حالة من الترقب، في ظل المستجدات الإقليمية والدولية التي تفرض المزيد من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية على الجميع، الأمر الذي من المرجح أن ينعكس على العديد من الملفات ومن بينها "الخلاف الخليجي".

3 محددات أولية

هناك 3 محددات أولية تحمل وبشكل كبير الإجابة عن سؤال: إلى أين تسير عملية المصالحة؟ كونها تعكس العديد من الدلالات التي يمكن من خلالها قراءة أولية لمسارات الأزمة وتشعباتها وما يمكن أن تؤول إليه في ظل حالة الانقسام الواضحة بين طرفيها.

المحدد الأول: مستوى الحضور.. فحضور زعماء دول الخليج الست بجانب الرئيس المصري يعد مؤشرًا إيجابيًا يحمل نوايا - أولية - لإحداث حلحلة في هذا الملف المجمد، ولعل هذا ما صعد من نبرة التفاؤل مع دعوة السيسي الذي لم يحسم بعد مسألة حضوره من عدمها.

حضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، على وجه الخصوص، بجانب الرئيس الضيف، سيؤدي بلا شك لارتفاع باروميتر التفاؤل، أما في حالة إنابة كل زعيم لرئيس وزرائه أو وزير خارجيته للحضور، فهذا التمثيل سيفتح باب التكهنات مرة أخرى، وليس شرطًا أن يحمل معناه السلبي، فربما يتجنب بعض القادة المواجهة المباشرة لا سيما أن منسوب التوتر لم ينخفض بعد، خاصة بين بعض الدول على رأسها البحرين والإمارات من جانب وقطر من جانب آخر.

جدير بالذكر أن سلطان عُمان هيثم بن طارق، وأمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، لم يسبق لهما أن شاركا في مثل هذه القمم كرؤساء دول، وهي المرة الأولى المتوقع أن يحضرا، وإن كان حضور سلطان عمان لم يحسم بعد، بسبب تجاهل الأطراف الأخرى للسلطنة في كثير من محطات الأزمة.

هناك ميل قطري واضح للتصالح مع السعودية في المقام الأول، بحكم العلاقات القوية التي تربط بين البلدين، فضلًا عن ثقل المملكة في منظومة مجلس التعاون، وهو ما يفسر التجاهل الواضح لردود الفعل الإماراتية البحرينية التي تصب في معظمها عكس عقارب ساعة المصالحة

المحدد الثاني: مضمون الحوار.. بات من الواضح أن الاتفاق الذي كشفت عنه الكويت على لسان وزير خارجيتها في الـ4 من ديسمبر/كانون الأول الماضي كان مجرد إطار عام للتفاوض لا يتضمن أي تفاصيل بشأن النقاط المتفق عليها ولا الخطة الزمنية المدرجة لإنهاء الخلاف.

وعليه فإن القاعدة المشتركة التي سينطلق من خلالها الحوار بشأن هذا الملف على طاولة القمة ستحدد بشكل كبير مستقبل جهود الوساطة ومساعي طي هذه الصفحة، إذ بات يقينًا أن الشروط الـ"13" التي فرضتها دول الحصار بداية الأزمة كشرط لإنهاء الخلاف ما عادت صالحة كقاعدة للتفاوض بعدما رفضتها الدوحة جملةً وتفصيلًا.

ففي حال التمسك بذات الشروط فإن الأمور لن تتحرك قيد أنملة للأمام، أما في حالة لجوء الطرفين إلى القواعد المعروفة لتنظيم العلاقات الدولية وأهمها: احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فضلًا عن الإجراءات التي من شأنها بناء الثقة مرة أخرى، ربما تحرك المياه الراكدة وتكون قاعدة مقبولة للجميع للانطلاق من خلالها لحل الأزمة ولو بصورة تدريجية.

المحدد الثالث: ميل الأطراف للمصالحة.. تُعقد هذه القمة في ظل تباين واضح في مواقف ورؤى أطراف الأزمة بشأن الميل نحو المصالحة وطي هذه الصفحة التي تبين للجميع أنه لا رابح فيها، فالسعودية تأتي على رأس الدول الأكثر حماسة لإنهاء الخلاف لا سيما بعد المستجدات الأخيرة التي تجعل من الاستمرار في هذا التصدع الخليجي تهديدًا لأمن واستقرار دول الخليج ككل.

وبالتوازي مع ذلك هناك تحفظ نسبي في موقف الإمارات والبحرين تحديدًا بشأن جهود الوساطة، فيما ذهبت بعض التقارير الإعلامية إلى أن هناك دورًا إماراتيًا قويًا في إفشال أي محاولات للتهدئة ووأد كل مساعي الوساطة الكويتية والأمريكية.

ولأجل هذا تكثف الرياض من جهودها الدبلوماسية لمحاولة التوصل إلى صيغ مشتركة مع شركائها الثلاث في الحصار، ولعل دعوتها للرئيس المصري لحضور فعاليات تلك القمة رغم انعقاد قمتين خليجيين قبل ذلك لم يدعا لهما، مؤشر واضح على الجهود السعودية في هذا الشأن.

وفي الجهة المقابلة هناك رغبة قطرية لتعزيز جهود المصالحة وهو ما عبر عنه أمير البلاد أكثر من مرة، فضلًا عن التصريحات الواردة على لسان وزير الخارجية، لكن وفق محددات وشروط بعيدة تمامًا عن تلك الـ13 المفروضة من دول الحصار.

اللافت للنظر أن هناك ميلًا قطريًا واضحًا للتصالح مع السعودية في المقام الأول، بحكم العلاقات القوية التي تربط بين البلدين، فضلًا عن ثقل المملكة في منظومة مجلس التعاون، وهو ما يفسر التجاهل الواضح لردود الفعل الإماراتية البحرينية التي تصب في معظمها عكس عقارب ساعة المصالحة.

السيسي يتسلم دعوة حضور القمة الخليجية

3 سيناريوهات

بعيدًا عن المستجدات الإقليمية والدولية التي من المتوقع أن يكون لها ارتداداتها على كل الملفات ومنها الأزمة الخليجية، فإن القمة الـ41 تأتي وسط أجواء ملتهبة بين أطراف الأزمة أنفسهم، فالتصعيد الذي تمارسه البحرين ضد قطر في المياه الخليجية ومحاولة افتعال أزمة تعكر صفو الأجواء يعكس رغبة قوية في الإبقاء على حالة الخلاف تلك.

المتابعون للشأن الخليجي يرون كذلك أن ما تفعله المنامة هو صدى لرغبة أبو ظبي إفشال أي جهود للمصالحة عبر افتعال الأزمات، هذا بخلاف الزيارة الأخيرة التي قام بها ابن زايد للقاهرة وقيل إن أبرز دوافعها الضغط على السيسي ومحاولة إقناعه لإفشال الوساطة الكويتية.

وعليه تبقى هناك 3 سيناريوهات لمخرجات قمة "العلا" فيما يتعلق بملف الأزمة، السيناريو الأول وهو أقلهم احتمالًا، حدوث انفراجة كاملة وإنهاء الخلاف بشكل رسمي، غير أن تعقيدات المشهد ودرجة استعداد كل طرف للتصالح والتخلي عن شروطه السابقة سيجعل من هذا السيناريو أمرًا مستبعدًا.

السيناريو الثاني يتعلق بالاتفاق على الحلحلة من خلال إجراءات بناء الثقة وتراجع كل طرف للوراء مع الاتفاق على قواعد ومبادئ مشتركة تضمن للجميع عدم التدخل في شؤون الغير، وهو السيناريو الذي يحتاج إلى فترة زمنية ليست بالقصيرة لاختبار تلك الإجراءات ومدى استعداد كل طرف لاتخاذها.

بعيدًا عن أجواء القمة الملبدة بغيوم الانقسامات وسحب الخلافات، هناك وضع إقليمي أكثر سخونة، ففي الوقت الذي يعقد فيه قادة دول مجلس التعاون اجتماعاتهم، هناك قاذفات "بي-52" (B-52) الأمريكية تجول في مياه الخليج

ويفرض هذا السيناريو نفسه بقوة على بورصة التكهنات حال الالتزام بالمحددات الثلاث سالفة الذكر، وإن كان يحتاج إلى ضمانات قوية حتى لا تحدث انتكاسة في أي وقت تعيد الأمور إلى المربع "صفر" مرة أخرى، لا سيما في ظل الاستفزازت المتتالية التي يقوم بها بعض الأطراف.

السيناريو الثالث وهو: بقاء الوضع على ما هو عليه.. وتتساوى فرصه مع السيناريو الثاني في ظل الانقسام الواضح في محور الحصار بشأن المصالحة ورغبة الإمارات والبحرين في استمرار الخلاف، إذ من المرجح أن تتمسك هاتان الدولتان بشروطهما السابقة، وهو ما سيقابل بالطبع برفض قطري قاطع، لتبقى الأزمة في مكانها حتى إشعار آخر.

وبعيدًا عن أجواء القمة الملبدة بغيوم الانقسامات وسحب الخلافات، هناك وضع إقليمي أكثر سخونة، ففي الوقت الذي يعقد فيه قادة دول مجلس التعاون اجتماعاتهم، هناك قاذفات "بي-52" (B-52) الأمريكية تجول في مياه الخليج، ولا يدري أحد متى وأين ستلقي بصواريخها في ظل التوتر بين واشنطن وطهران.

علاوة على الأوضاع الملتهبة في الجزر المتنازع عليها بين الإمارات وإيران، فالتحركات العسكرية للأخيرة في تلك الجزر "طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى" التي تتزامن مع شق غواصة إسرائيلية طريقها للخليج بدعم وترحيب إماراتي، يحمل التحركات الإيرانية العديد من الرسائل الخطيرة لدول المنطقة.

وفوق كل هذا إرهاصات التغيير المتوقعة لخريطة التحالفات في المنطقة بعد انتهاء الحقبة الترامبية التي فرضت واقعًا معينًا لا يتناسب مطلقًا مع توجهات الإدارة الديمقراطية الجديدة، الأمر الذي يتوقع معه خلخلة في تلك التحالفات وبناء أخرى جديدة على أسس مختلفة.

وفي المجمل فإن التعويل على هذه القمة في إحداث خلخلة مزلزلة في جدار الأزمة الصلب حديث يفتقد للموضوعية، إلا أن المؤشرات الراهنة وما تفرضه من تحديات في ظل إصرار بعض العواصم على المضي قدمًا في أجندتها الخارجية بشكل منفرد، سيوجه الأنظار أكثر صوب مدينة العلا خلال الساعات القادمة، لانتظار ما يمكن أن تتمخض عنه.