ميليشا الجنجويد السودانية

لا تزال أصداء وفاة المواطن السوداني بهاء الدين نوري (47 عامًا) داخل معتقلات قوات الدعم السريع بعد تعرضه للتعذيب على أيدي بعض عناصر الفرقة، في الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي تخيم على أجواء المشهد الذي ينذر بتصعيد جديد.

ورغم محاولة قائد قوات الدعم السريع لفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، امتصاص غضب الشارع بالإعلان عن رفع الحصانة عن العناصر المتورطة في هذه الجريمة وتسليمهم للنيابة، فإن ما حدث فجر براكين الغضب الشعبي الكامنة تحت الرماد.

وكانت قوات الدعم السريع التابعة للجيش السوداني قد ألقت القبض على المواطن السوداني في أثناء جلوسه بمقهى في حي الكلاكلة جنوب الخرطوم في 16 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلا أنها وبعد أربعة أيام أبلغت أسرته بوفاته والحضور لاستلام جثته، غير أنهم رفضوا استلامها بعدما اكتشفوا آثار التعذيب على جسده، ليتقدموا ببلاغ عاجل للنيابة العامة التي فتحت تحقيقًا في تلك الواقعة.

حالة من الزخم خلقتها تلك الجريمة التي جاءت ردود الفعل حيالها مغايرة بشكل لافت لما كانت عليه قبل ذلك، الأمر الذي تصاعدت معه الأصوات التي تطالب بحل تلك القوات وتطهير الجيش السوداني من عناصرها وتقديم مسؤوليها للمحاكمات، وطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ البلاد.

وتواجه ميليشيا الجنجويد ذات السمعة السيئة العديد من الاتهامات بشأن تورطها في ارتكاب انتهاكات عدة بحق السودان، شعب ودولة، ولم ينس الشارع السوداني دورها في مقتل عشرات المحتجين خلال فض اعتصام مقر قيادة الجيش في الثالث من يونيو/حزيران 2019.

المطالبة بحل قوات الدعم

في أول رد فعل على تلك الواقعة طالب تجمع المهنيين السودانيين (قائد الحراك الاحتجاجي بالسودان وأحد مكونات الائتلاف الحاكم) بحل عاجل لقوات الدعم السريع، ودمجها مع القوات المسلحة السودانية، بجانب تفتيش كل مقارها في مختلف المناطق للتأكد من خلوها من أي معتقلين آخرين.

التجمع في بيان له، موجه للنائب العام، نشره على صفحته على فيسبوك شدد على ضرورة دمج تلك الميليشيات في الجيش الوطني خلال مدى زمني معلوم، وفق تصنيف عادل، يتم عبره دمج من تتوافر فيه شروط الالتحاق بالقوات المسلحة وتسريح من لا تتوافر فيهم الشروط بموجب قانون القوات المسلحة.

البعض حمل الوفد المفاوض من قوى الحرية والتغيير مسؤولية الاعتراف بتلك الميليشيا، الأمر الذي يجعل من محاسبتها على الجرائم والانتهاكات المرتكبة أمرًا غاية في الصعوبة

وأضاف البيان "وجود معتقلين دون بلاغ جنائي ودون أمر قبض يخالف المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تنص بأن الحبس يتم بواسطة الشرطة وفي حراساتها، كما أن التحريات وفقًا لنص المادة 39 من القانون لا تجريها إلا شرطة الجنايات العامة تحت إشراف وتوجيهات النيابة العامة، وكل ذلك يتفق مع ما نصت عليه اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية المادة 55 الخاصة بتعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدني".

وفي النهاية دعا التجمع إلى إصدار تشريعي يجرد جهاز المخابرات العامة وفروعه من سلطة القبض والحبس الممنوحة له في 2019 بعد تعديل قانون الأمن الوطني لسنة 2010 لتقتصر تلك السلطة على النيابة والشرطة الجنائية فقط ضمانًا لسوء استغلالها من الآخرين.

 

شرعية دستورية

كانت قضية الميليشيات المسلحة بنوعيها، الحكومية والمعارضة، على رأس القضايا المثيرة لقلق السودانيين، التي كانت أحد الدوافع الرئيسية للإطاحة بنظام عمر البشير في أبريل/نيسان 2018، لا سيما أنها كانت تحصل على نصيب الأسد من ميزانية الدولة التي كانت تذهب للإنفاق الأمني والدفاعي.

ومع سقوط حكومة الإنقاذ استبشر السودانيون خيرًا بشأن حسم هذا الملف المثير للجدل، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي سفن الثوار، ففي الوقت الذي كانت تعاني فيه بعض تلك الميليشيات وعلى رأسها قوات الدعم السريع من عوار قانوني بحكم عدم دستوريتها، جاء تشريع وجودها رسميًا من خلال الاتفاق الدستوري الذي تم التوصل إليه بين قوى الحرية والتغيير التي كانت تقود الحراك مع المجلس العسكري.

في الوقت الذي كان يؤمل فيه البعض أنفسهم بتقليم أظافر حميدتي وفرقته سيئة السمعة إذ به يعزز من حضوره ويرسخ مكانه ويوسع دائرة نفوذه من خلال هيمنته على موارد الدولة الاقتصادية ذات القيمة المادية الكبيرة ومنها الذهب

وبدلًا من أن يتضمن هذا الاتفاق - المفترض أنه جاء استجابة لرغبة ثورية ملحة - حل قوات الدعم السريع التي كانت العصا الغليظة لنظام الإنقاذ لتقليم أظافر المعارضين والمثيرين للقلق ووأد أي تحركات هنا وهناك، إذ بها تحتفظ بوضعية خاصة تمنحها نفوذًا استثنائيًا في نظام ما بعد البشير.

البعض حمّل الوفد المفاوض من قوى الحرية والتغيير مسؤولية الاعتراف بتلك الميليشيا، الأمر الذي يجعل من محاسبتها على الجرائم والانتهاكات المرتكبة أمرًا غاية في الصعوبة، وهو ما اتضح بشكل كبير في المسار القضائي لواقعة فض اعتصام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة يونيو/حزيران 2019.

وفي الوقت الذي كان يؤمل فيه البعض أنفسهم بتقليم أظافر حميدتي وفرقته سيئة السمعة إذ به يعزز من حضوره ويرسخ مكانه ويوسع دائرة نفوذه من خلال هيمنته على موارد الدولة الاقتصادية ذات القيمة المادية الكبيرة ومنها الذهب، حيث بات يمتلك أصولًا كبيرةً داخل شركات التعدين والتنقيب، هذا بجانب امتلاكه لإحدى الشركات (الجنيد) المتورطة في تهريب هذا المورد النفيس لدولة الإمارات بطرق غير مشروعة.

تهديد أمن السودان

في تقرير سابق لـ"نون بوست" نقل عن الخبير أحمد سالم قوله: "الدعم السريع أو الجنجويد، ظاهرة أمنية خطيرة كانت تشكل تهديدًا أمنيًا في الماضي للآمنين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وتطيل عمر النظام البائد على حساب السودان وأهل السودان.. حميدتى ظاهرة أمنية تشكل خطرًا على الوضع الراهن له وجود في كل المرافق الحيوية بالعاصمة الخرطوم مما يشكل احتلالًا كاملًا بما في ذلك القيادة العامة، وله وجود في كل ولايات السودان بما يعنى أن السودان الآن تحت الاحتلال الجنجويدي".

واعتبر الخبير السياسي أن هذه الميليشيات وقائدها تعد العقبة الأبرز التي تواجه الائتلاف الحاكم وحكومة عبد الله حمدوك، التي تحول دون إمكانية اتخاذ أي سياسة تهدد تلك القوة، لافتًا إلى أن مواردها السنوية "تقدر بنحو 2.5 مليار دولار مما يعني نصف ميزانية جمهورية السودان" متسائلًا: "كيف يمكن أن يتخلى بسهولة عن هذه الثروة وهو يملك القوة العسكرية التي تحميه؟".

استمرار الجنجويد في سياستها تلك التي لا تجيد إلا لغة العصا تقوض التحول الديمقراطي للسودان هذا بجانب تعميقها لحالة الاحتقان الشعبي ضد السلطات الحاكمة المؤقتة، الأمر الذي يرفع من منسوب الغضب وهو ما يمكن أن يترجم مستقبلًا لتحركات من شأنها أن تكون إرهاصات موجة ثورية جديدة.

يبقى الضغط الشعبي هو نقطة الدم الأخيرة في شريان الحراك الثوري الضامن للإبقاء على جذوة الثورة مشتعلة حتى تحقيق الأهداف كاملة، ليظل الشارع الخيار الأول والأخير للغاضبين

خبراء سودانيون يرون أن الصورة الذهنية القاتمة التي رسمها حميدتي وميليشياته لدى الشارع السوداني جراء الانتهاكات الممارسة بحق المواطنين كفيلة أن تقلب الطاولة في أي وقت، وفي حال حدوث أي حراك ثوري جديد من المحتمل أن تكون قوات الدعم السريع هي الضحية، فحينها لن تجد المؤسسة العسكرية أي غضاضة في الإطاحة بهذا الكيان وتفكيكه حفاظًا على مكتسباتها الأخيرة.

التغول الواضح للمؤسسة العسكرية السودانية (لا سيما قوات الدعم السريع) في قطاعات الاقتصاد والمجالات المدنية أثار موجة انتقادات لاذعة على المستوى الداخلي، الأمر الذي يُخشى معه تكرار السيناريو المصري، ما يعني إدخال التيار المدني غرفة الإنعاش المبكر والعودة بعقارب الزمن للوراء، قبل ديسمبر 2018.

ومع تلك الوضعية الحرجة التي باتت عليها ميليشا حميدتي ليس أمامها إلا إعادة النظر في إستراتيجية عملها وإجراء هيكلة عاجلة ترضي الشارع الغاضب أو سيناريو أكثر سوداوية حال عنادها، وعلى المؤسسة العسكرية أن تمارس ضغوطها لئلا يتفاقم الوضع بما لا يمكن معه السيطرة مستقبلًا.

ويبقى الضغط الشعبي هو نقطة الدم الأخيرة في شريان الحراك الثوري الضامن للإبقاء على جذوة الثورة مشتعلة حتى تحقيق الأهداف كاملة، ليظل الشارع الخيار الأول والأخير للغاضبين، والسوط الأكثر وجعًا لظهور الجنرالات، وعليه فإن الساحة الآن مفتوحة على كل الاحتمالات خاصة بعد فشل السلطات الحاكمة في التعاطي مع الكثير من الملفات الاقتصادية والمعيشية رغم ما حققته من إنجازات على المستوى السياسي والأمني.