سنة 1960، قررت فرنسا أن تجعل من سكان الجزائر حقلًا للتجارب النووية، حيث فجرت القنبلة الأولى هناك تحت اسم "اليربوع الأزرق"، تيمنًا بأول لون من العلم الفرنسي، بطاقة تفجيرية ضخمة، لم يسبق لأهل البلاد السماع بمثلها.

تبعت هذه الحادثة تجارب نووية أخرى تسببت في مقتل 42 ألف جزائري وإصابة آلاف الآخرين بإشعاعات نووية، علاوة على الأضرار الكبيرة التي مست البيئة، وما زالت آثارها إلى الآن شاهدة على هولها وفظاعتها.

لم تكتف باريس بتدمير الجزائر فقط، فقد وصلت جرائمها جزر بولينيزيا جنوب المحيط الهادي، التي احتضنت عشرات التجارب النووية منها تجربة أول قنبلة نووية هيدروجينية فرنسية وكانت قوتها تقارب 170 قنبلة هيروشيما مجتمعة.

في هذا التقرير الجديد ضمن ملف "أقاليم ما وراء البحار" سنتطرق معًا إلى واحدة من أبشع جرائم فرنسا في حق شعوب وأراضي جزر بولينيزيا التي استحوذت عليها باريس بقوة السلاح رغم معارضة السكان الأصليين لذلك.

في المحيط الهادي لكن تتبع فرنسا

تتكون منطقة بولينيزيا من خمسة أرخبيلات متناثرة في جنوب المحيط الهادئ شرق أستراليا، تضم 118 جزيرةً، وتقدر مساحتها بـ4167 كيلومترًا مربعًا، 76 منها مأهولة، هذا الإقليم لا يستخدم اليورو عملةً له وليس عضوًا في الاتحاد الأوروبي، لكن يتبع إداريًا فرنسا.

تميزت أربعينيات القرن التاسع عشر ببداية الاستيطان الاستعماري الفرنسي، فبدأت فرنسا بضم جزر ماركيساس في مايو/أيار 1842 ثم تاهيتي بحجة تأسيس الحرية الدينية للبعثات الكاثوليكية إلى تلك المنطقة في المحيط الهادي، وقد لاقت معارضة من الإمبراطورية البريطانية العظمى والإمبراطوريات المحلية التي كانت تحكم المنطقة، علمًا بأن هذه الجزر لم تكن متحدة إلا بعد أن احتلتها فرنسا وفرضت سيادتها عليها.

لم تتوان سلطات فرنسا الاستعمارية عن ارتكاب أي جريمة مهما كانت درجة شناعتها وفظاعتها للسيطرة على هذه الجزر الإستراتيجية

أول اسم رسمي لهذه المستعمرة كان "مستوطنات في أوقيانوسيا"، ثم تغير الاسم سنة 1903 إلى "المستوطنات الفرنسية في أوقيانوسيا"، وفي عام 1946، منحت الجنسية الفرنسية للبولينيزيين وتم تغيير حالة هذه الجزر إلى إقليم ما وراء البحار، ثم تم تغيير اسم الجزر عام 1957 إلى بولينيزيا الفرنسية.

أدرجت بولينيزيا الفرنسية في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي من عام 1946 إلى عام 1947، بعد أن أحالت فرنسا معلومات بشأن المستوطنات الفرنسية في أوقيانوسيا بموجب المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة.

وفي عام 2013، أعادت الجمعية العامة إدراج بولينيزيا الفرنسية في القائمة، إذ أقرت بأن "بولينيزيا الفرنسية لا تزال إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي في إطار المعنى الوارد في الميثاق".

عانى البولينيزيون - أول من سكن تلك الجُزر - القتل والنفي والعنصرية والتمييز منذ أن احتل الفرنسيون جزرهم، حيث مارست فرنسا الاستعمارية شتى أنواع التعذيب في حق سكان الجزر الأصليين لفرض سيطرة المستوطنين على المنطقة.

النفاق الفرنسي

لم تتوان سلطات فرنسا الاستعمارية في ارتكاب أي جريمة مهما كانت درجة شناعتها وفظاعتها للسيطرة على هذه الجزر الإستراتيجية والاستفادة منها لتقوية مكانتها العالمية، حتى إن كان في ذلك هلاك للشعوب التي تقطنها حاليًّا والأجيال القادمة.

سنة 1962، استقلت الجزائر - التي كانت منطقة للتجارب النووية الفرنسية - بعد 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، ومباشرة وجهت باريس بوصلتها إلى مكان آخر لاحتضان تجاربها النووية، المهم أن يكون خارج أراضيها.

اختارت الجزر الحلقية موروروا وفانغاتوفا في أرخبيل تواموتو التابع لإقليم بولينيزيا كموقع جديد للاختبارات النووية، وأجري أول اختبار في الـ2 من يونيو/حزيران 1966 هناك وكانت هذه أول تجربة في سلسلة من 193 تجربة نووية في بولينيزيا.

أدى الاختبار الأول إلى تلوث خطير لجزيرة مانغاريفا المرجانية، حيث بلغت قوة القنبلة نحو مئتي طن، أي أكثر بعشر مرات من قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، مع ذلك واصلت فرنسا تجاربها النووية الفظيعة في تلك الجزر.

بين عامي 1966 و1996، أجرت باريس 193 تجربةً نوويةً (بما في ذلك 12 اختبارًا أمنيًا تم خلالها التحقق من أن القنابل لا تنفجر إذا لم تكن مسلحة)، في الجزيرتين، 46 اختبارًا منها في الغلاف الجوي - يعود تاريخ أحدثها إلى 14 من سبتمبر/أيلول 1974.

توقفت الاختبارات الجوية عام 1974، لكن في العام التالي أفسح المجال لأول اختبارات تحت الأرض استمرت حتى عام 1992، حين أمر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بتعليق التجارب، ولم يدم ذلك طويلًا، ففي 13 من يونيو/حزيران 1995، أعلن جاك شيراك - الرئيس المنتخب حديثًا للجمهورية - استئناف التجارب النووية إلى غاية 27 من يناير/كانون الأول 1996.

قوة القنبلة النووية

أقوى التجارب النووية الفرنسية تمت في 24 من أغسطس/آب 1968، حيث أجرت باريس اختبار لسلاح الاندماج النووي، المعروف باسم "القنبلة H "، تم إجراء هذه التجربة النووية الفرنسية الثلاثين فوق جزيرة فانغاتوفا المرجانية، في بولينيزيا الفرنسية.

تم تعليق القنبلة التي تزن نحو ثلاثة أطنان في منطاد كبير يُدعى "كانوب" (حملت العملية اسمه) مملوء بالهيدروجين، ثم انفجر على ارتفاع 550 مترًا، وهو يحمل 2.6 ميغا طن ثلاثي نيترو التولوين (تي إن تي)، ما يجعله أقوى اختبار نووي أجرته فرنسا على الإطلاق، نتيجة التفجير الناجح، أصبحت فرنسا خامس دولة نووية حرارية، بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وجمهورية الصين الشعبية.

لم تقم السلطات الفرنسية بإخلاء الجزر وتحذير السكان من المخاطر المحتملة للتساقط الإشعاعي

الطاقة المنبعثة من الانفجار تجعله، حتى اليوم، أقوى تجربة نووية فرنسية يتم إجراؤها على الإطلاق، ولئن كانت هذه التجربة أقل شهرة بكثير من قنبلة ليتل بوي (الولد الصغير)، التي سقط فوق هيروشيما، فإنها أقوى منها بـ 170 مرة.

بعد الحساب، في ثماني سنوات فقط، تم إسقاط 101.258.02 كيلو طن من مادة تي إن تي في هذه المنطقة من المحيط الهادي، أي ما يعادل أربع قنابل كانوب، دون موافقة سكان الجزر ودون إبلاغهم درجة المخاطر التي تنتظرهم.

جريمة ضد الإنسانية

دائمًا ما تقول فرنسا إن هذه التجارب النووية نظيفة ولا عواقب سلبية ناجمة عنها، لكن بالنسبة لرولاند أولدهام، الرئيس التاريخي لجمعية ضحايا بولينيزيا، تعد هذه كذبة دولة، فبعد التجربة النووية الأولى تحركت السحابة نحو جزيرة مانغاريفا ولوثتها بعمق.

في تلك التجربة لم تقم السلطات الفرنسية بإخلاء الجزر وتحذير السكان من المخاطر المحتملة للتساقط الإشعاعي، لقد حظرت فقط من استهلاك الأسماك والخضراوات التي يتم صيدها وإنتاجها في الحال، واستمرت الاختبارات النووية وكأن شيئًا لم يحدث، ما اعتبره البعض جريمة ضد الإنسانية.

أضرت هذه التجارب النووية بالبيئة والإنسان في العديد من الجزر بالمحيط الهادي، حيث ظهرت تشوهات خلقية على نطاق واسع بالمناطق التي شهدت التجارب، لكن السلطات الفرنسية قللت من شأن ردة الفعل الشعبية وحتى السياسية، من خلال ترويج المخابرات الفرنسية لأسطورةِ القنبلة النظيفة التي أقنعت حتى الخبراء والتقنيين والعسكريين الفرنسيين الذين عملوا في مواقع التجارب.

تشير بعض الدراسات إلى تعرض نحو 150 ألف شخص لإشعاع القنابل النووية الفرنسية في تلك الجزر، فيما تمت متابعة ما يقرب من 8 آلاف شخص بولينيزيا لتعرضهم لأمراض يحتمل أن يكون سببها الإشعاع.

لم يتم الإبلاغ عن عدد كبير من الحالات في بولينيزيا إلا بعد فوات الأوان، حتى عام 2009، تم إجلاء معظم مرضى السرطان إما إلى نيوزيلندا وإما إلى فرنسا للعلاج الإشعاعي، وأشارت تقارير عديدة إلى زيادة عدد الأمراض التي يسببها الإشعاع، حيث تم الإبلاغ عن 467 حالة سرطان جديدة عام 2017 مقارنة بـ93 حالة عام 1992.

كانت مياه الشرب أكثر إشعاعًا بست مرات، وعينات التربة أكثر إشعاعًا بمقدار 50 مرةً من المعتاد، وبعد ثلاثة أشهر تقريبًا من التجربة النووية الأولى، كشف تحقيق أن النشاط الإشعاعي المكتشف في مياه الأمطار بمانجاريفا وصل إلى مستويات مذهلة، 11 مليون مرة أعلى من المعتاد.

ليس هذا فقط، فمنذ تلك التجارب هدأ التاج المرجاني واختفى الغطاء النباتي تقريبًا عن أغلب الجزر، حتى المياه تأثرت، فقد تم إجراء 141 اختبارًا تحت الأرض، كل طلقة أضعفت بشكل أكبر جيولوجيا هذه الجزر المرجانية المكونة من قاعدة بازلتية تعلوها صخرة من الحجر الجيري ناتجة عن تراكم الشعاب المرجانية.

50 سنة، لم تكن كافية لإعادة الجزر الحلقية موروروا وفانغاتوفا إلى طبيعتهم السابقة، وتفادي كل آثار النشاط الإشعاعي في تربتها ومياهها، بل سيكون أمام سكان تلك المناطق الانتظار 50 عامًا أخرى، بل عدة مئات الآلاف من السنين.

أين العدالة الفرنسية؟

في فبراير/شباط 2016، اعترف رئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا هولاند للمسؤولين المنتخبين في بولينيزيا أن التجارب النووية التي أجريت في جزر موروروا وفانغاتوفا كان لها بالفعل تأثير على البيئة وكذلك على صحة سكان الأرخبيلات الخمس التي تشكل الإقليم، لكن ماذا حصل في المقابل؟

الاعتراف الفرنسي الرسمي بالدور الضار لهذه التجارب ليس كافيًا للحصول على العدالة وجبر ضرر الضحايا، فالطريق ما زال طويلًا، والجزر ما زالت تدفع ثمن العواقب الصحية والاجتماعية والبيئية للاختبارات النووية.

في أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2018، قال أوسكار تيمارو - وهو سياسي معارض في بولينيزيا الفرنسية - في اجتماع للأمم المتحدة في نيويورك إنه تم رفع شكوى ضد فرنسا بشأن "جرائم ضد الإنسانية" أمام المحكمة الجنائية الدولية باسم كل من ماتوا من عواقب الاستعمار النووي.

تواصل العديد من المجموعات المختصة في الدفاع عن ضحايا الاختبارات النووية، بعد مرور أكثر من 50 عامًا على التجارب الأولى، الضغط على الدولة الفرنسية للاعتراف بجرائمها في حق شعوب هذه الجزر وأرضهم والتعويض لهم لكن دون فائدة تذكر إلى الآن.

في سنة 2010، أقر قانون موران بمسؤولية فرنسا وفتح الوصول إلى التعويضات، لكن الضحايا اعتبروها سخيفة، ففي عام 2016، من بين 1000 حالة، تم قبول 20 فقط، أو تم رفض 98% من الحالات.

ببساطة، هذه الاختبارات الفرنسية أثبتت قوة باريس النووية بعد أن انتهكت كرامتها عقب الحرب العالمية الثانية، لكن في المقابل أدت إلى خلق خلل في الجزر المرجانية المتناثرة في المحيط الهادي يمكن أن يتسبب في انهيارها في أي لحظة نتيجة تسونامي.