"محاولة للانقلاب".. بهذه العبارة علق مذيع شبكة "CNN" الأمريكية، جيك تابر، على اقتحام أنصار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب لجدران مبنى الكونغرس مساء أمس، في مشهد لن ينساه الأمريكيون مطلقًا بعدما وضع سمعة بلادهم على المحك.

تشبث ترامب بالسلطة والمعارك المتتالية التي أشعل فتيلها للحيلولة دون مغادرته للبيت الأبيض في الـ20 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، مشككًا في النظام الانتخابي لبلاده، ومتهمًا الديمقراطية الأمريكية بالعوار الذي منح منافسه الديمقراطي جو بايدن الفوز رغم عدم أحقيته في ذلك على حد قوله، سيكون له تداعياته السلبية على المشهد الداخلي خلال المرحلة المقبلة.

وتنقسم الآراء بشأن فضيحة اقتحام الكابيتول، ففريق يرى أنها أصابت مصداقية الديمقراطية الأمريكية الممتدة قرابة قرنين ونصف تقريبًا، وآخرون يرون أن التجربة الحاليّة بكل تفاصيلها تؤكد صمود تلك الديمقراطية في مواجهة أكثر السيناريوهات قسوة.

ماذا حدث؟

اقتحم أنصار ترامب مبنى الكونغرس خلال انعقاد الجلسة المشتركة التي بدأت أمس 6 من يناير/كانون الثاني للتصديق على النتائج من خلال المجمع الانتخابي التي أعلنت فوز الديمقراطي جو بايدن بـ306 أصوات مقابل 232 صوتًا للجمهوري دونالد ترامب.

قبيل الجلسة مباشرة أعلن نائب الرئيس، مايك بنس، في بيان له أنه لا يمتلك السلطة لتغيير نتيجة الانتخابات لصالح ترامب، وأن دوره بروتوكولي فقط بحسب نص الدستور، ولا ينوي مخالفة ذلك الدور، وهو ما أغضب ترامب الذي رد عليه بتغريدة أخرى اتهمه فيها بالتقاعس عن دوره المطلوب.

وكان ترامب قد دعا أنصاره بالتجمع أمام الكونغرس تزامنًا مع انعقاد الجلسة الختامية للتعبير عن رفضهم لنتاج المجمع الانتخابي، محرضًا على ضرورة الدفاع عن أحقيته في ولاية ثانية، مؤكدًا أنه الفائز الحقيقي وأن بايدن فاز بالتزوير، وهو ما دفع الآلاف من داعميه للتوجه إلى مبنى الكابيتول واقتحام ساحته، ما خلف 4 قتلى وعدد من الجرحى.

في هذا التقرير، نستعرض أبرز محطات التحريض التي قطعها ترامب منذ انطلاق الماراثون الانتخابي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وحتى أمس، ووثقها بالصوت والصورة على حساباته الشخصية على السوشيال ميديا،  وهي التحريضات الاستفزازية التي دفعت أمريكا ثمنها اليوم غاليًا، داخليًا وخارجيًا.

تشكيك منذ البداية

التحريض الترامبي لأنصاره لم يكن وليد اللحظة، فالرئيس الذي يعاني من أزمة ثقة خلال ولايته حرص مبكرًا جدًا على تصدير صورة تشكيكية في نتائج الانتخابات حتى قبل أن تنطلق، وهو ما أثار الكثير من الشكوك في هذا الوقت، ففي الـ27 من أكتوبر/تشرين الأول قال ترامب خلال تجمع انتخابي في بنسلفانيا إنه سيفوز بأصوات ولايتي فلوريدا وبنسلفانيا.

وأضاف ترامب أن فوزه في بنسلفانيا على وجه التحديد يعني الفوز بكل شيء، مضيفًا أنه لا يمكن أن يخسر إلا في حالة واحدة فقط، وهي التزوير على نطاق واسع، وشكك أيضًا في مسألة التصويت بالبريد.

يمكن تفسير هذه التشكيكات العلنية - على الأرجح-  بمعرفته عن تراجع شعبيته وتصاعد الانتقادات ضده وغلبة كفة منافسه الديمقراطي، وعليه كان إلقاء هذه الورقة مبكرًا محاولة لحفظ ماء الوجه حال التعرض لخسارة رسمية، وإلا فإن النظام الذي يشكك فيه ترامب حاليًّا هو ذات النظام الذي منحه فوزًا على هيلاري كلينتون قبل أربعة أعوام.

ومع بداية فرز الأصوات التي كشفت تقدم بايدن بصورة لافتة، عاد وشكك ترامب وحملته مجددًا في النتائج مطالبًا بإعادة إحصاء الأصوات في ولاية ويسكونسن، وذلك في الـ5 من نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعد يومين فقط من بدء الماراثون، فيما تم رفع دعاوى قضائية لوقف الإحصاء في ولايات أخرى منها ميشيغان وبنسلفانيا.

واستمرت حملة ترامب في رفع الدعاوى القضائية التي تطالب بإعادة فرز الأصوات، تزامنًا مع تغريدات عدة له يشكك فيها في النتائج بصفة عامة، وفي الـ3 من ديسمبر/كانون الأول رفضت المحكمة العليا في ولاية ويسكونسن نظر الدعوى التي رفعتها حملة ترامب للطعن على نتائج الانتخابات

كما رفضت المحكمة العليا دعوى كانت قد رفعتها ولاية تكساس لإلغاء نتائج التصويت في أربع ولايات، بما فيها بنسلفانيا التي فاز بها بايدن، وذلك في الـ11 من نفس الشهر، وهو ما نجم عنه انقسام كبير في حملة ترامب وبدء الانسحابات منها، ما أضعفها وأفقد الباقي الحماس لإكمال الشق القضائي.

التحريض المقنع

لجأ ترامب إلى سياسة التحريض المقنع لأنصاره ضد نتائج الانتخابات بعد فشل المسار القضائي، ففي الـ17 من ديسمبر/كانون الأول الماضي جدد مزاعمه من خلال فيديو نشره على تويتر بوجود تزوير كبير في الانتخابات، مستعرضًا إنجازاته خلال سنوات حكمه ومحذرًا من تداعيات فوز بايدن على مستقبل بلاده.

ترامب قال إنه حصل على أكثر من 74 مليون صوت ناخب متفوقًا بذلك على الأصوات التي حصل عليها الرئيسان السابقان باراك أوباما وبيل كلينتون، والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ملمحًا إلى أن بطاقات الاقتراع عبر البريد كانت الكلمة الفصل في "التزوير" وقلب النتيجة لصالح بايدن.

الرئيس المهزوم استفز مشاعر أنصاره من خلال العزف على وتر ضرورة معرفتهم لحقيقة ما جرى في التصويت والفرز، مدعيًا أن "الأموات صوتوا في هذه الانتخابات، وأضيفت أوراق اقتراع تحمل اسم بايدن في منتصف الليل"، وأضاف "الشعب الأمريكي يستحق معرفة الحقيقة ويستحق انتخابات نزيهة وعملية فرز نزيهة".

الادعاء ذاته كرره في 19 من ديسمبر/كانون الأول حين قال: "جو بايدن لم يفز بالانتخابات، وإنه خسر في 6 ولايات متأرجحة بفارق كبير قبل أن يحدث التزوير"، مضيفًا أنهم ألغوا مئات الآلاف من الأصوات في كل من هذه الولايات، وأنه تم ضبطهم، محرضًا على التحرك الفعلي من أنصاره قائلًا: "يتعين على السياسيين الجمهوريين خوض معركة حتى لا يُسرق انتصارهم، وإن عليهم ألا يكونوا حمقى وضعفاء".

محاولة توريط الجيش

في الـ20 من ديسمبر/كانون الأول قالت صحيفة ذي إندبندنت The Independent البريطانية إن لديها ما يفيد بأن ترامب ناقش مع مستشاريه خيار الاستعانة بالجيش لإعادة كتابة نتائج الانتخابات، وأن مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين اقترح فرض الأحكام العرفية واستخدام الجيش لإعادة التصويت فيما عارض بعض كبار المسؤولين هذا المقترح.

كما نقلت وسائل إعلام أمريكية أخرى أن ترامب اجتمع بكين كوتشينيلي، ثاني أكبر مسؤول في وزارة الأمن الداخلي، وأثار معه خطوة الاستيلاء على ماكينات التصويت المستخدمة في الانتخابات لإثبات تعرض النتائج للتزوير لصالح بادين، ما يعزز موقفه في القضايا المرفوعة.

أقلقت هذه التسريبات العديد من العسكريين الأمريكيين، ففي بيان مشترك صادر في الـ3 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، أعلن فيه 10 وزراء دفاع على قيد الحياة معارضتهم أي تدخل للجيش في الانتقال السياسي للسلطة في بلادهم، ومحذرين من هذه الخطوة الخطيرة.

ابتزاز وتهديد

اعتاد ترامب استخدام لغة التهديد والابتزاز حتى قبيل انطلاق الانتخابات، ففي الحادي والثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول أي قبل أربعة أيام فقط من التوجه لنصاديق الاقتراع، شارك الرئيس المنتهية ولايته على حسابه على تويتر مقطعا مصورًا لمطاردة أنصاره حافلة تابعة لبايدن، وعلق على المقطع قائلا "أنا أحب تكساس" الأمر الذي أثار استهجان الشارع حينها.

وفي العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني وعقب إعلان وسائل إعلامية أمريكية مؤشرات فوز بايدن خرج العشرات من مؤيدي ترامب، في عدد من عواصم الولايات، وهم يرتدون ألبسة عسكرية ويحملون السلاح، وفق ما ذكرت "واشنطن بوست" التي قالت إن هذه التظاهرات " أثارت حنق مسؤولي الأمن وقلق العاملين في الانتخابات من احتمال استهدافهم أو مهاجمتهم".

في الـ4 من يناير/كانون الثاني الحاليّ نشرت صحيفة واشنطن بوست أيضًا مقتطفات من تسجيل صوتي لترامب مع سكرتير ولاية جورجيا الجمهوري براد رافينسبرجر، طالبه فيه بإيجاد أكثر من 117.80 صوتًا لقلب نتيجة الانتخابات في الولاية، بما يضمن له التفوق على بادين.

ومع تأكيد جيرماني على عدم مقدرته التعاطي مع طلب ترامب هدده الرئيس وأمين ولاية جورجيا ومستشاره رايان جيرماني إنهما "إذا لم يتوصلا إلى أن الآلاف من بطاقات الاقتراع في مقاطعة فولتون أُتلفت بشكل غير قانوني لعرقلة المحققين، فإنهما سيكونان عرضة للمساءلة جنائيًا".

كانت هناك ضغوط قوية على المسؤول بولاية جورجيا لتلقي مكالمة ترامب على عكس رغبته وهو ما أكده حين قال لشبكة إيه بي سي التليفزيونية "لا أعتقد مطلقًا أنه كان من المناسب أن أتحدث إلى الرئيس لكنه ضغط من أجل ذلك، أعتقد أنه جعل فريق عمله يضغط علينا. كانوا يريدون إجراء مكالمة".

أنا أو الفوضى

الترتيب لمشهد الأمس كان مبكرًا، حتى قبل تغريدة ترامب التي دعا فيها أنصاره للخروج، ففي الـ3 من يناير/كانون الثاني الحاليّ أعلن 11 نائبًا جمهوريًا داخل الشيوخ أنهم سيعارضون إقرار نتائج الانتخابات خلال جلسة التصديق النهائي في الـ6 من الشهر.

المشرعون أعادوا تكرار مزاعم ترامب في بيانهم المشترك الذي قالوا فيه إن الانتخابات شهدت مزاعم بالتزوير وسلوكًا غير قانوني، وعليه فهم يرون أنه "ينبغي على الكونغرس أن يعيّن فورًا لجنة انتخابية تكون لها صلاحيات كاملة للتحقيق وتقصي الحقائق، لتقوم بإجراء تدقيق طارئ في ظرف 10 أيام بشأن نتائج الانتخابات في الولايات المتنازع عليها".

متوقع أن ما حدث بالأمس لن يمر اعتباطيًا، فالتشويه الذي أصاب صورة أمريكا، داخليًا وخارجيًا، أثار غضب الكثيرين، ديمقراطيين وجمهوريين، وعليه قد يواجه الرئيس المنتهية ولايته مصيرًا مأزومًا، بدأت إرهاصاته بالفعل خلال الساعات القليلة الماضية.

الكونغرس بعد استكماله لجلسات الأمس عقب عودة الهدوء للأجواء بدأ عمليًا مناقشة إزاحة ترامب من السلطة وتسليمها لنائبه حتى موعد تسليم الرئاسة في 20 من يناير/كانون الأول الحاليّ، وفق المادة 25 في الدستور التي تتيح ذلك في حالة عدم أهلية الرئيس.

وكانت مساعدة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، كاثرين كلارك، قد طالبت في وقت سابق، بإقالة الرئيس المنتهية ولايته وعزله قبل انتهاء ولايته رسميًا تجنبًا لتعريض البلاد لمزيد من الخطر خلال الفترة المتبقية، متهمة إياه بخيانة البلاد والدستور.

أصوات عدة داخل البرلمان تطالب بتوجيه اتهام رسمي لترامب بالتحريض على أعمال الشغب التي تسببت في مقتل أربعة وإصابة 14 بينهم رجال شرطة، فيما تذهب آراء إلى أن الأيام القادمة ستشهد ملاحقات قضائية وقانونية للرئيس قد يواجه بسببها السجن.

سياسة الأرض المحروقة

في الـ20 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نشرت مجلة فورين بوليسي Foreign Policy الأمريكية تحليلًا لكبير مراسليها مايكل هيرش قال فيه إن أزمة أمريكا لا تقتصر فقط على رفض ترامب نتائج الانتخابات، بل في مساعيه زرع بذور الفوضى قبل الرحيل، واتباع سياسة الأرض المحروقة من أجل وضع الرئيس المنتخب في مأزق حين تسلمه للسلطة، ومن بين مظاهر تلك السياسة التي تطرقت إليها المجلة الأمريكية التعاطي مع فيروس كورونا وخطط الإنقاذ الاقتصادي بجانب الهزة التي أحدثها في المناطق الساخنة في العالم كأفغانستان وإيران والشرق الأوسط عمومًا.

المشهد المخزي الذي ظهرت عليه أمريكا بالأمس عمق من حجم الضغوط على ترامب، من معارضيه ومؤيديه على حد سواء، هذا بخلاف شركتي الفيسبوك وتويتر اللتين علقتا حسابه عليهما فيما أجبرته على حذف بعض التغريدات التحريضية، وتحذيره بحذف حساباته كافة حال تكرار التحريض.

وأمام تلك الضغوط اضطر ترامب لرفع الراية البيضاء، قائلًا: "سيكون هناك انتقال منظم في 20 يناير" وذلك بعد تصديق الكونغرس على فوز بايدن بعد جلسة ماراثونية توقفت 6 ساعات بسبب اقتحام أنصار الرئيس المهزوم، ليسدل الستار على الحقبة الترامبية الرئاسية داخل البيت الأبيض.

العديد من الدلالات حملتها كارثة الأمس لعل أبرزها الثمن الغالي الذي دفعته أمريكا - ومن بعدها ربما أوروبا - بسبب صعود الشعبوية للحكم، هذا التيار الذي نجح في فرض نفسه خلال العشرية الماضية، لكن اليوم يواجه مأزقًا حقيقيًا سيتعزز أكثر بما فعله ترامب طيلة سنوات حكمه الأربعة.

تطورات لم تشهدها أمريكا منذ نشأتها، لكنها بمثابة اختبار صارم لقوة مؤسسات الدولة وديمقراطيتها المدنية التي أبت أن ترضخ لشطحات سلطوية ديكتاتورية حتى لو كان قائدها رئيس الدولة، وهو الدرس الثاني لما حدث.

أمريكا بعد 6 من يناير/كانون الثاني 2020 لن تكون كما قبله، فما فعله ترامب سيكون نقطة فاصلة بين تاريخين ومرحلتين فاصلتين في مسيرة الولايات المتحدة، تحتاج بالطبع إلى فترة طويلة للالئتام، فيما سيدفع الجمهوريون الثمن باهظًا خلال الفترة المقبلة ما لم يعيد الحزب هيكلته الأيديولوجية والشعبية مرة أخرى.