مجالسه الطيبة، وتعامله اللطيف، وتواضعه المتزن، وحديثه اللين، واهتمامه بقضايا بلده، حتى ولو أُبعد عنها مرغماً، هذا أبرز ما اتصف به العلامة السوري الشيخ عدنان السقا، الذي افتقده السوريون، أمس السبت في أحد مشافي إسطنبول التركية إثر اصابته بفايروس كورونا، قبل 10 أيام، والتي نقل على إثرها إلى المشفى. 

ونعى المجلس الإسلامي السوري، أحد أبرز مؤسسيه الشيخ عدنان السقا، عبر بيان تعزية، أصدره أمس، لمواقفه الثابتة في وجه الطغاة والظالمين، وقال البيان: "ننعي إلى الأمة الإسلامية فضيلة العالم الداعية المربي، الشيخ عدنان السقا رحمه الله، كان من كبار علماء حمص الربانيين الذين ربوا أجيالاً وصدعوا بالحق وله مواقف مشهودة في وجه الطغاة الظالمين".

كما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر وفاة الشيخ السوري الذي نال شعبية واسعة في عموم سوريا ومدنية حمص خاصة، ولإحساسه بالمسؤولية ودوره الفعال في المجتمع ومواقفه المشرفة إلى جانب المظلومين والمضطهدين من أبناء جلدته. 

وقال الباحث السوري عباس شريفة عبر تغريدة نشرها في تويتر: "جالست الكثير من الدعاة فلم أجد أكثر سماحة ولا فكاهة ولا لطفا واستيعابا ولا شجاعة من الشيخ المربي عدنان السقا، رحم الله شيخنا ومربينا والعزاء الخالص لأهله وتلامذته والأمة الإسلامية بفقد هذا الرجل الثائر الحر وإنا لله وإنا إليه راجعون".

 

 

من هو الشيخ عدنان السقا؟

ولد السقا في مدينة حمص السورية عام 1942، ودرس في مدارس المدينة وحمل شهادة الثانوية العامة الفرع العلمي، الذي خوله دخول كلية الطب، إلا أن محبة العلم الشرعي، دفعته إلى دراسة الشريعة في جامعة دمشق التي تخرج منها في عام 1966م. وحصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة بنجاب بلاهور في الباكستان عام 1995.

وتتلمذ السقا عند عدد من المشايخ والدعاة من أبرزهم: الشيخ محمد طيب الاتاسي مفتي حمص، والشيخ محمود جنيد، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ محمد سعيد البرهاني، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ عبد القادر عيسى، والشيخ علي الطنطاوي.

ومارس السقا العمل الدعوي، والتربوي والتعليمي في الثانويات العامة والشرعية، والمعاهد الشرعية في عدد من مدن العالم الإسلامي، بعد تخرجه من كلية الشريعة، حيث درّس مادة الدعوة في معهد الفتح الإسلامي بدمشق قسم الدراسات التخصصية ودرّس في المعهد الشرعي والثانوية الشرعية بحمص ودرّس التربية الإسلامية ومادة اللغة الإنكليزية وعلم الأحياء وغيرها ببراعة في ثانويات مدينة حمص، وكان عضو مجلس الإدارة في جمعية علماء بحمص.

 وعمل السقا خطيباً ومدرّساً وإماماً في مسجد الهدى في حيّ الأندلس بجدة قرابة عشرين عاماً، كما عمل خطيب وإمام ومدرّس في جامع قباء بحمص، وفي جامع النوري الكبير بحمص أيضاً، وكان خطيباً لسنوات متنقلاً بين مساجد عدة في مدينة حمص.

ويمتاز السقا بالاعتدال والوسطية، ويدعو إلى جمع الكلمة ووحدة الصف، وينتهج منهج الانفتاح على الجميع، وعنده قدرة على ربط الجمل وتوضيح المعاني وإيصال الفكرة للمستمع بشكل كبير جداً ومؤثّر، مما خوله لإلقاء المحاضرات الدعوية في عدد من بلدان العالم، حيث ألقى العديد من المحاضرات الدعوية في أمريكا وأندونيسيا وباكستان وكندا والإمارات والسعودية والكويت والمغرب وتركيا.

ما موقفه من الثورة السورية؟

رفض السقا أن يكون أحد مشايخ السلطة في سوريا الذين وقفوا إلى جانب بشار الأسد، ضد الشعب السوري بل كان أحد أبرز مؤيدي الحراك الشعبي السوري المطالب بحريته من قبضة الأسد، مما اضطره للخروج من البلاد خشية بطش الأسد وآلته الاجرامية التي لم تبقي حجراً على حجر. ولم تكن هذه الهجرة الأولى للسقا إنما كانت له هجرة سابقة نتيجة موقفه المناهض للأسد الأب خلال ثمانينيات القرن الفائت، ووقوفه إلى جانب الشعب السوري الذي كان يتعرض للإبادة آنذاك.

 

 

وكان من أبزر مواقف الشيخ عدنان السقا، بيان علماء حمص الذي قام بإصداره عبر اجتماع لعلماء حمص في منزله 9 من نيسان / أبريل 2011، مع توسع رقعة الاحتجاجات في سوريا، وبدء بطش الأسد ضد شعبه.

 ويعتبر هذا البيان الرسمي الأول الذي تصدره مؤسسة دينية يتناول الأوضاع التي تدور في البلاد حينها، وانطلاقاً من إحساسهم بالمسؤولية والأخلاقية الملقاة على عاتقهم ودورهم الريادي في المجتمع، قدموا 15 مطلباً: أولها اعتبار المواطنة أساس الحقوق والواجبات وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ونبذ العنف والطائفية والتمسك بوحدة الأمة.

 ورفع حالة الطوارئ، وكف يد الأجهزة الأمنية عن الاحتكاك بالناس وإهانتهم واستفزازهم، وفتح الآفاق أمام الإعلام الحرّ والشفاف والمنضبط بإطار القيم، واعتبار التظاهر السلمي حقًا مشروعًا للمواطنين. ومحاسبة المتسببين بإراقة الدماء، وتم قراءة البيان من قبل خطباء الجمعة في حمص في "جمعة الصمود".

 

 

ولم يتراجع السقا عن موقفه بعد خروجه من الأراضي السورية خشية وصول مخابرات النظام إليه، حيث قال في إحدى خطبه خارج البلاد عام 2012: "إن ما يحدث اليوم ليس بحاجة إلى شرح وليس بحاجة إلى عبارات، فإن كل قطرة دم تراق هناك على الثرى الطاهر لهي أصدق من كل التعبيرات وهي أثبت في ميزان الحق من كل العبارات والأدبيات، فالذي يحدث لا يحتاج إلى شرح وملخصه صراع بين حق وباطل، بين حق يستند إلى الله والله هو الحق، وبين باطل يعتمد على زمجرة السلاح والوحشية".

يبدو أن السقا حمل مسؤولية ما يجري في بلاده على عاتقه وحاول توظيف ما يجري في سوريا في أغلب مجالسه وخطبه ومحاضراته التي يقيمها في تركيا، وبقي ثابتاً على موقفه مع المظلومين أمام الله وأبناء بلده، المضطهدين من قبل حكومة نظام الأٍسد، حتى توفاه الله عن عمر ناهز 79 عاماً.

وهكذا يودع السوريون السقا بحزن شديد بسبب جهوده المبذولة في حقن الدماء ووقوفه إلى جانبهم في وجه الإجرام الأسدي، ومواقفه الصارمة تجاه ما يحدث في بلاده، على عكس ما انتهجه مشايخ السلطة الذين دعموا الظالمين والمجرمين، في سوريا ضد الشعب السوري.