لا يكاد يمر أسبوع حتى تكشف وسائل الإعلام العراقية عن جريمة قتل بشعة في إحدى المدن العراقية، ليسجل العراق أكبر حصيلة سنوية العام الماضي، ولا يخفى على أحد أن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية منذ سنوات تسببت في ارتفاع معدلات تلك الجرائم بشكل غير مسبوق.

إحصائيات مرعبة

نادرا ما تعلن المؤسسات الرسمية العراقية عن أعداد الضحايا، إذ كانت قد توفقت عن نشر الإحصائيات الرسمية الخاصة بعدد القتلى منذ أكثر من 10 سنوات، إلا أن مدير عام التدريب والتأهيل في وزارة الداخلية العراقية جمال الأسدي قال إن هناك تصاعدا مخيفا للجرائم في العراق، مشيرا إلى أن عددها كان بحدود 4300 حالة قتل في 2015 و4400 حالة في 2016، فيما ارتفعت الأعداد إلى 4600 في 2017 ومثلها في 2018.

وعلى الرغم من انخفاض أعداد جرائم القتل عام 2019 إلى نحو 4180 إلا أن عام 2020 شهد ارتفاعا كبيرا، لتسجل البلاد أكثر من 4700 حالة، لافتا إلى أن العراق يعد الدولة الأولى عربيا في أعداد حالات القتل وبنسبة سنوية بلغت أكثر من 11.5% لكل مائة ألف نسمة، بحسبه. 

يسجل العراق منذ 18 عاما حالات متزايدة في جرائم القتل، فمنذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003 شهدت البلاد مقتل عشرات الآلاف من المدنيين والقوات الأمنية، ويشير موقع (Iraqi body count) البريطاني والمختص بإحصاء أعداد الضحايا منذ عام 2003 إلى أن أعداد الضحايا بين مارس/ آذار 2003 وبين يناير/ كانون الثاني 2021 شهد مقتل 288 ألف عراقي من ضمنهم أولئك الذين قتلوا بسبب التفجيرات والاغتيالات والحروب وغيرها. 

إلا أن مصادر أخرى تنفي هذه الأرقام وتشير إلى ما هو أكثر من ذلك، خاصة أن هناك عشرات الآلاف من العراقيين لا يزالون في عداد المفقودين ولم يسجلوا كقتلى، وهو ما قد يرفع العدد الكلي إلى نصف مليون عراقي.

أسباب سياسية

يشير العديد من الخبراء إلى أن عدم الاستقرار السياسي في البلاد منذ عام 2003 يعد العامل الأبرز في تزايد معدلات الجريمة والقتل، إذ يقول الباحث السياسي محمد عزيز إن السياسة في أي بلد لها تأثير مباشر في جميع نواحي الحياة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ومع تدهور الواقع السياسي في البلاد واستمرار الصراع بين مختلف الكتل السياسية، فإن معدلات جرائم القتل ستستمر في التزايد عاما تلو الآخر. 

ويتابع عزيز حديثه لـ "نون بوست" ليؤكد على أن العراق يفتقر إلى عقد سياسي قوي وفاعل تستطيع الدولة من خلاله إخضاع الجميع لميزان العدالة وتوفير الحياة الكريمة للعراقيين، خاصة ما يتعلق بالسكن والصحة وفرص العمل والأمن والتماسك الاجتماعي. 

من جانبه، يؤكد مسؤول أمني في وزارة الداخلية العراقية، أن ضحايا الجرائم المنظمة الناتجة عن السرقة والسطو المسلح والخطف وتجارة المخدرات والابتزاز والنزاعات العشائرية وغيرها باتت تتجاوز ضحايا العمليات الإرهابية في مناطق كثيرة من البلاد. 

ويتابع المسؤول في حديثه لإحدى وسائل الاعلام أن ضبط السلاح المنفلت لم يعد شعارا سياسيا أو محاولة لفرض هيبة الدولة العراقية بقدر ما بات ضرورة لحماية المجتمع وأرواح المواطنين من الإزهاق.

وأكد المصدر أن السبب في ارتفاع معدل الجرائم يعزى لنسبة البطالة في البلاد، حيث وصلت بحسبه إلى 40%، إضافة إلى انخفاض معدلات الدخل ما يدفع الشباب إلى الهجرة أو البحث عن وسائل غير شرعية للحصول على المال.

أسباب اقتصادية

تشترك عوامل عديدة في التسبب بزيادة معدلات القتل في العراق ووصولها إلى أكثر من 4700 حالة في عام واحد، ويأتي العامل الاقتصادي وانتشار الفقر والبطالة ليضاف إلى أسباب أخرى ارتفعت بسببها معدلات الجريمة المنظمة في البلاد بحسب الخبير الاقتصادي محمد الحمداني.

ويضيف في حديثه لـ "نون بوست" إن هناك عاملا مهما في ارتفاع معدلات جرائم القتل في عام 2020 إذ تسببت جائحة كورونا (COVID-19) بتوقف الحركة الاقتصادية بسبب حظر التجوال الشامل الذي استمر عدة أشهر، فضلا عن أن الجائحة تسببت بتوقف الحركة الاقتصادية ما أدى بالمحصلة إلى زيادة في نسبة الفقر التي باتت تناهز 40% فضلا عن تفشي البطالة، بحسب كلامخ. 

فشل الحكومة العراقية في تحسين الوضع الاقتصادي أدى بالمجمل إلى ازدياد حالات السطو المسلح والعنف الأسري

ويشير الحمداني إلى أن عام 2020 وبسبب انهيار أسعار النفط إثر الجائحة، تسببت في تأخر رواتب الموظفين العموميين لأشهر عديدة، وبالتالي انعكس ذلك سلبا على ثقة العراقيين بالتعاملات التجارية، ما أدى إلى ركود اقتصادي كبير، خاصة أن القطاع الخاص في العراق يعتمد بصورة شبه كلية على القطاع العام ورواتب الموظفين. 

أما الصحفي العراقي رياض الحمداني، فيرى من جانبه أنه وبعد انطلاق تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 والتي بدأت بمتظاهرين عاطلين عن العمل وكذلك محتجين من الطبقة الفقيرة، فإن معدلات القتل العشوائية والمنظمة وحالات الانتحار شهدت ارتفاعا كبيرا ما بين اغتيالات لناشطين وصحفيين وأكاديميين وأعمال قتل نتيجة يأس الشباب العراقي من الوضع الاقتصادي المتردي. 

ويتابع الحمداني أن فشل الحكومة العراقية في تحسين الوضع الاقتصادي أدى بالمجمل إلى ازدياد حالات السطو المسلح والعنف الأسري، خاصة أن التظاهرات الشعبية لم تحقق ما كانت تصبو إليه من إصلاح وعد به رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي. 

أسباب اجتماعية

امتدادا للأسباب التي أدت إلى ازدياد معدلات الجريمة في العراق، تبرز الأسباب الاجتماعية التي أسهمت في ذلك، تقول الباحثة الاجتماعية ندى العابدي، إن تفشي القتل في العراق يعزى لانعكاسات جائحة كورونا وتأثيرها على الاقتصاد وواقع العمالة اليومية، فضلا عمّا أفرزته من عوز مادي تسبب بالقلق ومن ثم الاكتئاب، ليؤدي كل ذلك إلى المنشطات والمخدرات التي تفقد الشخص الأهلية العقلية ليقدم بعدها على ارتكاب الجرائم، مشيرة إلى أن ضعف سلطة القانون كان له الأثر الكبير على الأفراد، حيث يلجؤون إلى استحصال حقوقهم بأيديهم، أو الانتقام بصورة عدائية.

في خضم عدم وجود تماسك أسري وتفاقم الوضع الاقتصادي زادت معدلات الجريمة في البلاد

ويذهب في هذا المنحى الباحث الاجتماعي مصطفى أحمد الذي يرى أن العراق منذ سنوات يعاني من تراجع دور الأسرة في التربية النفسية والاجتماعية، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي سرقت الكثير من وقت وتركيز الآباء والأمهات.

ويتابع أحمد حديثه لـ "نون بوست" بالإشارة إلى أن الجائحة وحالة الإغلاق التي استمرت أشهرا تسببت بمزيد من المشكلات داخل الأسرة الواحدة نتيجة جلوس أفراد الأسرة مع بعضهم لفترات طويلة، وبالتالي وفي خضم عدم وجود تماسك أسري وتفاقم الوضع الاقتصادي زادت معدلات الجريمة في البلاد ليسجل العراق أعلى معدل جريمة في الوطن العربي نسبة لعدد سكانه. 

ومع كشف غالبية المؤشرات العالمية عن تراجع ترتيب العراق دوليا، جاء ارتفاع معدلات الجريمة ليسجل مؤشرا آخر على ما وصل إليه العراق بعد سنوات مريرة من غياب عوامل الاستقرار والأمان على جميع الأصعدة.