خلال أسبوع واحد فقط، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ورئيس أركان الحشد أبو فدك المحمداوي، عقوبات هي الأولى من نوعها التي تطال قيادات في هيئة الحشد الشعبي العراقية بعد اغتيال واشنطن لكل من قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بضربة جوية لطائرة مسيرة في مطار بغداد الدولي قبل نحو عام.

وفي ظل تصاعد التوتر بين الفصائل العراقية وإيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، تطرح العديد من الأسئلة عن أهداف واشنطن من هذه العقوبات وفيما إذا كانت مقدمة لإدراج الحشد الشعبي على لائحة الإرهاب مستقبلًا.

عقوبات أمريكية

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 6 من يناير/كانون الثاني الحاليّ فرض عقوبات على رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وبررت هذه العقوبات بأنها تأتي نتيجة انتهاكات الفياض لحقوق الإنسان وقمع المتظاهرين في أكتوبر/تشرين الأول 2019، مؤكدة أن الحشد الشعبي يواصل التعرض للناشطين والداعين لانتخابات نزيهة، بحسب بيان الوزارة.

ولم تمض 5 أيام على فرض عقوبات على الفياض، حتى خرجت الوزارة ببيان في 13 من ذات الشهر ورد فيه فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على رئيس هيئة أركان الحشد الشعبي عبد العزيز المحمداوي المكنى بـ"أبو فدك" إثر تصنيفه إرهابيًا، وهو ثاني شخصية للحشد توضع على لوائح الإرهاب الأمريكية في أقل من أسبوع.

الخارجية الأمريكية من جانبها، قالت إن أبو فدك صُنِّف إرهابي عالمي وأُدرج في القائمة الخاصة بالأمر التنفيذي ذي الرقم 13224، الخاص بتجميد الممتلكات وحظر التعامل مع الأشخاص الذين يرتكبون أعمالًا إرهابيةً أو يهددون بارتكابها أو يدعمونها.

وبموجب تلك العقوبات، أشارت الوزارة إلى أنها ستُصادر جميع ممتلكات المحمداوي في الولايات المتحدة، أو التي يسيطر عليها أمريكيون، وسيُمنعون من الدخول في أي معاملات معه.

وبررت الخارجية الأمريكية هذه العقوبات، مشيرة إلى أن المحمداوي يعد الأمين العام السابق لكتائب حزب الله العراقي، وهي منظمة مصنفة مسبقًا من الولايات المتحدة على أنها إرهابية ومدعومة من إيران، وتسعى إلى دعم أجندة طهران الخبيثة في المنطقة. 

ما أهداف العقوبات؟

تأتي العقوبات الأمريكية على الفياض والمحمداوي في وقت تشهد فيه علاقة واشنطن وطهران أسوأ مراحلها، خاصة أن العام الماضي الذي أعقب اغتيال المهندس وسليماني شهد استهداف الفصائل المسلحة - المتهمة أمريكيًا بالولاء لإيران - لعشرات المصالح الأمريكية، وتمثلت بقصف متكرر للسفارة الأمريكية ببغداد والقواعد العسكرية، فضلًا عن استمرار استهداف أرتال الدعم اللوجستي في مختلف المحافظات العراقية. 

وعن أهداف العقوبات الأمريكية، يرى كبير الباحثين السابق في الصندوق الوطني للديمقراطية في واشنطن رحمن الجبوري أنه ستكون هناك عقوبات وتصنيفات أمريكية لفصائل في الحشد الشعبي وليس على الحشد كمؤسسة كاملة.

ويتابع الجبوري أن التصنيفات والعقوبات الأمريكية التي ستصدر ستستهدف قادة فصائل في الحشد الشعبي متهمين بالصلة والولاء لإيران، لافتًا إلى أن واشنطن تسعى للضغط على الحشد الشعبي من خلال العقوبات أو التصنيفات الأمريكية، في محاولة منها لتحييد فصائل داخل الحشد تستهدف السفارة الأمريكية وأرتال التحالف الدولي في العراق.

من جهته، توقع الباحث السياسي غانم العابد أن تطال العقوبات الأمريكية أسماء أخرى مستقبلًا، منها زعيم تحالف الفتح هادي العامري والمتحدث السابق باسم الحشد الشعبي أحمد الأسدي، فضلًا عن آخرين شاركوا في اقتحام سفارة واشنطن ببغداد في ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعن أهدافها، يعتقد العابد أن العقوبات قد تحول دون مشاركة هذه الشخصيات في الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليل النفوذ الإيراني في العراق لأجل التمهيد لعملية انتخابية لا يكون المقربون من إيران طرفًا فيها.

تضييق الخناق

تتعدد وجهات النظر عن أهداف واشنطن من العقوبات على قادة الحشد الشعبي، إذ يقول المحلل السياسي العراقي إياد العناز، إن هذه العقوبات تعد جزءًا من محاولة الرئيس دونالد ترامب تصعيد الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ومواجهة النظام الإيراني وأدواته ووكلائه في المنطقة، حيث تحاول واشنطن من خلالها أن تثبت للآخرين أنها لا تزال تتابع بشكل حثيث الأوضاع داخل العراق، وتعطي إشارة واضحة أنها مستمرة باستهداف النظام الإيراني. 

أما أمين عام اتحاد القبائل العربية بالعراق ثائر البياتي فيقول إن هناك العديد من التفسيرات للقرار الأمريكي، مشبهًا الوضع بلعبة القط والفأر بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أن الجميع يعلم أن كل ما تبناه فالح الفياض يصب في مصلحة إيران، وهو من ضمن أدواتها الرئيسية في العراق، لذا فإن اتهام الفياض هو اتهام للحشد الشعبي بوجه عام.

وبالذهاب إلى مدير برنامج الأمن والدفاع في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والإستراتيجية ماجد القيسي فإنه يشير إلى أن حرب التصنيف بدأت، موضحًا أن الحشد سيوضع في القائمة السوداء أو تفرض عليه عقوبات من الخزانة الأمريكية، أو يدرج في قائمة الإرهاب، وهذه آخر مرحلة ستلجأ إليها واشنطن.

ويتابع القيسي أن واشنطن قد تضغط على الحشد من خلال فرض عقوبات عليه، وذلك لأجل التأثير على قياداته لتغيير مواقفها من الوجود الأمريكي في العراق، ومنع الهجمات على السفارة والمصالح الأمريكية.

ردود فعل

بعيد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن العقوبات، أصدرت وزارة الخارجية العراقية بيانًا أعربت فيه عن استغرابها من القرار الصادر بفرض عقوبات أمريكية على رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض.

الخارجية العراقية في موقعها الرسمي أضافت أن القرار مثَّل مفاجأة غير مقبولة، وأنها ستتابع بعناية مع الإدارة الحاليّة والجديدة في واشنطن جميع القرارات الصادرة بحق أسماء عراقيّة، والعمل على معالجة تبعات ذلك. 

كما استنكرت كتائب حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق فرض عقوبات على الفياض والمحمداوي، وقال المتحدث باسم فصيل عصائب أهل الحق جواد الطليباوي إن فرض العقوبات على رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، قد يكون بداية لتصنيف الحشد كمنظمة إرهابية. 

وأضاف الطليباوي في تغريدته "قيام أمريكا بإدراج الفياض على لائحة عقوباتها يمثل اعتداءً سافرًا على الدولة العراقية، لأن الفياض يشغل منصب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وأن هذا الإجراء الأمريكي المدان قد يكون مقدمة لإدراج الحشد الشعبي وتصنيفه كمنظمة إرهابية".

وفي تغريدة أخرى، قال الطليباوي: إذا كانت إدارة الشر الأمريكية تعتقد أن إدراج رئيس هيئة الحشد ورئيس أركانه أبو فدك على لائحة عقوباتها هو أمر سيضعف الحشد فهي واهمة، لأن حشدنا يزداد قوة كلما قامت أمريكا ولقيطتها إسرائيل باستهدافه، فالحشد الذي هزم الإرهاب لن يأبه لصانعي الإرهاب ولعقوباتهم البائسة".

من جهته، يرى الخبير الأمني حسن العبيدي أن فرض واشنطن عقوبات على قيادات في الحشد قد يكون مقدمة لإدراج الحشد على لائحة الإرهاب الأمريكي ومن ثم الأوروبي، لافتًا إلى أن العقوبات جاءت قبل أيام من تسليم الرئيس دونالد ترامب السلطة للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن. 

ويتابع العبيدي حديثه لـ"نون بوست" مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية الحاليّة تحاول تضييق الخناق على إيران ووكلائها في المنطقة لأقصى درجة ممكنة كما حدث مع حركة أنصار الله الحوثية في اليمن، وبالتالي تعد هذه الخطوة استباقية لمجيء بايدن الذي سيكون أمام الكثير من القرارات التنفيذية وسيكون من الصعب عليه التراجع عنها فورًا.

وعن الوضع المستقبلي، لا يستبعد العبيدي إدراج الحشد الشعبي ضمن لوائح الإرهاب الأمريكية كما هو الحال مع حزب الله اللبناني المصنف إرهابيًا في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. 

أما فيما يتعلق بتأثير ذلك على مجمل الأوضاع العراقية، فإنه يرى أن هذه الاحتمالية سابقة لأوانها، إلا أنه ووفق الوضع السياسي الحاليّ ومقارنته بالتجربة اللبنانية، حيث يشارك حزب الله في جميع الحكومات المشكلة خلال السنوات الأخيرة، فإن بقاء الحشد الشعبي لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتصنيفه إرهابيًا، غير أنه سيشكل انتكاسة كبيرة لمؤسسة الحشد كذراع عسكرية تابعة لإيران وطامحة أن تكون بذات المكانة التي يحتلها حزب الله اللبناني خاصة مع تعدد ولاءات فصائل الحشد وتعدد قياداته. 

يجدر بالذكر أن رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي لم ينتقد فرض الولايات المتحدة عقوبات على قيادات الخط الأول في الحشد الشعبي، وهو ما اعتبره كثيرون ضعفًا حكوميًا أو تواطؤًا، وهو ما يشير إليه الخبير الإستراتيجي العراقي علي فضل الله، فقد اعتبر موقف الكاظمي ضعيفًا وركيكًا، عازيًا ذلك إلى صفقة ترؤسه للحكومة العراقية، التي وصفها بالأمريكية بامتياز. 

أما الأسباب التي أدت بالولايات المتحدة أن تفرض هكذا عقوبات في الأيام الأخيرة لسلطة ترامب، فإن كثيرًا من المراقبين يرون أنها تأتي استباقًا لتولي الرئيس المنتخب جو بايدن الحكم في البيت الأبيض، وبالتالي زيادة الضغط على إيران لأقصى حد ممكن. 

وقد يتسق موقف ترامب في أيامه الأخيرة مع تصريحات مرشح بايدن لمنصب وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن في أن إدارة بايدن ملتزمة بعدم تحقيق إيران هدفها بامتلاك سلاح نووي، وبالتالي وفي ظل انسحاب واشنطن من اتفاق (5+1) المعني بالملف النووي الإيراني، فإن إعادة التفاوض بشأن الملف قد تشهد مزيدًا من الاشتراطات الأمريكية، وهو ما قد يجعل تسليط مزيد من الضغط على إيران واردًا، خاصة في العراق الذي تمتلك فيه طهران نفوذًا عسكريًا كبيرًا متمثلًا بالحشد الشعبي.

كل ذلك قد يجعل من إدراج الحشد الشعبي على لوائح الإرهاب الأمريكية ممكنًا خلال الأشهر القادمة، خاصة إذا استمرت ذات الخطة الإيرانية في توسيع نفوذها وبرنامجها النووي واستهداف المصالح الأمريكية في العراق.

هي عقوبات أمريكية مشددة على قيادات في الحشد الشعبي العراقي، في ظل توترات إقليمية متصاعدة ومناورات عسكرية إيرانية واستعراض أمريكي لأقوى القاذفات الإستراتيجية في العالم (B-52)، ما يضع المنطقة على شفا حرب شاملة بانتظار من يشعل فتيلها.