بعيدًا عن أرض هيكلهم بحسب ما يعتقدون، حلم اليهود بإقامة مملكة خاصة بهم على أرض المغرب، ولو إلى حين عودتهم إلى ما يسمونها "أرض الميعاد"، فسعى هارون بن مشعل إلى تأسيس دولة خاصة باليهود المغاربة بمنطقة تازة التي كان حاكمًا لها، فجعل منها إقطاعية، وطغى وتجبر على سكانها من المسلمين واليهود على حد سواء. 

فراغ سياسي وفوضى 

لم يعرف المغرب رجلًا يهوديًا متسلطًا ومتجبرًا تجاوز في صفاقته وأفعاله الشنيعة أكثر من هارون بن مشعل، ما دعا مؤرخ اليهود دانييل شروتر إلى التبرؤ منه ومن سيرته الشنيعة. فقد كان في الليل سكيرًا عربيدًا، يسرف في شرب "الماحيا" أو ماء الحياة (مشروب كحولي مُقطر من التين المجفف) ويسهر مع الغانيات في ليلاته الماجنة، ثم يفيق في الصباح ليتحول إلى إقطاعي مُتجبر، فلم يسلم حينها أحد من ظلمه المتوالي. 

إبان نهاية الدولة السعدية (1554-1659) وصعود الدولة العلوية (1666) عرفت بلاد المغرب الأقصى فراغًا سياسيًا، لهذا سعى العديد من ذوي الجاه والمكانة الاجتماعية إلى الانفراد بحكم مناطقهم، وكان من بينهم هارون بن مشعل "الذي استغل فرصة اختلال الأمور بفاس أواخر دولة السعديين، فحدثته نفسه بتأسيس مقاطعة يهودية في نواحي بني يزناسن، فيصبح حاكمًا لتازة وفاس" كما ورد في كتاب "التاريخ الدبلوماسي للمغرب: من أقدم العصور إلى العهد العلوي" للمؤرخ عبد الهادي التازي. 

من عائلة يهودية عريقة ذات نفوذ تجاري ولد هارون بن مشعل بمدينة وجدة، فورث عن أسرته المجد والثروة والمكانة الاجتماعية في قلب البلاط السلطاني، ما جعله حاكمًا لمنطقة تازة يأمر ويطاع ويفعل ما يشاء حتى بالغ في ظلمه وجبروته.

لم يكن مقتل ابن مشعل في صيف 1663 نهاية لإقطاعي ظالم فقط، بل شكلت هذه الواقعة نقطة فاصلة في مسار التاريخ المغربي

"أهدوني عذراء كل سنة!"

في قصر بديع يشبه القلعة الحصينة عاش ابن مشعل، وحوله مؤونة تكفيه لسنوات عديدة، سلبها من السكان اليهود والمسلمين الذين كانوا مضطرين إلى دفع ضرائب باهظة على أملاكهم، وتجاوز عليهم فكان ينزل بهم بأشد أنواع الإهانات، ولم يقف عند هذا الحد بل بلغت به الصفاقة إلى إجبار القبائل المحيطة على أن تهدي له بنتًا عذراء مسلمة كل عيد حصاد يهودي. 

كان رجلًا فاحش الثراء ما مكنه من شراء العتاد والأسلحة وحتى ضمائر الرجال، فحرص على تحقيق الأمن والأمان مستعينًا بابنته زليخة كمترجمة للوفود الأوروبية التي كانت تأتيه، إذ كانت تتقن إلى جانب العبرية والعربية والدارجة المغربية، اللغات الفرنسية والإسبانية والإنجليزية بعدما تلقت تعليمها في مدارس البلدان الأوروبية. 

"إسرائيل" كادت تقتحم المغرب 

يومها كان وارد جد أن ينوب المغرب عن فلسطين! كما يقول المؤرخ عبد الهادي التازي: "إن دولة "إسرائيل" كانت بالفعل على وشك أن تقتحم تازة، ثم تعم فاسًا لتنساب منها إلى البلاد الأخرى"، لأن ابن مشعل كان يحوز سلطة مطلقة على المنطقة، كما كان يملك المال والعدة التي تمكنه من إقامة دولة يهودية، هذا فضلًا عن السمعة التي منحها لنفسه. صحيح أن الناس عانوا من ظلمه المتوالي لكنه كان يدعي أنه "يريد بالكبار خيرًا وبالضعفاء برورًا والبلاد استقرارًا" يضيف التازي. 

كان آنذاك عهد فوضى أو كما يطلق عليه المغاربة "عهد السيبة"، فكانت مصائب للدولة السعدية التي كانت تعاني من الوهن، ومنافع لابن مشعل الذي استغل الفوضى لصالحه وفعل ما يشاء، فكان له أن أحكم قبضته على المنطقة، بينما كان يصنع لنفسه أعداءً حتى من بني جلدته، إذ كان التجار اليهود مستعدين لدفع أموال طائلة لقتله، إلا أن الوصول إليه كان مستحيلًا وهو داخل قصره الحصين. 

يحكى أن زليخة وقعت في حب شاب مسلم، فأدخلته القصر وأسكنته معها وجعلته يحضر حفلات والدها التي كان يقيمها كل ليلة، وبينما كان يشرب ابن مشعل "الماحيا" ويوزعها على الحاضرين، كان الشاب يراقب التفاصيل الدقيقة لنمط حياته وروتينه اليومي ومداخل القصر ومخارجه وأشكال الحراسة، فقد كان العشيق ينقل أسرار القصر إلى المولى الرشيد الذي كان يؤسس لحكمه.

من سوء حظ ابن مشعل أن اعتداءه على هذه المرأة تزامن مع بداية صعود الدولة العلوية، التي أخذت على عاتقها منذ البداية تطهير البلاد وضمان أمنها واستقرارها

امرأة تألب الناس ضده

كان الناس من حوله إما خائفون من بطشه وإما مترددون في الثقة به، لكن الهالة والهبة التي بناها لنفسه سرعان ما انهارت، يقول المؤرخ عبد الهادي التازي: "ذلك أن ابن مشعل كان مارًا ذات يوم وإذا به يقف على امرأة تحمل طفلًا صغيرًا وبيدها جرة ماء طلب إليها أن تسقيه وهو يختبر - على ما يظهر - مدى شعورها نحوه، لكنها رفضت، وهنا طوّح بصغيرها! وجمعت الأم أشلاء الطفل ورجعت إلى القرية لتلهب الناس ضد ابن مشعل". 

من سوء حظ ابن مشعل أن اعتداءه على هذه المرأة تزامن مع بداية صعود الدولة العلوية، التي أخذت على عاتقها منذ البداية تطهير البلاد وضمان أمنها واستقرارها، ما وضع نهاية لطموحاته بإقامة "دولته الإسرائيلية" على أرض المغرب، خاصة أنه كان يتقدم للسيطرة على مدينة فاس. 

كان يومها المولى الرشيد - أحد أعضاء الأسرة العلوية طالبًا - بجامعة القرويين في فاس، إذا كان على اطلاع بتصرفات ابن مشعل، فجمع طلاب الجامعة حوله متجهين صوب "إقطاعية ابن مشعل" لإسقاطها، مستخدمًا الحيلة التي لم يذكر المؤرخون تفاصيلها، بينما تختلف عنها الحكايات التي تبدو أشبه بقصص ألف ليلة وليلة، منها ما يروى أن المولى الرشيد تنكر في زي فتاة مهداة إلى ابن مشعل، بينما اختبأ أصدقاؤه الطلاب في صناديق، لكن مهما يكن فقد استطاع المولى الرشيد الوصول إلى ابن مشعل وإقامة حد لجنون عظمته. 

نهاية قلبت موازين القوى 

لم يكن مقتل ابن مشعل في صيف 1663 نهاية لإقطاعي ظالم فحسب، بل شكلت هذه الواقعة نقطة فاصلة في مسار التاريخ المغربي، وقلبت ميزان القوى لصالح السلطان المولى الرشيد، المؤسس الفعلي والحقيقي للدولة العلوية، بعدما كان مجرد متمرد مطارَد تارة من أخيه مولاي أمحمد وتارة أخرى من طرف الدلائيين بعد قضائهم على المجاهد العياشي بسلا سنة 1641، وحكام فاس خلال هذه الفترة المتردية من تاريخ المغرب، علاوة على حساسية الوضع في تافيلالت أو سجلماسة معقل العلويين أنفسهم. 

هكذا استفاد الرشيد من أملاك ابن مشعل لتجهيز جيش قوي سار به نحو فاس قصد استرجاعها، كما تقوى بانضمام قبائل إليه، كقبائل أحواز تازة وقبائل الأحلاف، ما مكنه من تعزيز جبهته كقوة صاعدة يحسب لها ألف حساب، لكنه لم ينس ما أبداه طلبة القرويين من مواقف بطولية، فكانت لهم مكافأة بتشييد مدرسة داخلية وسن عطلة ربيعية بعدما كان طلاب القرويين يحصلون على عطلة صيفية إلى جانب الأعياد الدينية، فنصب عليهم سلطانًا كل عطلة ربيع أسموه "سلطان الطلبة"، وهو فلكلور عرفه كل من عاش بتلك المنطقة يومها، يحيي قصة سقوط طاغية تازة اليهودي.