بايدن يؤدّي اليمين الدستوري رئيسا للولايات المتحدة

أدى جو بايدن، اليمين الدستورية ليكون الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، خلفًا لدونالد ترامب، المثير للجدل الذي رفض المشاركة في مراسم التنصيب، كما أضحت كامالا هاريس - وهي ابنة لمهاجرين من جاميكا والهند - أول امرأة في منصب نائب الرئيس بالولايات المتحدة بعد أن أدت هي الأخرى القسم.

أجواء استثنائية

طوت الولايات المتحدة، صفحة في تاريخها، في أجواء استثنائية، حيث أقيمت مراسم التنصيب أمام مبنى الكابيتول الذي جرى تشديد إجراءات الأمن حوله بسبب فيروس كورونا والمخاوف الأمنية بعد الهجوم الذي شنه أنصار ترامب على مبنى الكونغرس في الـ6 من يناير/كانون الثاني الحاليّ.

وقُبيل حفل التنصيب، تم استبعاد 12 عنصرًا من الحرس الوطني لأسباب مختلفة، منهم عنصران استبعدوا لتبادل رسائل كانت مصدر قلق، بينما حدد مكتب التحقيق الفيدرالي إف بي آي 10 عناصر آخرين لدواعي مختلفة، وبالتوازي مع ذلك، انتشر 25 ألفًا من عناصر الحرس الوطني في واشنطن لمساعدة قوات الأمن في تأمين حفل تنصيب الرئيس، فيما نصبت حواجز وأسلاك شائكة لحماية "المنطقة الحمراء" الواقعة بين تلة الكابيتول والبيت الأبيض.

كما كان متوقعًا، قاطع ترامب - الذي لم يعترف رسميًا حتى الآن برئاسة بايدن - مراسم التنصيب، ليخالف بذلك تقليدًا قديمًا

 

وبدلًا من احتشاد أنصار الرئيس بايدن لحضور المراسم، غُطي متنزه ناشونال مول بنحو 200 ألف علم و56 مصدرًا للإضاءة يرمزون لسكان الولايات والمناطق الأمريكية المختلفة، كما وضع أعلام 50 ولاية أمريكية للتعويض عن حضور الأشخاص الممثلين لكل ولاية، هو إجراء متبع منذ عقود، حيث تسعى إدارة بايدن لتشديد الإجراءات الاحترازية تماشيًا مع خطة الـ100 يوم التي تتضمن ارتداء الكمامات وتطبيق التباعد الاجتماعي.

غابت عن يوم التنصيب، بروتوكولات متعارف عليها، فقد شهد تغييرًا في إجراءات تسليم الحقيبة النووية، وكان في استقبال بايدن وزوجته في البيت الأبيض، رئيس العمليات والخدمات المنزلية في البيت الأبيض، تيموثي هارليث، بدلًا من ترامب وزوجته.

غاب ترامب وحضر بنس

كما كان متوقعًا، قاطع ترامب - الذي لم يعترف رسميًا حتى الآن برئاسة بايدن - مراسم التنصيب، ليخالف بذلك تقليدًا قديمًا - فهو أول رئيس منذ 150 عامًا يقاطع حفل تنصيب خلفه-، مع مغادرته واشنطن قبل ساعات من تنصيب خلفه الديمقراطي جو بايدن، ذلك أنه لا يرغب في مغادرة العاصمة الفيدرالية الأمريكية بصفة رئيس سابق، لكن قبل مغادرته، اختار احترام تقليد واحد وهو ترك رسالة لجو بايدن، لم يتم كشف محتواها.

في كلمته الوداعية أشاد الملياردير الجمهوري بفترة ولايته قائلًا: "كانت أربع سنوات رائعة"، مضيفًا "أنجزنا الكثير معًا، وسنعود بطريق أو بآخر"، ومن دون أن يسمي بايدن بالاسم، قال إنه يتمنى للإدارة الجديدة "حظًا جيدًا ونجاحًا كبيرًا.

في مقابل ذلك، حضر المراسم ثلاثة رؤساء سابقين، هم: باراك أوباما، الذي خدم معه بايدن لمدة ثماني سنوات كنائب للرئيس، وكذلك بيل كلينتون وجورج دبليو بوش.

ما يلاحظ أيضًا حضور مايك بنس، نائب ترامب، مراسم التنصيب، وعدم تحوله إلى قاعدة أندروز بضواحي ولاية ميريلاند للمشاركة في حفل توديع ترامب، ومنذ أيام بدا نائب الرئيس المنتهية ولايته كأنه هو من يتولى القيادة، وقالت تقارير إعلامية، إن بنس اتصل هاتفيًا بنائبة الرئيس المنتخب كامالا هاريس وهنأها، وكان ذلك أول اتصال بينهما منذ المناظرة التي تواجها فيها في الخريف في أوج الحملة الانتخابية. 

دعوة إلى الوحدة

تعهد جو بايدن، في خطابه الأول كرئيس للولايات المتحدة بأنه سيكون رئيسًا لكل الأمريكيين بغض النظر عن كونهم من المؤيدين له أو المختلفين معه، مؤكدًا أن حفل تنصيبه رئيسًا هو "انتصار للديمقراطية"، وقال: "لقد تعلمنا مرة أخرى أن الديمقراطية ثمينة، الديمقراطية هشة، وفي هذه الساعة، يا أصدقائي: لقد سادت الديمقراطية!".

وعد بايدن - الذي أصبح أكبر رئيس أمريكي - بـ"إلحاق الهزيمة بنزعة تفوق العرق الأبيض والإرهاب الداخلي" بعد أسبوعين على اقتحام مبنى الكابيتول، فيما سلم بصحة احتجاجات الصيف الماضي ضد العنصرية ووحشية الشرطة، وقال بايدن: "حلم العدالة للجميع لن يتأجل بعد الآن"، مضيفًا "يمكننا أن نفعل أمورًا عظيمةً عن طريق الوحدة ".

وفي خطوة رمزية للمصالحة والوحدة اللتين ينوي تحقيقهما، حضر بايدن الذي قدم نفسه على أنه رئيس لجميع الأمريكيين، قداسًا في كاتدرائية سانت ماتيو في واشنطن رفقة مسؤولين ديموقراطيين وجمهوريين في الكونغرس.

أوامر تنفيذية

استهل بايدن أول يوم عمل له في البيت الأبيض بتوقيع عدد من الأوامر التنفيذية التي من شأنها أن تبطل قرارات اتخذها سلفه دونالد ترامب، أولها ما يتعلق بتشديد الإجراءات الخاصة بجائحة كورونا مثل الالتزام بارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي والإجراءات كافة التي تحددها السلطات.

والأمر الثاني الذي أعلن بايدن توقيعه، يخص المساواة العرقية والعدالة الاجتماعية للمواطنين، وضمان تحقيق المساواة والحصول على المساعدات، كما وقع بايدن على أمر تنفيذي يعيد بلاده إلى اتفاقية باريس المناخية وإلى منظمة الصحة العالمية اللتين انسحب منهما ترامب.

فضلًا عن ذلك، وقع بايدن مرسومًا ينص على رفع قيود السفر التي فرضتها إدارة ترامب على بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، ومن بين الأوامر التنفيذية التي وقعها أيضًا إلغاء تصريح خط أنابيب كيستون إكس إل، وتعليق قرار بناء جدار على الحدود مع المكسيك.

سيسعى الرئيس الأمريكي إلى إنعاش الدبلوماسية الأمريكية وبناء جبهة موحدة لمواجهة تهديدات قد تشكلها روسيا والصين وإيران

تغطي أوامر تنفيذية أخرى مسائل المساواة بين الأعراق والأجناس، وجاء في بيان مفصل عن الأوامر التنفيذية أن بايدن سيتخذ إجراءات، ليس فقط لإنهاء الأضرار الجسيمة لإدارة ترامب، لكن أيضًا لبدء دفع بلادنا إلى الأمام.

وفي أول تغريدة له من الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة، كتب الرئيس الجديد جو بايدن: "لا يوجد وقت نضيعه عندما يتعلق الأمر بمعالجة الأزمات التي نواجهها، لهذا السبب، أتوجه الآن إلى المكتب البيضاوي للعمل بشكل صحيح لتقديم إجراءات جريئة وإغاثة فورية للعائلات الأمريكية".

ومن المنتظر أن تتواصل هذه الإجراءات لأيام أخرى، على أن يرسل الرئيس بايدن مشاريع قوانين جديدة إلى الكونغرس، وعادة ما يلجأ رؤساء الولايات المتحدة إلى القرارات التنفيذية سهلة التطبيق، لكنها معرضة للإلغاء بجرة قلم أو لقرار قضائي يعطلها.

رسائل إلى الخارج

مثلما وجه رسائل للداخل، وجه بايدن أيضًا رسائل إلى الخارج، حيث شدد على أن الولايات المتحدة ستعود إلى تحالفاتها التي شهدت تقلبات في عهد سلفه ترامب، مؤكدًا أن إدارته الجديدة ستصحح أخطاء الماضي.

كما تعهد بايدن بأن تعود أمريكا لقيادة العالم وأن تكون شريكًا موثوقًا، ومن المقرر أن يجري الرئيس الجديد غدًا الجمعة محادثة هاتفية مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، وذلك في أول اتصال مع زعيم إحدى الدول الحليفة.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي إن من المتوقع أن تكون اتصالات بايدن الأولى مع الشركاء والحلفاء لبحث المسائل المهمة عالميًا.

من المنتظر أيضًا أن يتصدر جدول أعمال جو بايدن الضغط باتجاه إصلاح العلاقات المتوترة، لا سيما مع الناتو، والانضمام للتحالفات الدولية من جديد، فضلًا عن العودة إلى بعض المنظمات التي خرج منها ترامب على غرار منظمة الصحة العالمية.

كما سيكون برنامج إيران النووي من بين الملفات التي ستتصدر أولويات الرئيس الأمريكي، بعد أن تخلى ترامب عن اتفاقية دولية قضت بتخفيف العقوبات المفروضة على إيران مقابل تقليص برنامجها النووي.

إلى جانب ذلك، سينظر بايدن في الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، والصراع العربي الإسرائيلي وموجة التطبيع، وهو أحد الملفات الساخنة، فعلى غرار الحرس القديم في الحزب الديمقراطي، يعد بايدن داعمًا مخلصًا ومدافعًا قديمًا عن الكيان الإسرائيلي.

سيسعى الرئيس الأمريكي الجديد أيضًا إلى إنعاش الدبلوماسية الأمريكية وبناء جبهة موحدة لمواجهة تهديدات قد تشكلها روسيا والصين وإيران، وليس من المتوقع أن تختلف سياساته عن إدارة باراك أوباما، فقد اختار بايدن دبلوماسيين متمرسين عملوا سابقًا لدى أوباما، مما يضمن العودة إلى خط تقليدي أكثر في السياسة الخارجية الأمريكية.