متطوع يصلي بمفرده بمسجد "المدينة" في شيفيلد في 24 تموز/ يوليو 2020. تظهر على السجاد علامات للتباعد الاجتماعي.

ترجمة وتحرير: نون بوست

على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدت المملكة المتحدة تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا بمعدلات مقلقة. سنة 2011، حذرت سعيدة وارثي، الرئيسة السابقة لحزب المحافظين، وأحد أهم السياسيين المسلمين في البلاد، من خطر محدق عندما أكدت أن العنصرية ضد المسلمين أصبحت طبيعية لدرجة أنها "صارت موضوعا عاديا يناقش على مائدة العشاء". لسوء حظها وحظ الجالية المسلمة في بريطانيا، تدهورت الأوضاع من سيء إلى أسوأ.

في الواقع، أرسل المجلس الإسلامي البريطاني سنة 2020 ملفا مكونا من 300 ادعاء حول كراهية الإسلام ضد رئيس الوزراء بوريس جونسون وأعضاء حزب المحافظين، إلى لجنة المساواة وحقوق الإنسان. كانت هذه هي المرة الثانية التي يناشد فيها المجلس الإسلامي البريطاني الهيئة لفتح تحقيق رسمي ضد الحزب الحاكم، ولكن دون جدوى.

في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أكدت تقارير أن الطاهي المسلم علي إمداد، الذي شارك في برنامج "ذا غريت بريتين بايك أوف"، تعرض لإساءات ذات طابع معاد للإسلام أثناء ركوبه الحافلة عائدا إلى المنزل. وحسب ما أفاد به إمداد، لم يسانده أي من الركاب، كما هدد السائق بطرده من الحافلة عندما حاول الدفاع عن نفسه.

لا يحظى مصطلح الإسلاموفوبيا باعتراف واسع مثل المصطلحات الأخرى المتعلقة بالعنصرية، ربما لأنه لم يظهر بشكل مباشر في الخطابات السياسية على مدار العشرين سنة الماضية. في الواقع، رغم العديد من الجهود البارزة - بما في ذلك تلك التي بذلتها المجموعة البرلمانية المشتركة بين جميع الأحزاب بشأن المسلمين البريطانيين سنة 2018 - لا يوجد حتى الآن تعريف مقبول عالميا للإسلاموفوبيا.

يبلغ عدد المسلمين في المملكة المتحدة أكثر من 3.4 مليون مسلم، أي ما يقرب من 5 بالمئة من إجمالي عدد السكان. يجسد المجتمع المسلم في بريطانيا تنوعًا هائلاً في اللغة والثقافة والوضع الاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب مجموعة متنوعة من الممارسات الإسلامية. ولكن رغم وجودهم في البلاد منذ القرن السادس عشر، لا يزال المسلمون يُعاملون غالبًا على أنهم "غرباء".

دفعت قضية رشدي ومشاعر الاغتراب التي أحس بها المسلمون داخل المجتمع البريطاني بسبب تلك الأحداث، إلى التفاف الشباب المسلم حول هوية واحدة

سُلطت الأضواء على الإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة في سبعينيات القرن الماضي بسبب أزمة منظمة أوبك، وخلط البريطانيون حينها بين العرب والمسلمين، وأصبح كلاهما يُعتبر تهديدا لاقتصاد بريطانيا وحضارتها. كما أدت تداعيات نشر رواية الكاتب البريطاني سلمان رشدي "آيات شيطانية" سنة 1988، والتي أغضبت المسلمين في جميع أنحاء العالم، وجعلت الخميني يصدر فتوى بإهدار دمه، إلى إثارة مشاعر الإسلاموفوبيا على نطاق واسع في بريطانيا.

دفعت قضية رشدي ومشاعر الاغتراب التي أحس بها المسلمون داخل المجتمع البريطاني بسبب تلك الأحداث، إلى التفاف الشباب المسلم حول هوية واحدة، وأدى ذلك بدوره إلى مزيد من المشاعر المعادية للمسلمين في المجتمع البريطاني. ورغم أن القوانين البريطانية توفر الحماية للسيخ واليهود على أساس هويتهم العرقية والاثنية، فقد تم تجاهل المسلمين البريطانيين. في قضية البريطاني المسلم نيازي ضد شركة "ريمانس" سنة 1988، حُرم المدعي المسلم من الحماية بموجب قانون العلاقات بين الأعراق لسنة 1976، لأن "الجالية المسلمة تشمل أشخاصا من دول وألوان عديدة، يتحدثون العديد من اللغات والقاسم المشترك الوحيد بينهم هو الدين والثقافة الدينية".

بعد مرور عقود، مازالت التشريعات البريطانية المناهضة للعنصرية غير كافية للتعامل مع استهداف المسلمين من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة التي تستخدم أشكالا جديدة من التحيز والتمييز. على سبيل المثال، يعتبر بعض كتاب الأعمدة البارزين في الصحف البريطانية أن الإسلاموفوبيا محض خيال، وأنه لا يوجد ما يستدعي اتهام حزب المحافظين بالإسلاموفوبيا، ويتساءلون بنبرة عنصرية "ماذا سنفعل حيال مشكلة المسلمين؟". رغم كل ذلك، لم يواجه هؤلاء الكتّاب أي تداعيات تُذكر، وهذا أمر يصعب تخيّله لو كانت انتقاداتهم موجهة إلى طائفة أخرى.

قبل أن يصبح رئيسا للوزراء، شبّه بوريس جونسون النساء المسلمات اللواتي يرتدين البرقع بـ"صناديق البريد" و"لصوص البنوك". ورغم ارتفاع حوادث الإسلاموفوبيا بنسبة 375 بالمئة في الأسبوع التالي لتلك التصريحات، خلُص تحقيق داخلي أجراه حزب المحافظين أنها كانت تعليقات "محترمة ومتسامحة".

ليس السياسيون اليمينيون فقط هم من يحرضون على الإسلاموفوبيا. وإذا كانت هناك تغطية واسعة لحوادث الإسلاموفوبيا في حزب المحافظين، فقد كشفت تقارير إعلامية عن وجود مثل هذا النوع من الممارسات داخل حزب العمال الذي يعتبر أكبر حزب مناهض للعنصرية في البلاد.

في أواخر السنة الماضية، أصدرت شبكة مسلمي حزب العمال تقريرًا موثقا عن الممارسات المعادية للمسلمين في الحزب، وكشفت أن ما يزيد عن واحد من كل أربعة أعضاء مسلمين في الحزب قد تعرض للتمييز داخله، وأن نصف الأعضاء المسلمين لا يثقون في أن قيادة الحزب الجديدة ستتصدى لهذه المشكلة.

قد يلعب الإعلام دورًا في تفاقم المشكلة أيضًا، بسبب تركيزه على صورة الإسلام في سياق الأحداث العالمية. سنة 2007، كشف تقرير لـ"سلطة لندن الكبرى" أنه خلال أسبوع من التغطيات الإخبارية في وسائل الإعلام البريطانية، كان 91 بالمئة من الأخبار المتعلقة بالمسلمين ذا طابع سلبي. 

كما كشفت دراسة حديثة أجراها المجلس الإسلامي البريطاني السنة الماضية، أن الأمور لم تشهد تغييرا يذكر خلال السنوات الماضية. أظهرت الدراسة أن الصورة السلبية للمسلمين في وسائل الإعلام البريطانية تزيد من احتمال دعم البريطانيين لسياسات الحكومة التي تضر بالمسلمين وتنتهك حقوقهم.

البرامج الحكومية، مثل برنامج بريفنت لمكافحة الإرهاب، تساهم في تعزيز الإسلاموفوبيا

وفي 2017، وجد استطلاع للرأي أجرته شركة "يوغوف" بالتعاون مع صحيفة "عرب نيوز" أن غالبية البريطانيين يؤيدون الصورة النمطية العنصرية المعادية للعرب. وفي 2019، كشفت "يوغوف" من خلال استطلاع آخر أن 38 بالمئة من البريطانيين يعتقدون أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية؛ كما أن نسبة كبيرة من المستجوبين كانت تحمل نظرة سلبية عن الإسلام أكثر من أي ديانة أخرى.

يُعتبر النظر إلى المسلمين باعتبارهم "الآخر" الذي يشكل تهديدا خارجيا، من أبرز العوامل التي تضفي نوعا من الشرعية على استهدافهم عبر المراقبة الأمنية وجمع المعلومات الاستخبارية. 

ويمكن القول إن البرامج الحكومية، مثل برنامج "بريفنت" لمكافحة الإرهاب، تساهم في تعزيز الإسلاموفوبيا؛ حيث يمثل المسلمون أكثر من 65 بالمئة من المستهدفين بهذا البرنامج رغم أنهم يشكلون 5 بالمئة فقط من سكان بريطانيا.

أدى ذلك لتخوّف العديد من الطلاب البريطانيين المسلمين من التعبير عن آرائهم بحرية أو الانخراط في الشأن السياسية. وكانت الجمعيات الخيرية الإسلامية أيضا موضع مراقبة وتحقيقات بشكل لا يتناسب مع حجمها في المجتمع، حيث وجدت دراسة أجريت سنة 2017 أن 38 بالمئة من التحقيقات القانونية في هذا القطاع كانت ضد جمعيات خيرية إسلامية رغم أنها تمثل 1.21 بالمئة فقط من الجمعيات الخيرية في البلاد.

ليست العنصرية والإسلاموفوبيا مجرد مفاهيم أكاديمية، بل قضايا لها تأثيرات سلبية ملموسة على جميع جوانب حياة المسلمين في بريطانيا. وقد أظهرت الدراسات أن فرص الطلاب المسلمين في الحصول على مقاعد في جامعات مجموعة رسل، والتي تعتبر أفضل الجامعات في بريطانيا، أقل من أقرانهم البيض، حتى عندما تكون الدرجات العملية متماثلة. ويعاني المسلمون "عوائق اقتصادية أكثر من أي مجموعة أخرى" في المجتمع البريطاني، حيث تبلغ معدلات البطالة في صفوف المسلمين ضعف المعدل العام في بريطانيا. ولا تشكل نسبة المسلمين في الوظائف القيادية أو الإدارية أو المهنية العليا سوى نصف النسبة العامة في البلاد.

على مر السنين، قام العديد من صناع السياسة في بريطانيا، بمن فيهم رئيسا الوزراء السابقان توني بلير وديفيد كاميرون، بحثّ المسلمين على بذل جهود أكبر للتوافق مع القيم "البريطانية". ويرى الباحث ليون موسافي أن الكثير من تلك المطالب بالاندماج ما هي إلا وسيلة "استيعاب ثقافي بذريعة التعددية". يحدث ذلك عندما تكون المجموعة المهمشة مضطرة للتخلي عن هويتها وتبني هوية المجموعة المهيمنة، دون أن تقدم المجموعة المهيمنة أي تنازلات مقابل ذلك. 

والأسوأ أن الاندماج وتبني ما يسمى بالقيم البريطانية، لم ينقذ السياسيين المسلمين البارزين مثل البارونة سعيدة وارثي، وسكرتير مجلس الوزراء للعدل حمزة يوسف، وعمدة لندن صادق خان، والصحفية آش ساركار، من التعرض للانتهاكات ذات الطابع المعادي للإسلام.

الأمر الذي قد يُظهر قدرا من الجدية في التصدي للإسلاموفوبيا هو أن تستجيب لجنة المساواة وحقوق الإنسان لمخاوف المسلمين البريطانيين وتُطلق تحقيقًا داخل حزب المحافظين

قد يكون قبول المسلمين في عالم السياسة وتوليهم مناصب عليا أمرا جيدا، لكنه لن يفي بالغرض، إذ أن الممارسات العنصرية لا تتعلق بمجموعة ضيقة من الأشخاص المتحيزين ذوي الأفكار الرجعية، بل هي أكثر عمقا ومنهجية. لا جدال أن السبيل الوحيد لحل هذه القضايا هو الإصلاح الشامل الذي يتطلب أساسا الاعتراف بأن الإسلاموفوبيا مصدر قلق حقيقي في المجتمع.

مبدئيا، من شأن تبني تعريف عملي للإسلاموفوبيا ينص على أنها "ممارسات ذات جذور عنصرية تستهدف المظاهر أو المفاهيم الإسلامية"، وهو التعريف الذي صاغته المجموعة البرلمانية المشتركة بين جميع الأحزاب، أن يساهم بشكل كبير في إدانة هذه الممارسات بشكل قانوني، والحد من هذه الظاهرة في المجتمع البريطاني.

قوبلت المحاولة السابقة لإقناع الحكومة بتبني هذا التعريف العملي بمقاومة شرسة، ويتطلب الاعتراف به شجاعة كبيرة وإرادة سياسية حقيقية.

والأمر الذي قد يُظهر قدرا من الجدية في التصدي للإسلاموفوبيا هو أن تستجيب لجنة المساواة وحقوق الإنسان لمخاوف المسلمين البريطانيين وتُطلق تحقيقًا داخل حزب المحافظين على غرار التحقيق الذي أجرته سابقا عن معاداة السامية داخل حزب العمال. يجب أن يحدث هذا عاجلاً وليس آجلاً. لقد عانى المسلمون البريطانيون لفترة طويلة، وحان الوقت لتغيير الوضع.

المصدر: فورين بوليسي