تعيش تونس على وقع مأزق دستوري بسبب إحجام الرئيس قيس سعيد عن دعوة الوزراء الجدد في التعديل الحكومي لأداء اليمين الدستورية أمامه بعد نيلهم ثقة البرلمان يوم 26 من يناير/كانون الثاني، مأزق لا يبدو الخروج منه سهلًا في ظل تأويل كل طرف للدستور وفق الرؤية التي تخدم مصلحته.

تأويل الدستور

لأول مرة منذ الثورة، يبقى الوزراء الجدد في تونس دون تأدية اليمين الدستورية لخمسة أيام من تاريخ نيلهم الثقة في البرلمان، نتيجة رفض الرئيس استقبالهم في قصر قرطاج لتأدية مراسم اليمين قبل مباشرة عملهم في القصبة.

رفض سعيد استقبال الوزراء الجدد، رغم الدعوات الرامية إلى عقلنة الممارسة السياسية والابتعاد عن المناكفات الضيقة، وإيجاد بوادر حلول لتجاوز الأزمة الدستورية، يوحي بتواصل التوتر بين الرئاسات الثلاثة.

غياب التوافق بين الكتل حال دون انتخاب باقي أعضاء هذه المؤسسة القضائية الدستورية المستقلة الضامنة لعلوية الدستور

توجه سعيد نحو التصعيد، جاء نتيجة رفضه التمشي الذي رافق التعديل الدستوري بأكمله، فهو يعيب على رئيس الحكومة هشام المشيشي عدم استشارته في هذا الموضوع والأخذ برأيه فيه، خاصة أنه من اقترحه لهذا المنصب.

يرى سعيد أن بعض الوزراء الجدد تتعلق بهم قضايا أو لهم ملفات تضارب مصالح، لذلك لا يمكنهم أداء اليمين، ما يجعل مباشرتهم لعملهم مستحيلة، وفق قراءة أنصار الرئيس، فهم يرون أن أداء اليمين الدستورية للأعضاء الجدد في الحكومة أمام رئيس الجمهورية إجراء جوهري.

هذا التمشي، يسعى أصحابه من خلاله إلى تأكيد قيمة الرئيس في النظام التونسي، وأنه ليس مجرد منصب رمزي، فهو منتخب من الشعب بصفة مباشرة، وصلاحياته عديدة عكس ما يروج له أنصار الحكومة والبرلمان.

في مقابل ذلك، يرى أنصار الحكومة والبرلمان أن اليمين الدستورية يعد إجراءً بروتوكوليًا وشكليًا، على الرئيس القبول به لأن صلاحيته مقيدة في هذا المجال ولا يملك سلطة الاعتراض، فنص الدستور في الفصل 89 ينص على "يؤدي رئيس الحكومة وأعضاؤها أمام رئيس الجمهورية اليمين..." أي أنها وردت في صيغة الأمر وليس الاختيار.

ويرى هؤلاء أن سلطة الرئيس مقيدة في علاقة بدعوة الوزراء الذين حصلوا على الثقة من مجلس نواب الشعب لأداء اليمين الدستورية، وأن اليمين الدستورية تتنزل فقط ضمن الواجب الدستوري وكل تعطيل لهذا الإجراء يترتب عليه تبعات كثيرة.

وبخصوص هذا الموضوع، قال رئيس البرلمان راشد الغنوشي: "نحن يفترض أننا في نظام برلماني، ودور الرئيس رمزي وليس إنشائيًا. موضوع الحكم ومجلس الوزراء لا يعود إلى الحزب الحاكم، هذه مسؤولية رئيس الحكومة"، وأضاف "ربما الدرس الذي سنصل إليه هو أن نقيم نظامًا برلمانيًا كاملًا فيه فصل حقيقي بين السلطات، والسلطة التنفيذية كلها في يد واحدة، في يد الحزب الفائز بالانتخابات، وهو الذي يقدم رئيسًا للوزراء".

غياب المحكمة الدستورية يؤجج الوضع

صمت الدستور عن التعرض إلى التعديلات الوزارية والعديد من المسائل الأخرى، سمح لكل طرف بتأويله وفق الرؤية التي تخدم مصلحته، مستغلًا غياب المحكمة الدستورية التي من حقها الفصل في النزاع الدستوري بين السلطات.

هذا التداخل الحاصل في المشهد السياسي التونسي، كان يمكن حسمه إن كانت المحكمة الدستورية موجودة، لكن غيابها جعل كل طرح يؤول الدستور كما يريد، وتضم المحكمة 12 عضوًا، 4 منهم ينتخبهم البرلمان و4 يختارهم المجلس الأعلى للقضاء (مؤسسة دستورية مستقلة) و4 يعينهم رئيس الجمهورية، وفق ما ينص عليه قانونها الأساسي.

 

تختص المحكمة الدستورية وفق الفصل 120 من الدستور التونسي دون سواها بمراقبة دستورية مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين عضوًا من أعضاء مجلس نواب الشعب، كما تنظر في المعاهدات الدولية وتطبيق قانون الطوارئ.

من مهامها أيضًا مراقبة مشاريع تعديل الدستور والمعاهدات والنظام الداخلي للبرلمان، وتبت في استمرار حالات الطوارئ والنزاعات المتعلقة باختصاصي رئيسي الجمهورية والحكومة، كما تنظر في إعفاء رئيس الدولة في حالة الخرق الجسيم للدستور.

غياب التوافق يؤجل إرساء المحكمة

يتبين من هنا أن المحكمة الدستورية تلعب دورًا كبيرًا، ليس فقط في مراقبة دستورية القوانين، لكن أيضًا في الاستقرار السياسي بالبلاد، وغيابها المتواصل أدى إلى تأزم الوضع السياسي أكثر ما انعكس سلبًا على الوضع العام في تونس.

وينص الدستور التونسي على ضرورة تشكيل المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنة من موعد الانتخابات التشريعية التي عقدت في 2014، غير أن الكتل البرلمانية لم تنتخب سوى عضو واحد (امرأة) في مارس/آذار 2018 من بين 4 أعضاء.

 

يفرض القانون أغلبية معززة لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية أي بما لا يقل عن الثلثين، وبالتالي بموافقة 145 نائبًا، وهي أغلبية عالية تعزز مبدأ حياد واستقلالية الأعضاء المنتخبين، فلا يقدر أي حزب أو كتلة بمفردها على تمرير مرشحه.

في حال تواصل الأزمة بين الرئاسات ستكون عواقبها وخيمة على البلاد والنظام ككل، وستكون سببًا كي تغرق السفينة بمن فيها

غياب التوافق بين الكتل، حال دون انتخاب باقي أعضاء هذه المؤسسة القضائية الدستورية المستقلة الضامنة لعلوية الدستور والحامية للنظام الجمهوري الديمقراطي وللحقوق والحريات، فكل حزب يسعى لنجاح مرشحه.

أهمية المحكمة الدستورية، جعلت كل الأطراف السياسية في تونس تسعى إلى وجود من يمثلها فيها، حتى يضمن مكانًا له في المشهد السياسي، ذلك أن هذه المحكمة ستحد من صلاحيات أطراف عديدة، وكان رئيس البرلمان راشد الغنوشي قد التزم منذ انطلاق عمل البرلمان الحاليّ، بأن يكون تشكيل المحكمة في صدارة اهتمامه، وعقد الغنوشي جلسات عمل عدة مع رؤساء الكتل البرلمانية الثمانية، وجلسات ثنائية مع عدد منهم، ولكن لم تفض إلى أي تقدم في اتجاه حلحلة مسار انتخاب أعضاء مجلس المحكمة الدستورية المعطلة.

في صائفة 2019، تجاوزت تونس بحكمة الأزمة الدستورية التي خلفها فراغ منصب الرئيس بوفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، وقد تم تجاوز فراغ المحكمة الدستورية التي من دورها معاينة الوفاة ومتابعة انتقال السلطة إلى رئيس البرلمان، لكن هذه المرة يبدو أن كل طرف متشبث بطرحه.

ضرورة المصالحة

هذه الأزمة بين الرئاسات الثلاثة في تونس (رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة)، ليست في مصلحة أحد، وفي حال تواصلها ستكون عواقبها وخيمة على البلاد والنظام ككل، وستكون سببًا في غرق السفينة بمن فيها.

هذا الأمر يحتم ضرورة تغليب الحوار وكف جميع الأطراف وأنصارهم عن التصعيد في حربهم وتغليب مصلحة البلاد عوض الزج بها في صراعات جانبية، فهذه الصراعات لن تخدم أحدًا وستعجل بحدوث الكارثة، خاصة أن تونس مقبلة على استحقاقات مالية مهمة تجاه الأسواق المانحة.

على الرئيس قيس سعيد وراشد الغنوشي، خصوصًا، أن يكونا جامعين لا مُفرقين، ويفتحا باب المصالحة والحوار بين البرلمان والرئاسة والحكومة، وأن يتجاوزا الخلافات بينهما إن وجدت، لمصلحة تونس، حتى يساهما في إنقاذ البلاد من أزماتها المتعددة.