أثار تعيين الرئيس الأمريكي جو بايدن، لروبرت مالي مبعوثًا أمريكيًا جديدًا لإيران، ضجة كبيرة داخل الأوساط السياسية والإعلامية، داخل الولايات المتحدة وخارجها، في ضوء مواقفه السياسية السابقة حيال طهران وتل أبيب على وجه الخصوص، على مدار السنوات السابقة.

وبعيدًا عن علاقته الشخصية بوزير الخارجية أنتوني بلينكن، فإن مالي المولود في القاهرة لأب يهودي، مصري المولد، سوري الأصل، عمل مديرًا للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، في ظل إدارتين ديمقراطيتين للرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما، ولعل هذا كان الدافع الأبرز وراء منحه ثقة الإدارة الثالثة بقيادة بايدن.

يعد العام 2015 عام الفصل في مسيرة مالي، حين أصبح ساعد أوباما الأيمن في الشرق الأوسط، كما عين في نهاية العام مستشارًا خاصًا للرئيس لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وكان قبل ذلك مشرفًا على العديد من الإصدارات التحليلية والدراسات المتعمقة الخاصة بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة في عمان والقاهرة وبيروت وتل أبيب وبغداد، ضمن مجموعة الأزمات الدولية، وهو ما أصقل خبراته السياسية وجعله على دراية تامة بالمنطقة.

مثل اختيار روبرت - رغم خبراته السياسية الكبيرة - صدمة للعديد من صقور الحرب في أمريكا و"إسرائيل"، بجانب تخوفات غير معلنة لبعض العواصم الخليجية، بشأن انعكاسات مواقفه السابقة على إدارته لهذا الملف الحساس الذي منحه بايدن إياه.. فما سر هذا القلق؟

أسرة يسارية مشاغبة

ينتمي روبرت لأسرة يسارية مشاغبة، فوالده سيمون مالي الصحفي المقرب من الشيوعيين، الذي عينه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، مراسلًا لصحيفة "الجمهورية" المصرية الحكومية لشؤون الأمم المتحدة، وهناك التقى باربارا، الأمريكية التي كانت تعمل في بعثة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لدى المنظمة الدولية.

تزوج سيمون من باربارا وأنجب روبرت عام 1963، لينتقل بعدها بست سنوات إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث أسس هناك مجلة "إفريقيا- آسيا" التي كرس صفحاتها للدفاع عن حركات التحرير في مختلف دول العالم، كما استطاع إجراء مقابلات مع العديد من زعماء الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي عام 1981 ألقت الحكومة الفرنسية القبض عليه ورحلته على متن طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة دون إعطائه جواز سفره، على خلفية كتاباته الهجومية المتواصلة عن "قذارة" سياسات فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية في القارة الإفريقية، وهو ما أغضب الأوساط اليمينية الفرنسية وحلفاءها الأفارقة أمثال ملك المغرب السابق الحسن الثاني والحاكم العسكري السابق لزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًّا) موبوتو سيسيسيكو.

ظل سيمون بعيدًا عن إدارة مجلته في باريس 8 أشهر كاملة، يحررها من سويسرا، حتى فاز الحزب الاشتراكي في انتخابات 1981 ليسمح له الرئيس فرانسوا ميتران بالعودة إلى البلاد مرة أخرى، الأزمة ذاتها تكررت مع القاهرة حين حرمه الرئيس المصري الراحل أنور السادات من الجنسية المصرية بسبب هجومه المستمر.

كان لتلك التنشئة، متقلبة المزاج، تأثيرها الواضح على تشكيل شخصية الابن الذي رافق والده من عاصمة إلى أخرى، مطاردًا بسبب مواقفه السياسية وآرائه المكتوبة، وهو ما جعله على اطلاع شبه تام بكواليس المنطقة ومفردات التعامل معها.

مهمة صعبة

يدرك مالي منذ اختياره لهذا المنصب أن الملف الموكل إليه ليس بالأمر السهل، فالعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، الخاصة بالعودة للاتفاق النووي الإيراني، لا بد أن تتم بسرعة، قبل حدوث أي تغيرات في الخريطة السياسية الداخلية لطهران، إذ من المقرر أن تجرى انتخابات الرئاسة يونيو/حزيران القادم، وهناك احتمالات لفوز أحد المرشحين المتشددين من التيار المحافظ، وهو ما يصعب عملية التفاوض مع واشنطن.

وفي الوقت ذاته يعلم أن قرار كهذا لا يمكن أن يتم بسهوله، إذ يتطلب الكثير من الحيطة والحذر والتقنين بما يحقق الهدف المنشود بالعودة إلى الاتفاق دون استغلال ذلك سلبيًا من الجانب الإيراني في تعزيز نفوذه النووي والإقليمي، وهي النقطة الخلافية التي ربما تثير الانقسامات بين الإدارة الأمريكية من جانب والمعارضة الجمهورية من جانب آخر.

مهمة المبعوث الجديد لن تتوقف عند التحرك نحو تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة فقط، فالاكتفاء بهذه الخطوة لن يكون كافيًا أو ضامنًا لتهدئة حدة التوتر في الشرق الأوسط، بين السعودية وحلفها يمينًا، وإيران وميليشياتها يسارًا، الأمر الذي يتطلب طرح مبادرات غربية للحد من هذا التصعيد وتهدئة الأجواء بين الأطراف المتنازعة، وهذا تحد آخر ربما يجعل مهمة مالي صعبة.

عكس البوصلة الترامبية

يسير مالي عكس البوصلة الترامبية فيما يتعلق بالتعاطي مع الملف الإيراني، فهو على النقيض تمامًا من مبعوث ترامب، إليوت أبرامز، الذي انتهج رسميًا سياسة الرئيس السابق التي اعتمدت على سياسة "الضغط المستمر والتصعيد دون سقف" وهي السياسة التي لم تؤت ثمارها طيلة سنوات ترامب الأربعة.

يؤمن مبعوث بايدن الجديد بالدبلوماسية في إدارة سياسة بلاده الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وهو الذي كان قد انتقد سياسة ترامب قبل ذلك ووصفها بـ"الفاشلة" التي تحتاج إلى تأمل ذاتي للخروج منها بأقل الخسائر وتحسين مساراتها المستقبلية.

في كثير من كتاباته وجه مالي الانتقاد اللاذع لقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، مضيفًا في إحدى مقالاته التي كتبها في مجلة "أتلانتك" كان الخيار الحقيقي في 2015 يكمن في إما تحقيق صفقة تقيد حجم البرنامج النووي الإيراني لسنوات عديدة وتضمن إجراء عمليات تفتيش إلى الأبد وإما عدم عقد صفقة على الإطلاق.

الخبرات الدبلوماسية السابقة للمبعوث المكلف بإدارة الملف الإيراني سيكون لها تأثيرها المتوقع على إستراتيجيته الجديدة في التعامل مع هذا الملف، حيث ساعد في تنظيم قمة كامب ديفيد عام 200 إبان فترة كلينتون، كما كان المفاوض الرئيسي في اتفاق 2015، وحين غادر أوباما نُصب رئيسًا لمجموعة الأزمات الدولية، التي تشكلت عام 1995 لمنع الحروب.

قلق إسرائيلي

حالة من القلق تخيم على الأوساط الإسرائيلية من الكشف عن اسم مالي، حيث وجهت إليه العديد من الانتقادات على رأسها تجاهله للسجل الحقوقي المشين لطهران، هذا بخلاف عدم دعمه لـ"إسرائيل" بالشكل المطلوب، وما يثار بشأن دعمه للقضية الفلسطينية.

ففي 2001 على سبيل المثال وبينما كان العالم المناصر لتل أبيب يحمل مسؤولية فشل مفاوضات كامب ديفيد للرئيس الراحل ياسر عرفات، خرج مالي في مقال له ليؤكد أن الخطأ لم يكن خطأ الزعيم الفلسطيني وحده، بل يشاركه فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية - آنذاك - إيهود باراك، وهو الموقف الذي أثار غضب اللوبي الصهيوني في ذلك الوقت، ويبدو أنه لم يُنس حتى اليوم.

صحيفة "يسرائيل هَيوم" اليمينية الإسرائيلية في تعليقها على اختيار بايدن له لهذا المنصب علقت بقولها: "إذا كان هناك أخبار سيئة، وهناك الكثير منها منذ تنصيب بايدن في الرئاسة - فإن تعيين روبرت مالي في هذا المنصب من تلك الأخبار"، مستعيدة لقاءات جمعت بين مالي وبعض سياسي حركة المقاومة الإسلامية حماس خلال عمله كمدير لبرنامج الشرق الأوسط في
"مجموعة الأزمات الدولية".

ورغم خبرات مالي ومهاراته الدبلوماسية في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط التي جعلته المرشح الأفضل لإعادة تنشيط الخطة الأمريكية للعودة للاتفاق النووي مرة أخرى، فإنه من السابق لأوانه الحكم على إدارة الرجل لهذا الملف، التي بلا شك ستتأثر كثيرًا بالحملة الممنهجة ضده، التي من الممكن أن تفرمل تحركاته بشكل كبير.

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن مالي ليس الشخص الذي يحدد السياسية الخارجية لبلاده، خطة وتنفيذًا، فوظيفته تقتصر على تقديم الأفكار والمشورة المطلوبة وتقديرات الموقف، كما أن القضية الإيران أعقد من أن يحلها المبعوث الخاص بالرئيس الأمريكي، فللقضية تشعبات وفروع معقدة تحتاج إلى إستراتيجيات بعيدة المدى تتشارك فيها كل أجهزة الدولة، وهو ما يجعل من المبكر جدًا وضع السيناريوهات وترجيح تخمينات بعينها في قراءة إدارة هذا الملف.