"يا بلادي يا عجيبة فيك حاجة محيراني.. نزرع القمح في سنين يطرح القرع في ثواني"، لم يكن هذا البيت التراثي الذي يتغنى به المصريون ليل نهار سوى تجسيد لحالة الفوضى القانونية والفساد الذي نخر عظام الدولة المصرية.

المادة 95 من الدستور المصري تنص على أن "العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون"، بما يعني أن العقوبة يتحملها فاعلها فقط (إذا توافر في حقه ركنا الجريمة المادي والمعنوي) وليس أحد آخر، ولا يحق توريط أي شخص خلاف المتهم ذاته في أي تفاصيل تتعلق بمضمون الاتهام.

لكن الواقع عكس ذلك تمامًا، فالسلطات حين تعجز عن الوصول إلى الشخص المتهم بالإدانة - أيًا كانت إدانته ومدى قانونيتها - تحاول تركيعه والضغط عليه من خلال استهداف أسرته وعائلته، فيدفع المقربون منه ثمن جرم، لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وكل ذلك باسم القانون وتحت شعار "المحافظة على أمن الدولة واستقرارها" وهو الشعار الذي يُغتصب على محرابه القانون ليل نهار.

هذا الأمر يتضح بصورة مؤلمة مع المعارضين والثوار والنشطاء، فهؤلاء هم الصداع المزمن الذي يؤرق مضاجع السلطات الساعية إلى تدجين الشارع وفق أيديولوجيتها التي تهدف من خلالها ترسيخ أركانها دون أي صوت معارض في الداخل أو الخارج.

ورغم مرور عشر سنوات على ثورة 25 يناير 2011، وتشتت المعارضة وجموع الثوار ما بين مطارد ومعتقل وهارب ومستكين، فإن حملات التنكيل بأسرهم لا تزال مستمرة، لا سيما مع المقيمين خارج البلاد، فالنظام حين يريد الضغط عليهم وإذلالهم ليس أمامه سوى ذويهم وأقاربهم، فهم كما يقول المصريون "الحيطة المايلة" التي ترتكن إليها السلطات لشفاء غليلها من المعارضين بالخارج.

ما الهدف؟

وثقت العديد من المنظمات الحقوقية في الداخل والخارج حملات اعتقالات ومداهمات منزلية واستجوابات بالجملة تنفذها السلطات المصرية بين الحين والآخر، بعضها موسمي كما هو الحال قبيل ذكرى ثورة يناير، والآخر اعتباطيًا دون مبرر أو دافع ظرفي أو زمني.

المداهمات في معظمها تستهدف منازل المعارضين والثوار، بعضهم في الخارج والبعض الآخر داخل السجون، كثير منها لا تسفر عن شيء، فيما ينجم عن بعضها اعتقال بعض الأقارب والأصدقاء واستجوابهم في مقرات الاحتجاز لعدة أيام ثم الإفراج عنهم مرة أخرى، أو تركهم داخل غياهب الاعتقال دون عودة.

هناك 3 أهداف رئيسية وراء تلك الحملات، أولها: الانتقام من المعارضين لا سيما من يعجز النظام عن القبض عليهم ممن هم في الخارج، خاصة حال انتقاد أي منهم للسلطات الحاكمة، هنا يكون الرد الانتقامي باتجاه الأهل والمعارف، حيث تمارس ضدهم كل أنواع التنكيل والانتهاكات.

أما الهدف الثاني فيتمثل في الضغط على المعارضين أنفسهم من خلال أهاليهم، وهذا الأسلوب الأكثر اتباعًا مع معارضي الداخل، الأمر الذي قد يدفع المعارض إلى تسليم نفسه في مقابل الإفراج عن أهله، أو أن يتم الضغط عليهم للحصول على معلومات تفصيلية عن أماكن وجوده وعلاقاته وطبيعة نشاطاته.

فيما يتعلق الهدف الثالث والأخير بتخويف أهالي المعارضين وإرهابهم عبر جرس إنذار تحذيري من السير قدمًا في نفس اتجاه الشخص المطلوب، في رسالة مفادها "في حالة التفكير في انتهاج نفس أسلوب المعارضة وانتقاد السلطات الحاكمة سيكون التنكيل والاعتقال هو المصير المحتوم"، وكثير ما تحقق تلك الرسالة أهدافها، وهو ما يتضح جليًا في بعض الحالات التي خرج فيها أقارب المعارض ليتبرأوا منه أو يتهمونه بالجنون، وكل هذا بالفعل تحت ضغط وتهديد من السلطات.

وسواء كانت هذه السياسة من قبيل الانتقام الفج من المعارضين أم الضغط عليهم من خلال أقاربهم، تبقى تلك الجرائم (الموثقة في عشرات التقارير الحقوقية الدولية) سبة في جبين مرتكبيها، لا تسقط بالتقادم، لتظل السنوات العشرة الماضية نقطة سوداء في تاريخ مصر الحقوقي.

انتهاكات بالجملة

في تقرير لها في 19 من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حالات مداهمة منزلية وتنكيل بأسر وأقارب 28 حالةً لصحفيين وإعلاميين وناشطين سياسيين ونشطاء حقوقيين مصريين انتقدوا الحكومة ويعيشون حاليًّا في الخارج.

التقرير استعرض - وفق شهادات الأهالي - ممارسات السلطات ضد ذوي المعارضين خلال الفترة بين 2016 -2019 التي تضمنت انتهاكات خارج نطاق القانون والمظلة القضائية، فيما أرجعها نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، جو ستورك، إلى أنها تأتي "في سبيل تصميمها على إسكات المعارضة، تعاقب السلطات المصرية عائلات المعارضين المقيمين في الخارج، ينبغي للحكومة وقف هذه الهجمات الانتقامية التي ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي".

المنظمة وثقت مداهمة الأمن منازل أقارب 14 معارضًا، ونهب ممتلكات 5 آخرين، بعضها تعرض للتلف العمدي، كما تم منع سفر 20 من أقارب ثمانية معارضين أو صادرت جوازات سفرهم، فيما احتجزت السلطات 20 من أقارب 11 معارضًا أو حاكمتهم.

في بعض الحالات (13 حالة) تم توجيه اتهامات للأهالي بما فيهم "طفل" بالانضمام لجماعات محظورة ونشر أخبار كاذبة، وهي التهم الأكثر شيوعًا من السلطات، فيما تم إحالة 5 أقارب للمحاكمة، واحد فقط تم تبرئته والباقي أُدين، هذا بخلاف بعض ممارسات التعذيب الأخرى داخل مقار الاحتجاز.

أهالي المعارضين في الخارج

العديد من الحالات وثقتها التقارير الحقوقية في هذا الشأن، منها ما تعرض له أقارب المذيع في قناة "الشرق" الحقوقي هيثم أبو خليل، الذي أشار إلى مداهمة الأمن لمنازل ذويه 3 مرات، مرة لشقة والدته (فادية) وثانية لشقيقته (ديانا) والثالثة لشقيقه (عمرو) في الـ2 من أكتوبر/تشرين الأول 2019.

ووفق شهادته فقد سرقت قوات الأمن المداهمة "الهواتف والأجهزة اللوحية [الإلكترونية] وجوازات السفر وجميع الأموال التي عثرت عليها"، أما شقيقه عمرو فقد اقتيد من مقر عيادته بالإسكندرية أمام مرضاه، إلى مكان غير معلوم، ليظهر بعدها بأربعة أيام، ماثلًا أمام نيابة أمن الدولة العيا وظل بمحبسه حتى وفاته في 7 من سبتمبر/أيلول 2020.

كذلك اعتقلت السلطات شقيق المذيع معتز مطر (معاذ) في يناير/كانون الثاني 2018 في منزله بالقاهرة، وظل مجهول المكان لمدة 6 أشهر كاملة، حتى مثل أمام نيابة أمن الدولة العليا، ليواجه حزمة من الاتهامات المتعلقة بالانضمام لجماعات إرهابية ونشر أخبار كاذبة والاحتجاج دون إذن مسبق.

الأمر ذاته تكرر مع المقاول الفنان محمد علي، صاحب الفيديوهات الشهيرة التي فضح خلالها الفساد داخل بعض إدارات المؤسسة العسكرية المصرية، حيث داهمت السلطات مقر شركته في القاهرة في سبتمبر/أيلول 2019 واعتقلت 7 من موظفيه، أفرج عن ثلاثة منهم لاحقًا، هذا بخلاف مداهمة منازل بعض أقاربه (أبناء خاله) في الإسكندرية.

وفي 19 من سبتمبر/أيلول 2020 غرد الناشط وائل غنيم، المقيم في الولايات المتحدة حاليًّا، أن قوات الأمن اعتقلت شقيقه الأصغر (حازم) بسبب الفيديوهات التي نشرها وانتقد فيها النظام المصري، وفي شهادة خالته عن تفاصيل المداهمة قالت "قوات الأمن نهبت غرفة نوم والديه وصادرت 28 ألف دولار أمريكي نقدًا وجوازات سفر العائلة وهواتف محمولة، ثم نقلت حازم إلى مكان مجهول".

كما اعتقلت قوات الأمن شقيق الفنان هشام عبدالله الذي يعمل مذيعًا بقناة "الشرق" وأشقاء زوجته غادة نجيب، الناشطة السياسية المقيمة في تركيا، صيف 2018، وذلك بعد مداهمة منزلهما في القاهرة، حيث مثل أقاربهما أمام المدعي العام بعد اختفاء قسري دام عدة أيام.

أما المنتج بقناة "الجزيرة" عماد الدين السيد فيقول إن قوات الأمن داهمت منزل عائلته في الإسكندرية في 28 من نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بسبب بثه فيلمًا عن التجنيد الإجباري في مصر والانتهاكات المزعومة ضد بعض مجندي الجيش المصري، هذا بجانب استهداف أسر وعائلات بعض الصحفيين العاملين معه في الفيلم.

المدوّن الشهير، عبد الله الشريف، صاحب الفيديوهات الساخرة المعارضة على يوتيوب، أشار إلى مداهمة الأمن منزل والده في محرم بك بالإسكندرية في 8 من أكتوبر/تشرين الأول 2019، وأجبروا والده على تسجيل مقطع فيديو ينتقد فيه نشاط ابنه في محاولة لتشويه صورته لدى متابعيه.

وكانت المنظمات الحقوقية قد وثقت قبل ذلك العديد من الحالات الانتقامية الأخرى بحق أهالي المعارضين، منها علا القرضاوي (نجلة الداعية يوسف القرضاوي المقيم في قطر) وزوجها حسام خلف، حيث تم اعتقالهما تعسفيًا في يونيو/حزيران 2017، وزج بهما في السجن لأكثر من عامين ثم أفرج عنها وبعدها عاودت السلطات اعتقالها مرة أخرى.

وفي الداخل كذلك

الأمر لم يقتصر على استهداف أقارب وأهالي معارضي الخارج فقط، بل الداخل كذلك، وهو ما توثقه بعض التقارير الحقوقية، ومن بينهم اعتقال كمال البلشي (شقيق الصحفي ووكيل مجلس نقابة الصحفيين السابق خالد البلشي) في 20 من سبتمبر/أيلول 2020 بمفرده في أثناء عودته إلى منزله بالقاهرة، بحسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (مستقلة).

بداية إلقاء القبض عليه كانت طبيعية في أثناء عودته من صالة الألعاب الرياضية في وسط القاهرة، بسبب مخالفته حظر التجوال المفروض بسبب وباء كورونا، لم يمكث طويلًا في الحبس حتى أفرج عنه، لكن حين علم الضابط بأنه شقيق الكاتب الصحفي اليساري المشاغب خالد البلشي أعاد القبض عليه مرة أخرى.

وبعد 11 يومًا من الاختفاء القسري ظهر في 1 من أكتوبر/نشرين الأول بنيابة أمن الدولة العليا في مدينة السادس من أكتوبر، ليجد نفسه متهمًا بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وما زال محبوسًا احتياطيًا حتى الآن على ذمة القضية 880 لسنة 2020.

العين الحمراء أظهرتها السلطات مرة أخرى مع الكاتب الصحفي مجدي شندي، رئيس تحرير جريدة "المشهد" (مستقلة) وذلك حين تم القبض على نجله الطالب بكلية التربية الموسيقية في سبتمبر/أيلول 2020 بتهمة نشر أخبار كاذبة، ورغم أن والده لم يكن معارضًا لكن ظهوره على قناة "الجزيرة" رغم دفاعه عن النظام المصري كان السبب وراء تقليم السلطات لأظافره عن طريق نجله الذي أفرج عنه لاحقًا.

قهر الرجال

عشرات القصص والمآسي التي رواها معارضون في الخارج تكشف حجم القهر الذي يتعرضون له ليل نهار خوفًا على أهاليهم في مصر، الذين باتوا هدفًا ثابتًا لقوات الأمن بين الحين والآخر، وفي المواسم الثورية والأعياد السنوية، في الوقت الذي لا يملك أبناؤهم في الخارج إلا الدعاء.

"والدي وشقيقي باتا ضيفين شبه دائمين على مقرات أمن الدولة في ديسمبر/كانون الأول من كل عام (قبيل ذكرى يناير) ليس لهم أي ذنب سوى أنني ابنهم الذي لم يرتكب أي جرم سوى المشاركة في ثورة يناير، حين كان يحلم بمصر المستقبل أكثر عدلًا وديمقراطية"، بهذه الكلمات علق أسامة الثوري المصري المقيم في السودان.

أسامة (45 عامًا) يقول لـ"نون بوست" إنه ابتعد عن العمل السياسي منذ 5 سنوات تقريبًا لكن هذا لم يشفع لأسرته عند السلطات، فباتوا بين الحين والآخر يستدعون والده (70 عامًا) للحضور إليهم لاستجوابه بشأن أمور تتعلق به، وأحيانًا يتم احتجازه لمدة يومين وذات مرة بلغت أسبوعًا كاملًا، هذا بخلاف وابل السباب الذي يتعرض له كل مرة.

وحين يخبرهم الوالد السبعيني أن نجله ترك العمل السياسي وأن كل ما فعله هو المشاركة في ثورة يناير كان الرد "ما هي دي المصيبة"، مضيفًا "بلغ خوفي على والدي وأخواتي أني توقفت عن التغريد على منصات السوشيال ميديا حتى لا أتسبب في إيذائهم رغم أنني متفرغ الأن لعملي في إحدى الشركات التسويقية فقط".

ويضيف الشاب المهاجر قهرًا لوطنه:" إحساس صعب أن يدفع أهلك ثمن جرم لم ترتكبه أنت، وأن يُنال من كرامتهم وعزتهم بسببك، وأنت لا تملك حتى الدفاع عنهم"، متسائلًا: لماذا يخشى النظام من المعارضين في الخارج رغم إحكامه القبض على مقدرات الحكم؟ وحين سألنا عن الإجابة كان رده: الإجابة لديهم هم، أي السلطات نفسها.

أما سالم وهو شقيق أحد الصحفيين الثوريين المعارضين بالخارج فيقول إن والده أصيب بالسكر والضغط بسبب حزنه على ما يتعرض له من تنكيل بين الحين والآخر على أيدي قوات الأمن بسبب شقيقه، لافتًا إلى أن أخيه توقف تمامًا عن العمل السياسي، مكتفيًا بالعمل في إحدى الوكالات الصحفية الدولية، بعيدًا عن الشأن المصري، ورغم ذلك ما زال الأمن يستهدفه.

ويضيف الشاب الثلاثيني في حديثه لـ"نون بوست": "مشهد المدرعات وهي تقتحم شارعنا في إحدى قرى محافظة الشرقية تثير الرعب في نفوس الجميع، كأننا تجار مخدرات أو إرهابيين، مع أن مقر إقامتنا معروف للجميع وكثيرًا ما ذهبنا لمقار أمن الدولة بناءً على خطابات حضور سابقة".

وأمام هذه الوضعية التي شعر معها أهل الصحفي الثوري بأنهم منبوذون في قريتهم بسبب المداهمات بين الحين والآخر، اضطروا لمغادرة بلدتهم إلى محافظة أخرى شمال البلاد، تاركين بيوتهم وممتلكاتهم الزراعية، فيما بقي القهر هو الرفيق الذي لا يود مغادرتهم طيلة السنوات الماضية.

عشر سنين كاملة مضت على الثورة، ورغم فشلها في تحقيق أهدافها - حتى الآن - ومحو الكثير من ملامحها، فإن ذلك لم يكن كافيًا حتى تكف السلطات يدها عن التنكيل بما تبقى من المعارضة، إما بالانتقام منهم عن طريق أهاليهم أم باستهدافهم بالضغط على أقاربهم، ليدفع المعارضون الثمن مرتين، ثمن جريمة الحلم بوطن عفي من جانب وثمن القهر والعجز عن الزود عن أهاليهم من جانب آخر.