لا تزال أصداء قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن، بوقف دعم العمليات العسكرية في اليمن، تفرض نفسها على موائد النقاش السياسي، في ظل ما تحمله من رسائل ودلالات وما تنطوي عليه من احتمالية حدوث تغيرات حقيقية على خريطة الصراع في هذا البلد العربي الذي يتعرض لواحدة من أشرس الكوارث الإنسانية في العالم.

تأتي هذه الخطوة في سياق مراجعة بايدن للسياسة الخارجية لبلاده التي تشمل العديد من القرارات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب السابقة والمتعلقة بالعديد من ملفات الشرق الأوسط وروسيا والصين وكوريا الشمالية، بجانب الموقف من الاتفاق النووي الإيراني.

تزامن هذا القرار مع تعيين تيموثي ليندركنغ مبعوثًا أمريكيًا إلى اليمن، الأمر الذي رفع منسوب التفاؤل لدى البعض بشأن وجود نوايا جادة في إنهاء حالة الحرب ووضع حد للكوارث الإنسانية التي يتعرض لها اليمن بعد 6 سنوات من التدهور، خلفت وراءها عشرات الآلاف من القتلى ومئات الأضعاف من المشردين واللاجئين.

تباين في الآراء حيال الخطوة الأمريكية - غير المفاجئة بحسب بعض الخبراء - وسط حذر شديد بشأن ردود الفعل المحتملة من أطراف النزاع الرئيسية، فيما يبقى التنفيذ على أرض الواقع هو المحك الحقيقي لاختبار تلك التصريحات التي قد يتخوف البعض من أن تكون للاستهلاك المحلي من أجل عودة أمريكا للساحة مرة أخرى، وهو الهدف الذي اتخذه بايدن شعارًا له.

وقف كل أشكال الدعم

الرئيس الأمريكي أعلن رسميًا، الخميس الماضي 4 من فبراير/شباط، وقف جميع أشكال الدعم العسكري من واشنطن لما وصفها بالأعمال العدائية بحرب اليمن بما في ذلك صفقات بيع الأسلحة ذات الصلة، وذلك خلال خطابه الأول الذي تناول السياسة الخارجية التي سوف تنتهجها الإدارة الحاليّة للبيت الأبيض.

وقف الدعم لم ينحصر في الأسلحة وفقط، ففي اليوم التالي مباشرة قيدت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" دعمها الاستخباري والاستشاري التكتيكي المحدود للعمليات التي يشنّها التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، بحسب التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم الوزارة جون كيربي، الذي قال: "بناء على تعليمات الرئيس جو بايدن، أمس الخميس، قطعت وزارة الدفاع كل الدعم غير القتالي، بما في ذلك الاستخبارات وبعض الاستشارات والدعم التكتيكي".

التصريحات أثارت لغطًا بشأن العلاقة مع السعودية، إلا أنه ذكر أن الموقف الحاليّ يتعلق بالوضع في اليمن فقط، مؤكدًا أن المملكة لا تزال شريكًا للولايات المتحدة، مضيفًا "ملتزمون بمساعدة السعودية والشركاء الآخرين في الخليج، في الدفاع عن حدودهم، في ضوء التهديدات من اليمن".

قرار وقف الدعم ليس الأول من نوعه، فقبل سنوات أوقفت واشنطن تزويد الطائرات السعودية بالوقود في الجو، في خطوة اعتبرها البعض حينها مقدمة للموقف الحاليّ، فيما اعتبر الخبير العسكري والمحاور في كلية الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون، ديفيد دي روش، أن الرياض ربما تكون قد خزنت حاجتها من المعدات العسكرية خلال ولاية ترامب التي تضمن لها مواصلة العمليات في اليمن حال تعليق إدارة بايدن عمليات نقل الأسلحة.

لماذا الآن بعد 7 سنوات؟

في 26 من مارس/آذار 2015 أعلن السفير السعودي لدى الولايات المتحدة حينها عادل الجبير، خلال مؤتمر صحفي له في واشنطن، بدء انطلاق عاصفة الحزم بمباركة أمريكية من الدرجة الاولى، وفي الـ4 من فبراير/شباط الحاليّ أعلن الرئيس الأمريكي وقف تلك المباركة بشكل كامل، بعد سبع سنوات من التأييد والدعم.. ما الذي تغير؟

الآثار الكارثية التي خلفتها الحرب في اليمن، من طرفي النزاع، التحالف بقيادة السعودية والحوثيين المدعومين من إيران، أثارت موجة غضب وانتقادات دولية غير مسبوقة، فيما أصدرت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية عشرات البيانات التي أدانت كل المتورطين في تلك الحرب التي صنفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

الجانب الأكبر من الانتقادات وجهت - بجانب السعودية والإمارات - للإدارة الأمريكية السابقة، التي كانت حائط الصد أمام أي محاولات للضغط على الأطراف المتنازعة، الأمر الذي عمق الأزمة وتوابعها، وهو ما أسفر عن ضغوط داخلية من الديمقراطيين على وجه التحديد، لكن تجاهل ترامب لها أجهض تأثيرها.

ومع مرور الوقت تصاعد منسوب الغضب الداخلي حيال السياسات السعودية والإماراتية على وجه التحديد، حتى أكتوبر/تشرين الأول 2018، حين قتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول، لتبدأ مرحلة جديدة من التحول في الموقف السياسي الأمريكي حيال الحلفاء الخليجيين.

ورغم الإجراءات التي اتخذها الكونغرس بشأن وقف الدعم الأمريكي للدولة الخليجية في حربها في اليمن، بجانب الضغط على إيران لوقف تمويلها للحوثيين، والمطالبة بتقديم المتورطين عن مقتل خاشقجي للمحاكمة وعلى رأسهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فإن إدارة ترامب كانت الصخرة التي تحطمت عليها كل تلك المحاولات.

السفير الأمريكي السابق لدى الإمارات العربية المتحدة ديفيد ماك، والخبير حاليًّا بالمجلس الأطلسي في واشنطن، يرى أن قرار بايدن يعد استجابة طبيعية للتطورات التي شهدها الرأي العام الأمريكي ومواقف الكونغرس حيال هذا الملف، مضيفًا في تصريحاته لـ"الجزيرة" أن الشارع الأمريكي، السياسي والشعبي، يعرف أن "هذه الحرب مستمرة منذ سنوات طويلة، وأنها تنطوي على معاناة إنسانية كبيرة للشعب اليمني، ويعرف أيضًا أن السعودية هي الطرف الخارجي الرئيسي في الصراع، والحكومة السعودية الحاليّة لديها صورة سيئة للغاية فيما يتعلق بالعديد من القضايا الإنسانية، وعلى رأسها حرب اليمن".

اليوم ومع قدوم بايدن ربما يتغير الوضع بعدما فقدت أمريكا جزءًا كبيرًا من منظومتها القيمية والأخلاقية على أيدي ترامب، فعودة الولايات المتحدة للشرق الأوسط من باب الدبلوماسية وإحياء دورها الدولي بعد سنوات من العزلة والتقوقع داخل إطارات تحالفية ضيقة، ربما يكون دافعًا قويًا لإعادة النظر في الوضع اليمني برمته، وهو ما أكدته إدارة بايدن أكثر من مرة خلال الأيام الماضية.

 

إعادة النظر في تصنيف الحوثي

دبلوماسية مسك العصا من المنتصف التي تنتهجها إدارة بايدن تواصل مساعيها لمغازلة كل أطراف النزاع في اليمن، بما يحافظ على توازن المشهد وتجنب ردود الفعل القاسية، ففي الوقت الذي أعلنت فيه الخارجية الأمريكية دعمها للشريك السعودي في مواجهة أي اعتداءات من جانب الحوثيين، إذ إنها في الوقت ذاته تشير إلى نيتها إلغاء تصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية.

المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أشار في تصريحات له أن الوزير أنتوني بلينكن ينتوي إلغاء قرار الرئيس السابق في أيامه الأخيرة، بتصنيف الحوثي جماعة إرهابية، وأن الكونغرس تلقى إخطارًا رسميًا بهذا الشأن، ومن المحتمل أن يصدر قرار قريب بإلغاء إدارج المنظمة على قوائم الإرهاب.

هذا التحرك - كما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية - "ليس له علاقة برؤية الإدارة الأمريكية للحوثيين وسلوكهم بما في ذلك الهجمات على المدنيين وخطف المواطنين الأمريكيين" حسب قوله، لكنه مرتبط بصورة أكبر بالتداعيات الإنسانية الكارثية التي يمكن أن تترتب عليه حال استمراره، التي ستزيد من تردي الوضع في الداخل.

تصريحات بلينكن الإيجابية بشأن الحوثي، وتلميحات أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بضرورة تغليب البعد الإنساني على العسكري، قوبلت باحتفاء كبير من وسائل الإعلام التابعة للحوثيين، وأريحية مطلقة لدى أنصار الجماعة المدعومة إيرانيًا، وهو ما يمكن البناء عليه خلال المرحلة القادمة فيما يتعلق بالعلاقات بين واشنطن وطهران.

مغازلة طهران

البعض فسر قرار بايدن بخصوص الحوثي بأنه محاولة لإظهار حسن النية تجاه إيران، وطرق الباب من بعيد لفتح مسار المفاوضات مرة أخرى بشأن الاتفاق النووي، فيما اعتبر آخرون قراره مستقلًا بعيدًا عن أي ضغوط أو أبعاد أخرى، وأنه ضمن مراجعة واشنطن لسياساتها الخارجية في المنطقة.

الباحث في الشؤون الدولية بجامعة أكسفورد صامويل راماني، أشار إلى أنه رغم أن القرار مستقلًا إلى حد كبير، فإن خطوة كتلك يمكن أن تفسر على أنها مغازلة لطهران، لافتًا إلى أن المغازلة الكبرى التي سيكون لها صداها الكبير حين تلغي واشنطن رسميًا قرار تنصيف الحوثي كجماعة إرهابية.

في الجهة الأخرى لا يرى الخبير العسكري دي روش، أي علاقة بين قرار وقف دعم السعودية في حربها ضد اليمن واسترضاء إيران لإحياء مسار التفاوض معها، لافتًا إلى أنه "رغم حرص بايدن على الانضمام مجددًا إلى الاتفاق النووي فإنه لا يريد تقديم تنازلات مبكرة في هذه المفاوضات".

جدير بالذكر أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي الإدارة الأمريكية الجديدة على مدار الأيام الماضية بشأن التعاطي مع إيران تشير إلى حالة من الارتباك والتقلب وغياب وحدة الموقف، بين من يرى سرعة التحرك لبدء المسار التفاوضي ومن لا يرون ضرورة للتحرك في الوقت الحاليّ.

مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي جيك سوليفان، كان على رأس المطالبين بـ"الاستعجال" في التعامل مع هذا الموضوع، على عكس وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي آثر ترحيل هذا الملف، ومع تعيين روبرت مالي كمبعوث بايدن للشأن الإيراني، ربما تميل الكفة مؤقتًا نحو رأي سوليفان.

وفي الأول من فبراير/شباط الحاليّ بدأت لغة بلينكن تتغير بشأن التعامل مع إيران، من التمهل والترحيل إلى التعجل بدعوى أن "إيران قد تكون صارت على مسافة أسابيع لتجميع ما يكفيها من اليورانيوم لصناعة سلاح نووي، وهو ما يستوجب معالجة فورية لأنه لا يحتمل الانتظار، ما يفرض علينا التحرك بصورة عاجلة"، كما جاء على لسان الناطق باسم الخارجية نيد برايس.

هل تنتهي الحرب في اليمن؟

السؤال الأبرز: هل ينعكس قرار بايدن على ميدان المعركة في اليمن؟ سؤال من السابق لأوانه الإجابة عنه بصورة كاملة، في ضوء فقدان هذا القرار تأثيره المتوقع على سير القتال، لا سيما أن السعودية والإمارات لديهما من المخزون العسكري ما يسمح لهما بمواصلة الحرب، حال أرادا ذلك، كما أشار ديفيد روش في تصريحاته سالفة الذكر.

القرار دبلوماسي في المقام الأول، تسعى واشنطن من خلاله إلى إحياء دورها المفقود يمنيًا منذ سنوات، وتخفيف الضغوط الممارسة على الإدارة الأمريكية بسبب دعم القتال الذي أوصل اليمن إلى هذه الحالة المزرية إنسانيًا، هذا بجانب أنه التزام بالتعهدات التي قطعها بايدن على نفسه خلال حملته الانتخابية.

غير أن تنفيذ هذا القرار ميدانيًا وتأثيره على مسار الحرب، أمر غير محسوم بعد، في ظل غياب التفاصيل بشأن أدوات التطبيق ووسائل الضغط المستخدمة، وإن كان ذلك لا يعني أن الأمور ستسير على ما كانت عليه إبان ولاية ترامب، فالمتغيرات الدولية والإقليمية لا شك أنها ستنعكس على الداخل اليمني في ظل إعادة نظر أطراف النزاع في التعاطي مع تلك المتغيرات.

المتحدث الرسمي للحوثيين وكبير مفاوضي الجماعة، محمد عبد السلام، صرح بأن المحك الحقيقي لاختبار تصريحات بايدن بشأن إحلال السلام في اليمن هو "وقف الحرب ورفع الحصار"، لافتًا في تغريدة له على تويتر أن الجماعة لن توقف صواريخها إلا برفع الحصار كاملًا، منوهًا أن صواريخ اليمن للدفاع عن اليمن.

التصريحات الحوثية تشير إلى أن العمليات العسكرية للجماعة التي تستهدف بها قوات التحالف في الداخل وفي العمق السعودي ستتواصل في حال استمرت الغارات الجوية والبرية للقوات، وهو ما يعني أن الحوثيين يلقون بالكرة في ملعب الرياض، فهل تنجح إدارة بايدن في إقناع الحليف السعودي بوقف عملياته مهما كانت الضغوط؟ وما المقابل؟  

وفي الأخير فإن الساحة اليمنية تعد ورقة ضغط - جاهزة للاستخدام في أي وقت - من طهران، تتأرجح صعودًا وهبوطًا مع منسوب التوتر مع واشنطن، وفي المقابل فإن النشاط الخليجي في اليمن مرهون كذلك - بشكل نسبي - بالموقف الرسمي الأمريكي.

وعليه فإن نجاح الدبلوماسية الأمريكية في تخفيف التوتر داخل اليمن كخطوة أولية نحو إنهاء الصراع، يتوقف على عدة عوامل على رأسها مدى جدية إدارة بايدن في تنفيذ هذا الهدف واقعيًا، بعيدًا عن الشعارات الدبلوماسية وطبيعة التعاطي مع ملف الاتفاق النووي الإيراني (هناك معارضة جمهورية قوية تجاه تقديم أي تنازلات لطهران)، وضمان عدم تأثير ذلك على حلفائها الخليجيين.. تحديات مبكرة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة إدارة بايدن على الإنجاز في حزمة الملفات الملغمة التي ورثتها عن ترامب.