فوز دعاة المدنية في الحوار السياسي الليبي

فوز دعاة المدنية في الحوار السياسي الليبي

انتخب المشاركون في منتدى الحوار السياسي الليبي، المنعقد في جنيف، سلطة جديدة لقيادة البلاد في الفترة المقبلة حتى إجراء انتخابات عامة نهاية السنة الحاليّة، سلطة جديدة عكست موازين القوى ما بعد حرب طرابلس، إذ غاب عنها الموالون لحفتر ودعاة الحرب.

السلطة التنفيذية الجديدة

منتدى الحوار السياسي في جنيف انتخب أمس، محمد يونس المنفي رئيسًا للمجلس الرئاسي، فيما تم اختيار نائبين للمنفي هما موسى الكوني المنتمي إلى الطوارق وعبد الله حسين الذي يشغل عضوية مجلس النواب عن مدينة الزاوية في الغرب، كما اختار المنتدى عبد الحميد محمد دبيبة المنحدر من صبراتة رئيسًا للوزراء للفترة الانتقالية.

وحصلت القائمة الثالثة الفائزة في تصويت أعضاء ملتقى الحوار السياسي على 39 صوتًا من أصل 73، في حين حصلت القائمة الرابعة - التي يترأسها عقيلة صالح وبعضوية عبد المجيد سيف النصر من الجنوب وأسامة جويلي من الغرب ورئيس الحكومة فتحي باشاغا من الغرب - على 34 صوتًا.

مثّلت هذه النتائج انعكاسًا لموازين القوى في ليبيا بعد حرب حفتر ضد العاصمة طرابلس

يفترض على رئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومته خلال 21 يومًا، وتسليمها خلال تلك الفترة (21 يومًا) إلى مجلس النواب لمنحها الثقة، وفي حالة تعذر ذلك يتم تقديمها لملتقى الحوار الوطني، وفق ستيفاني وليامز الممثلة الأممية بالإنابة إلى ليبيا.

كما يتوجب على السلطة التنفيذية الجديدة - وفق المبعوثة الأممية - إطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة، تقوم على مبادئ العدالة الانتقالية وتعزيز ثقافة التسامح ودعم اتفاق وقف إطلاق النار بشكل كامل، ما يتطلب إجراءات حازمة لا سيما ما يتعلق بفتح الطريق الساحلي وانسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة.

وكان جميع المرشحين لرئاسة الحكومة قد تعهدوا خطيًا بالالتزام بخريطة الطريق المتفق عليها بتونس وإجراء انتخابات في 24 من ديسمبر/كانون الأول من العام الحاليّ، بالإضافة إلى الالتزام بنتائج التصويت التي سيجريها أعضاء ملتقى الحوار السياسي ومراعاة تشكيل الحكومة وفق الكفاءة والجدارة والتنوع العادل للتمثيل السياسي والجغرافي، ومشاركة المكونات الثقافية والمرأة والشباب على ألا يقل تمثيل النساء عن 30% من المناصب القيادية بالحكومة.

ترحيب داخلي وخارجي

لاقت التركيبة الجديدة للسلطة التنفيذية في ليبيا، ترحيبًا دوليًا وداخليًا كبيرًا، حيث رحبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالاتفاق الذي توصل إليه منتدى الحوار السياسي، ودعا بيان أمريكي أوروبي مشترك جميع السلطات والجهات الليبية الفاعلة إلى ضمان تسليم سلس وبنّاء للسلطة إلى السلطة التنفيذية الجديدة، مؤكدين استعدادهم لمحاسبة كل من يهدد الاستقرار أو يقوض العملية السياسية في ليبيا.

من جهته قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تعقيبًا على النتائج: "أعتقد أن ذلك يمثل اختراقًا"، مضيفًا أنها أخبار جيدة جدًا في بحثنا عن السلام بعد اتفاق لوقف إطلاق النار، بدورها، تمنت وزارة الخارجية الروسية للفريق الجديد حل جميع القضايا الصعبة في الفترة الانتقالية بنجاح، ومن بينها تنظيم استفتاء على الدستور وانتخابات عامة.

فيما أعربت وزارة الخارجية التركية عن ترحيبها باختيار القائمة الفائزة، وعبرت الوزارة عن أملها في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في إطار خريطة الطريق التي حددها ملتقى الحوار الوطني الليبي، وبدئها بمهامها في أسرع وقت.

أما داخليًا، فقد بارك فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني نجاح ملتقى الحوار السياسي في الوصول إلى اختيار سلطة تنفيذية جديدة، وهنّأ الذين تم اختيارهم ودعاهم إلى تحمل مسؤولياتهم في هذه الظروف الصعبة، متمنيًا لهم النجاح في أعمالهم.

بدوره قال وزير الدفاع صلاح الدين النمروش، في تغريدة عبر تويتر: "سندعم رئيسي الرئاسي والحكومة في إستراتيجيتهما ومشروعهما في لملمة وتوحيد المؤسسات بما يعزز من قوتها وصلابتها لبلوغ الأهداف الوطنية في مرحلة بناء وتأسيس ليبيا الجديدة".

دعاة المدنية يفوزون

بالنظر إلى ماضيهم، يتأكد أن التشكيلة الجديدة (رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي الجديد ورئيس الحكومة) تتألف من شخصيات لم تسهم بشكل مباشر في أي حروب أو نزاعات أو صراع عسكري في ليبيا، فجميعهم يؤمنون بالعملية الديمقراطية وضرورة إنهاء الحرب وعودة السلم للبلاد.

بالعودة إلى القائمة الفائزة نفهم ذلك، فرئيس الحكومة في التشكيلة الجديدة عبد الحميد دبيبة (59 سنة) ينحدر من مدينة مصراتة غرب ليبيا، التي كانت صمّام الأمان لحكومة الوفاق في صد عدوان اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد طرابلس والمنطقة الغربية ككل.

ويعد دبيبة من رجال الأعمال الليبيين، وأدار مجموعة من شركات البناء والتطوير، ويشغل حاليًّا منصب رئيس مجلس إدارة الشركة الليبية للتنمية والاستثمار القابضة، وهو بعيد جدًا عن جماعة الشرق، كما أنه مقيم غالبًا في تركيا حليف حكومة الوفاق الوطني.

أشرف عبد الحميد دبيبة على عدد من أعمال البنى التحتية في ليبيا كالمطارات والملاعب وخطوط تمديد المياه، وغيرها من الأعمال، إلى جانب ذلك فهو مؤسس ورئيس تيار "ليبيا المستقبل" الذي ينادي بضرورة توقف القتال في البلاد والبدء في إعادة الأعمار وبسط الدولة المدنية.

أما رئيس المجلس الرئاسي الجديد محمد يونس المنفي، فهو عضو سابق في المؤتمر الوطني الذي انتخب في أغسطس/آب 2012، وعُرف عنه مواقفه المدافعة عن العملية الديمقراطية والدولة المدنية ورفضه لكل أشكال العنف.

ويعد المنفي الذي ترجع أصوله إلى قبيلة "المنفة" في مدينة طبرق شرق ليبيا، من أشد المعارضين لرئيس برلمان طبرق عقيلة صالح والمتمرد خليفة حفتر، وقد لاقى فوزه ترحيبًا كبيرًا من أعضاء الحوار السياسي المنعقد في جنيف.

أثبتت حرب طرابلس أن حفتر لم يعد لديه شيء يراهن عليه، فقد خسر الحرب وتراجعت قواته إلى شرق البلاد حيث كانت

ارتبط اسم المنفي بالاتفاقية الليبية التركية، حيث كان سفيرًا لليبيا في اليونان، وتم طرده بعد زيارة عقيلة صالح لليونان اعتراضًا من أثينا على الاتفاقية الليبية التركية الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني والحكومة التركية عام 2019.

ووفق تصريحات سابقة، أكد محمد المنفي أن ملف حقوق الإنسان أهم وأخطر الملفات في ليبيا، كونه يهدد الدولة والمواطن والعملية الديمقراطية برمتها، كما سبق أن أكد أنه من الضروري أن تكون المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية وأن تكون منحازة للوطن، عكس توجه حفتر.

أما نائبا رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني وعبد الله حسين اللافي، فهما شخصيتان معتدلتان، ولم يشاركا سابقًا في أي أعمال عسكرية، ويُعرف عنهما رفضهما لتمشي اللواء المتقاعد خليفة حفتر والداعمين له.

وجاء فوز هذه القائمة أمام مرشحي جماعة حفتر على غرار عقيلة صالح الذي يرأس برلمان طبرق، وقد عُرف بمواقفه الداعمة للحرب وتأجيج الصراع في البلاد والسماح للمرتزقة بالدخول إلى ليبيا لحرب حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، إلى جانب عدم وفائه بالالتزامات وعرقلته العملية السياسية.

انعكاس لموازين القوى بعد الحرب

مثّلت هذه النتائج انعكاسًا لموازين القوى في ليبيا بعد حرب حفتر ضد العاصمة طرابلس، حيث فاز دعاة الدولة المدنية وخسرت الأطراف التي كانت تدعم الحرب وتنادي بعسكرة الدولة، وفق العديد من المتابعين للشأن العام في ليبيا.

وسعى حفتر والداعمون له لتمهيد الفوز للأشخاص الذين يوالونهم في الحوار السياسي حتى تكون الكلمة الأولى في ليبيا لهم، لكن المجتمعين في جنيف ومن خلالهم الليبيين أكدوا رفضهم لدعاة الحرب خاصة بعد تغير موازين القوى.

أثبتت حرب طرابلس أن حفتر لم يعد لديه شيء يراهن عليه، فقد خسر الحرب وتراجعت قواته إلى شرق البلاد حيث كانت وتضغط القوى الدولية الآن على حفتر حتى يُخرج المرتزقة العاملين معه من الأراضي الليبية لتمهيد الطريق أمام جهود السلام.

حرب طرابلس، غيّرت موازين القوى عسكريًا وسياسيًا أيضًا، فليس باستطاعة حفتر الآن إلا الاستجابة للجهود الدولية والمحلية لفرض السلام في هذا البلد العربي الغارق في الفوضى والعنف منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.

أكدت نتائج الملتقى السياسي في جنيف أن الظروف الراهنة في ليبيا تختلف عما كانت عليه في بداية عام 2020 حين أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر حربًا شاملةً انتهت بفشل حملته العسكرية على العاصمة طرابلس، ما يجعل فرص تحقيق السلام الدائم في ليبيا أمرًا متاحًا.

السؤال المطروح الآن: ما مدى قدرة المنتخبين الجدد على توحيد مؤسسات الدولة الليبية والوصول بالبلاد للانتخابات الوطنية وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية، خاصة أنه من غير السهل أن يتنازل حفتر وجماعته عن الامتيازات التي حققها خلال سنوات الحرب؟