ترجمة وتحرير نون بوست

نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مقالا يتناول تحليلا طويلا لصعود الحوثيين في اليمن، ومسيرتهم منذ كانوا جماعة متمردة في إحدى محافظات اليمن الجبلية إلى سيطرتهم على العاصمة صنعاء، في أحد أهم البلدان استراتيجيا في المنطقة.

وقال التقرير إن مشهد التفجيرات في اليمن صار معتادا بالنسبة لليمنيين، مشيرا إلى التفجير الذي حدث في التاسع من أكتوبر الجاري في ميدان التحرير في صنعاء والذي قتل ما لا يقل عن 47 من أنصار الحوثيين.

بيتر ساليسبري، الصحفي والمحلل الذي يقيم بصنعاء، الذي أعد التقرير، قال إن الحوثيين قلبوا موازين القوى في اليمن، حيث صاروا مؤثرين في صناعة القرار السياسي على أعلى مستوى، وقد سيطروا على العاصمة، وألقوا بمنافسيهم في الوحل.  متسائلا: كيف وصلوا إلى هنا؟!

يقول سالسبري، قبل عقد من الزمان، كان الحوثيون أقل من أن يُذكروا، كانوا مجموعة من طلاب العلم الديني الشيعة، ورجال القبائل والمثقفين الذين يعانون من فقدان الزعيم، جاء هذا الزعيم المنتظر في شخص رجل الدين الزيدي حسين الحوثي.
في أواخر التسعينات وفي وقت مبكر من الألفينات، استقال الحوثي من عضوية البرلمان بسبب ما رآه من الفساد المتأصل في العاصمة، وصار من دعاة إحياء الزيدية، الذين حكموا اليمن لوقت طويل. أصبح الحوثي من منتقدي القوى الأجنبية في المنطقة خلال “الحرب على الإرهاب”، وكان يقود الهتافات “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”

لكن هذا الأمر كان له ثمن، وأعلن علي عبدالله صالح الحرب على الحوثيين، وفي سبتمبر 2004، كان الحوثي يختبئ في كهف في صعدة شمال غرب البلاد حين قُتل. وفي السنوات الست التالية قضى أتباعه يكافحون من أجل البقاء، كانوا يحاربون ضد القوات الموالية للعميد آنذاك، الجنرال الحالي، علي محسن الأحمر.
الأحمر هي قبيلة ساعدت في تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، وهو تحالف من الجماعات القبلية الإسلامية السُنية. كان آل الأحمر يُعدون من الطبقات الدنيا في المجتمع اليمني، ولتمهيد طريقهم لحكم البلاد، قاموا بتهميش متعمد لقبيلة الحوثي، وهم “السادة من آل البيت” الذين حكموا البلاد لقرابة ألف سنة قبل ثورة 1962.

بعد صمود الحوثيين لست سنوات، كانوا قد تحولوا إلى حركة عصابية عالية الكفاءة، وعززوا قدرتهم على مقاومة النظام بشكل دفاعي. في عام 2011، ومع بدء الربيع العربي، بدأ تحول من نوع آخر لدى الحوثيين.

في شهر فبراير، تراجع عبدالملك الحوثي، شقيق حسين، وخليفته في زعامة الحركة في استخدام الخطاب الديني، وأعلن أنه يدعم الانتفاضة المتصاعدة في صنعاء، شجب الرجل الفساد والمحسوبية وغياب الخدمات العامة و -طبعا- التدخل الأجنبي.
سرعان ما تحولت الانتفاضة الشعبية اليمنية إلى صراع نخبوي بين علي محسن الأحمر الذي حاول انتزاع السيطرة على العاصمة من يد صالح بحجة دعم الثورة، وهذا الوضع خلق فرصة للحوثيين للسيطرة على صعدة، وعلى مدار العامين اللاحقين، توسعت تلك السيطرة لتشمل عمران، والجوف، والأولى هي مقر آل الأحمر، والثانية هي منطقة غنية بالغاز إلى الشرق من صعدة.

توسعت المجموعة عبر اعتمادها على استراتيجيات دفاعية وهجومية، واستطاعت اللعب على وتر الظلم الذي طال أمده في تلك المناطق، توسع الحوثيون على مدار 2013 و2014 بعد أن استولوا على عشرات الدبابات وكميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة التي تفوقوا بها بسهولة على منافسيهم في القبائل المحلية الموالين لآل الأحمر.

لكن الوضع لم يكن بهذه الحدة في صنعاء، فقد كانت الظروف مهيأة، إذ أن صنعاء هي موطن عدد من الأسر الزيدية، وفيها الكثير من المثقفين والليبراليين، بالإضافة إلى بقايا نظام صالح، والعديدون من الذين لا يوافقون على طريقة إدارة البلاد. الوضع أسوأ مما هو في عهد صالح، فلم تتحسن مستويات المعيشة، وتصاعد الاقتتال الداخلي، نصف السكان عاطلين عن العمل، ونسبة مماثلة من الشعب تحت خط الفقر، والعديد من الأسماء المرتبطة بصالح احتلت مناصب عليا في الحكومة كجزء من اتفاق تقاسم السلطة، والفساد ليس استثناء!

اليمنيون الذين شاركوا في الثورة تم تجاهلهم، وأدركوا أنه لن تحدث إصلاحات بهذه الطريقة أبدا، الرئيس عبدربه منصور هادي كان مشغولا ببناء  قوته الشخصية بدلا من تأسيس التحول السياسي.
اشتكى البعض من أن التجمع اليمني للإصلاح يحاول الاستيلاء على السلطة، الصراع بين حزب المؤتمر الذي يتبع صالح، وحزب الإصلاح ذي التوجه الإسلامي كان يُنظر له على أنه تعطيل لأداء الحكومة، كما أن حزب المؤتمر لا يزال يسيطر على نصف الوزارات اليمنية، وهو ما أدى لزيادة الاستياء من النظام القديم.

تزايد الغضب أيضا بسبب سماح هادي باستخدام الولايات المتحدة للطائرات بدون طيار، وكانت الضربة القاصمة برفع أسعار البنزين والديزل في محاولة من الرئيس لتجنب أزمة مالية تختمر.

كل خطأ من هذه الأخطاء زاد من دعم الناس للحوثيين! “يعتقد الناس أننا نريد غزو العاصمة من الخارج، لكنهم مخطئون، نحن في العاصمة فعلا، كل ما سيحدث أن أنصار عبدالملك سيلتقطون أسلحتهم ويخرجون إلى الشوارع، وفورا سننتصر!” هكذا قال أحد مؤيدي الحوثي في وقت مبكر من العام الجاري.

في 17 أغسطس، ظهر عبدالملك على تليفزيون تابع للحوثيين وأعلن أن أنصاره سيغمرون صنعاء في اليوم التالي، وسيقيمون احتجاجات يومية واعتصامات لحين الاستجابة لمطالبهم، وأكد أن الثورة سلمية، لكن إذا هوجم المتظاهرون فسيرد الحوثيون. في اليوم التالي، نزل اليمنيون إلى الشوارع بالآلاف. دعا هادي إلى حل سلمي، وحذر من أن الحرب ستكون كارثية سياسيا واقتصاديا.

لكن الإشاعة المقلقة التي تم تداولها في صنعاء، أن الرئيس متردد بسبب أن حكومته حذرته من أنه لا يمكن كسب المعركة ضد الحوثيين، فالجيش أضعفته الانقسامات بالإضافة إلى حربه من أجل السيطرة على جنوب البلاد ضد القاعدة في جزيرة العرب،

يوم 9 سبتمبر، وللمرة الثانية خلال يومين، فتحت قوة أمنية النار على حوثيين يحاولون إقامة اعتصام أمام مكتب رئيس الوزراء ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص، حبس اليمنيون أنفاسهم، هل سيرد الحوثيون؟

وبينما كان جمال بن عمر، المبعوث الأممي لليمن، يلتقي بعبدالملك في صعدة في محاولة أخيرة لإيجاد حل سلمي يوم 17 سبتمبر، اندلع القتال شمال غرب صنعاء، وسرعان ما أصبح هدف الحوثيين واضحا بالنسبة للجميع. اقترب المقاتلون من معسكر للجيش، موال لمحسن الأحمر، وبعد أربعة أيام من القصف، وقع هادي اتفاق سلام مع الحوثيين نُظر إليه على أنه استسلام لهجومهم على العاصمة. الحوثيون فاجأوا الجميع، يقول دبلوماسي غربي إنه فوجئ بالسرعة التي سقطت بها صنعاء.

الكثيرون يتساءلون، كيف أصبحت جماعة دينية صغيرة بهذه القوة؟ الجماعة تتهمها واشنطن والرياض بكونها مدعومة من النظام الإيراني وحزب الله، الحوثيون كانوا قد أعربوا عن إعجابهم بحزب الله في الماضي، لكنهم ينفون ارتباطا به.
يشير آخرون بأصابع الاتهام إلى علي عبدالله صالح، الديكتاتور المخلوع، وإلى ابنه أحمد، الذي كان يدير الحرس الجمهوري حتى 2013. هناك البعض أيضا يتهمون هادي بأنه يستخدم الحوثيين لإضعاف آل الأحمر، لكن الموقف خرج من يديه وسمح للحوثيين أن يذهبوا بعيدا!

اتفاق السلام هذا يعني أنه -للمرة الأولى- سيكون لدى الحوثيين رأي في اختيار الحكومة ورئيس الوزراء ومن المرجح أنها سترشح وزراء أيضا من أعضائها. لكن هل هذا هو اهتمامها حقا؟ أن تكون جزءا في حكومة يقودها آخرون؟ هل تستطيع أن تنتصر على قاعدة الجهاد في الجزيرة؟ ما الذي يريده عبدالملك؟ هل هو كما يتهمه الإصلاح يريد إنشاء دولة شيعية زيدية في اليمن على غرار النموذج الإيراني؟

بعد أسبوع من اتفاق السلام، أبو علي الحكيم، الرجل الذي يعود إليه الفضل في التخطيط للاستيلاء على صنعاء، ظهر بشكل علني في العاصمة، وهو أمر نادر الحدوث. لا يعرف أحد الكثير عن الحكيم، كما أنه نادرا ما يتحدث مع وسائل الإعلام غير التابعة للحوثي.

سأله ساليسبري عما إذا كان يتوقع المزيد من القتال، لكن الرجل أجاب “لا، نحن جزء من المجتمع اليمني، ما يقرره الشعب سنسير وراءه”. لكن عبدالملك قرر أن الحكومة يجب أن تبدأ معركتها مع القاعدة في الجزيرة العربية، وهو موقف من المرجح أن يكون قد تعزز بتفجيرات التاسع من أكتوبر.

يقول ساليسبري في ختام مقاله: وقريب من الحكيم، قابلت مسلحا حوثيا من شباب صعدة أخبرني أن اسمه عبدالجليل، توقف ليتحدث معي وقال “الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، الحرب ستكون في كل مكان، سنذهب إلى العربية السعودية ونهزم الكفار المفسدين”  وبابتسامة هادئة أدار بندقيته على كتفه ورحل.

المصدر: فورين بوليسي