مر قرابة 18عامًا على الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وحزب البعث العربي الاشتراكي، ورغم كل هذه المدة ورغم حظر حزب البعث من العمل في البلاد عقب الغزو، فإن ساسة العراق لا يزالون يخشون من هذا الحزب ومن أتباعه وقياداته، ودائمًا ما يحملونه تبعات ما يحدث.

حزب البعث في العراق

يعود تاريخ وجود حزب البعث في العراق إلى عام 1951، إذ أسسه فؤاد الركابي عام 1951 وكان جزءًا من حزب البعث الأصلي، لكنه غيّر ولاءه إلى حزب البعث العراقي بعد انقسام الحزب الأصلي عام 1966 بين العراق وسوريا.

شارك الحزب في أول حكومة عراقية بعد انقلاب 14 من يوليو/تموز 1958 ضد الملك فيصل الثاني، بينما وصل إلى الحكم لأول مرة بعد انقلاب 8 من فبراير/شباط 1963 الذي قام به ضباط من الحزب، ثم لم يلبث الحزب كثيرًا في الحكم حتى أُبعد وكوادره عن الحكم في حركة 18 من نوفمبر/تشرين الثاني 1963.

بعدها بقرابة 5 سنوات، عاد الحزب إلى الحكم بعد انقلاب 17 من يوليو/تموز 1968، وظل مسيطرًا على الحكم حتى عام 2003، عندما أزاحته القوات الأمريكية عن السلطة وحظرته سلطة الائتلاف المؤقتة في عهد بول بريمر. 

اتهامات للحزب

منذ عام 2003 ورغم اعتقال الآلاف من قيادات حزب البعث واغتيال غيرهم وهروب أعداد كبيرة منهم خارج البلاد، فإن الحكومات العراقية وعلى مدى السنوات الماضية دائمًا ما تتهم الحزب بأنه وراء ما تشهده البلاد من مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية وحتى اجتماعية. 

ففي كل انتكاسة أمنية يشهدها العراق، يبرز اسم حزب البعث كمتهم أول، يقول الخبير الأمني رياض الزبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن حزب البعث وعلى الرغم من أنه انتهى واقعيًا في العراق، فإن الأحزاب السياسية المتنفذة في البلاد لا تزال ترى فيه خطرًا كبيرًا. 

ويتابع الزبيدي "مرد ذلك يرجع لإدراكهم أن حزب البعث استطاع السيطرة على العراق منذ عام 1968 وحتى 2003، ولولا التدخل الأمريكي لما استطاع أحد إخراج الحزب من معادلة حكم العراق، لا سيما أن سنوات حكمه شهدت كثيرًا من محاولات الانقلاب عليه أو محاولات اغتيال صدام حسين ذاته".

وعن واقعية تحميل حزب البعث ما جرى في العراق من أحداث أو جزء منها، يرى الزبيدي أن بعض الأحداث الأمنية عقب 2003 كانت تنسب لحزب البعث وقد يكون ذلك صحيحًا من خلال الضربات التي كانت توجهها بعض الفصائل المسلحة للقوات الأمريكية، لكن الواقع اليوم يقول إن ذلك انتهى في السنوات الأولى للغزو.

ويضيف قائلًا "من المعيب على نظام سياسي أن يتهم حزب البعث بالاضطراب الأمني بعد 18 عامًا على توليه السلطة"، مشيرًا إلى أن اتهام البعثيين بكل ما يحدث في البلاد لا يخرج عن كونه تبريرًا لحالة الفوضى والفساد التي يعيشها العراق، خاصة أن كثيرًا من قيادات الحزب إما قُتلت أو سُجنت أو نُفيت، ومن بقي منهم على قيد الحياة بلغ من العمر عتيا ولم يعد بإمكانه القيام بأي شيء مع تفكك التنظيم بشكل كلي. 

أما عن خشية الأحزاب الحاليّة من عودة البعث، فيرى الزبيدي أن هذه المخاوف المعلنة لا تعدو عن كونها بروباغندا سياسية لتخويف الشيعة من عودة الحزب للحكم، لافتًا إلى أن جميع الأحزاب تدرك أن حزب البعث انتهى سياسيًا وتنظيميًا. 

على الجانب الآخر يقول العضو في حزب الدعوة قاسم محمد جبار إن حزبه لا يأمن جانب البعث لأن لديه تجارب تاريخية، ونجح في العودة إلى السلطة عام 1968، ويمكن أن يكرر تلك التجربة مرة أخرى، خاصة أنه لم يمض كثيرًا على سقوطه.

ويضيف جبار أن خطر البعث لا يزال قائمًا، وأنه يقيم المؤتمر تلو الآخر لإسقاط العملية السياسية، الجميع سمع ربما بمؤتمر ما أسماهم بـ(فلول البعث) بولاية ميتشيغان الأمريكية قبل قرابة العام، فضلًا عن مؤتمر آخر في ألمانيا.

مقارنة الوضع الحاليّ بما كان عليه إبان حكم حزب البعث يرجع لعدم تحسن الأوضاع في البلاد، إذ إن العراقيين يتذكرون من حزب البعث الفقر والحروب العبثية

شماعة حزب البعث

لا يزال كثير من السياسيين يرددون اتهاماتهم لحزب البعث بالمسؤولية عما جرى، ولعل أبرز تلك الاتهامات تمثلت باتهام حزب البعث بالوقوف وراء تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في سيطرته على مساحات شاسعة من العراق في 10 من يونيو/حزيران 2014، وتطورت الاتهامات حتى اتُهِمَ المتظاهرون العراقيون الذين خرجوا في تظاهرات واسعة في أكتوبر/تشرين الثاني 2019 بتبعيتهم لحزب البعث. 

وفي هذا الصدد، يقول الناشط المدني في العراق علي المكدام: "الأحزاب العراقية الحاكمة اتهمت المتظاهرين في السابق بالانتماء لحزب البعث، وأنهم عملاء للسفارات الأجنبية، لكن هذه الأوصاف كلها سقطت تباعًا بعد أن تبيّن نظافة التظاهرات والمتظاهرين، لا سيما أن غالبيتهم عادوا إلى منازلهم مخذولين، وتسيطر عليهم مشاعر خيبة الأمل".

من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع مصطفى أحمد أن الحكومات العراقية بعد 2003، فشلت في إقامة منظومة سياسية تحفظ مصلحة العراقيين وتنسيهم سنوات الحصار والظلم الذي كانوا فيه، وبالتالي بات بعض سياسيي اليوم يشيرون إلى أن نظام صدام حسين كان أفضل بكثير من النظام القائم اليوم. 

ويتابع أحمد في حديثه لـ"نون بوست": "مقارنة الوضع الحاليّ بما كان عليه إبان حكم حزب البعث يرجع لعدم تحسن الأوضاع في البلاد، إذ إن العراقيين يتذكرون من حزب البعث الفقر والحروب العبثية، إلا أنهم لا ينكرون أن العراق كان يتمتع بوضع أمني داخلي غاية في الهدوء، وهو ما يفتقده العراقيون منذ 18 عامًا". 

أما المحلل السياسي محمد عزيز فيرى أن حزب البعث في العراق عكف على نشر رسائل متعددة منذ عام 2003 عن طريق عزة الدوري، إلا أن هذه الرسائل والخطابات لا تخرج عن كونها رسائل سياسية ومنكافة إعلامية للنظام الحاكم في العراق. 

ويؤكد عزيز أن حزب البعث انتهى كليًا في العراق، ولا عودة له بأي حال من الأحوال، خاصة أن المدة الزمنية التي انقضت على إسقاطه من حكم البلاد طويلة، وأن الحزب خسر قواعده الشعبية ومراكز تنظيمه، وبالتالي فإن وجود البعث في العراق سيظل في الذاكرة ومتعلقًا بما تكشف عنه الوثائق السرية للاستخبارات الأجنبية أو المقربين منه لا أكثر. 

وعن ظهور رغد صدام ابنة الرئيس الراحل صدام حسين على شاشة قناة العربية مؤخرًا، يقول عزيز إن ظهورها في هذا التوقيت له دلالات سياسية إقليمية، خاصة إذا علمنا أن قناة العربية ممولة سعوديًا، مستبعدًا عودة الحزب للعراق جملةً وتفصيلًا. 

يبدو أن حزب البعث سيبقى وسيلة للساسة العراقيين لتحميله مسؤولية إخفاقاتهم المستمرة منذ 18 عامًا، في بلاد لا تزال تئن من ويل ما تشهده من تدخلات إقليمية ودولية وسط ازدياد كبير في معدلات الفقر والبطالة واحتلال البلاد المراكز الأخيرة في مؤشرات التنمية العالمية.