كثيرٌ من السودانيين لم يفاجئهم قرار الحكومة الذي قضى بتوحيد سعر الصرف الرسمي والموازي للعملة الوطنية "الجنيه"، وهي الخطوة التي عُرفت بـ"التعويم الجزئي"، أي خفض قيمة الجنيه بشكل لافت وفق تبني سياسة سعر الصرف المرن المُدار.

بدأت إرهاصات خفض قيمة الجنيه السوداني في المصارف ليكون مطابقًا لسعره في السوق السوداء منذ العام الماضي، عندما أعلن وزير المالية السابق إبراهيم البدوي زيادة كبيرة في رواتب الموظفين الحكوميين، كان الاتفاق حينها أن يعقب تلك الزيادة قراران أحدهما برفع الدعم عن المحروقات، وقرار آخر بتعويم العملة، لكن يبدو أن الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تخوفت من ردة الفعل الشعبية، فآثرت تأجيل الخطوات التي كان يفترض تنفيذها العام الماضي.

ضغوط دبلوماسية غربية 

أدى تأجيل صدور قرارات رفع الدعم وتعويم العملة السودانية إلى حالة من الإحباط لدى المانحين الدوليين الذين انفتحوا على السودان عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، وأعلنوا دعمهم للحكومة الانتقالية التي يفترض أن تفتح المجال أمام التحول الديمقراطي في السودان من جديد.

وقبل قرار التعويم، قال دبلوماسيون ومحللون لوكالة رويترز إن الفشل في خفض قيمة العملة السودانية أدى إلى تأخير مئات الملايين من الدولارات من المساعدات لبرنامج الرعاية الاجتماعية الممول من المانحين الذي يهدف إلى تخفيف آلام الأزمة الاقتصادية.

اللافت أن تقرير رويترز وصف الحكومة المدنية في السودان بأنها "ضعيفة وعالقة في ترتيب غير سهل لتقاسم السلطة مع الجيش"، وأنها واجهت مجموعة من التحديات بما في ذلك فيضانات قياسية وعدم الاستقرار على الحدود مع إثيوبيا وفيروس كورونا، فضلًا عن انتشار العنف في المنطقة الغربية من دارفور بعد خروج قوات حفظ السلام الدولية. 

وللتذكير فإن تفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان كان السبب الأول الذي أدى إلى اندلاع ثورة شعبية كان نتيجتها سقوط نظام البشير، لكن الوضع انحدر إلى الأسوأ بعد الثورة، إذ بلغ معدل التضخم في الأيام الماضية 304% وهو من أعلى المعدلات في العالم، كما انخفض الجنيه السوداني بشكل متسارع في السوق الموازية خلال الأيام التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة وهي الثانية بعد سقوط البشير ونظامه.

لم يستغرب الناس عندما أسند رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك حقيبة المالية في الحكومة الانتقالية الجديدة، التي أعلنت مطلع الشهر الحاليّ، لرئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، فسبق أن توقعت تقارير إعلامية إسناد حقيبة المالية إليه بعد اتفاق قادة الجبهة الثورية، التي تنضوي تحت لوائها معظم الحركات المسلحة على ترشيحه لشغل منصب وزير المالية والاقتصاد الوطني.

قرار التعويم لم يكن وليد إرادة وطنية، بل كان استجابة غير مبررة من الطبقة الحاكمة لضغوط أجنبية مكثفة

لم يسبق أن تولى إبراهيم مناصب اقتصادية تنفيذية في السابق بخلاف أنه كان مديرًا لشركة عزة في السنوات الأولى من حكم البشير، وعزة هي إحدى الشركات المرتبطة بالحزب الحاكم سابقًا عندما كان جبريل إبراهيم أحد قياداته، وبعد أن اختار وشقيقه الراحل خليل طريق العمل العسكري ضد نظام البشير عبر تأسيس حركة العدل والمساواة، شغل جبريل إبراهيم منصب المستشار الاقتصادي والمالي للحركة، قبل أن يتم اختياره رئيسًا لها بعد مصرع شقيقه خليل.

تطمينات وزير المالية 

حاول وزير المالية جبريل إبراهيم بث تطمينات للشعب السوداني بعد صدور قرار تعويم الجنيه، مؤكدًا اتخاذ الحكومة لكل التحوطات الكفيلة باستقرار سعر صرف العملة المحلية.

جاء تصريح الوزير عقب ساعات من إعلان البنك المركزي، توحيد سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، وأقرّ إبراهيم في مؤتمر صحفي بشأن الحزمة الاقتصادية الجديدة، أن للسياسات الجديدة آثارًا تضخميةً بيد أنه استدرك وقال: "الحكومة اتخذت كل التحوطات التي ستؤدي إلى استقرار وتحسن سعر صرف العملة المحلية"، منوهًا إلى أنه بعد حين سيتم القضاء على العجز في الموازنة العام.

وبالتزامن مع قرار تعويم الجنيه، أصدر بنك السودان المركزي، ضوابط تنظيمية جديدة لحسابات النقد الأجنبي للجهات المصدرة للخدمات من شركات وأسماء أعمال مسجلة في السودان ومملوكة لسودانيين أو أجانب بموجب عقود ملزمة الدفع بالنقد الأجنبي.

وسمح بنك السودان عبر الضوابط الجديدة بفتح حسابات مكتبية بالنقد الأجنبي تسمى حسابات خدمات للجهات المصدرة دون الرجوع لبنك السودان، وألزم بتغذية الحسابات بالنقد الأجنبي للجهات المذكورة عبر التحويلات من الخارج وشيكات مغطاة مسحوبة من الحسابات الخاصة بالداخل نظير خدمات بالنقد الأجنبي، ومن قيمة متحصلات الخدمات المقدمة من الجهات والمؤسسات الحكومية للأجانب التي تدفع بالنقد الأجنبي بكل طرق الدفع بما فيها النقدي والبطاقات الإلكترونية كفيزا وماستر وغيرهما.

انتقادات لاستجابة الحكومة للضغوط الدولية

الخبير الاقتصادي خالد التيجاني جزم بأن قرار التعويم لم يكن وليد إرادة وطنية، بل كان استجابة غير مبررة من الطبقة الحاكمة لضغوط أجنبية مكثفة، عجزت الحكومة التي وصفها بـ"المعزولة من قاعدتها الشعبية"، عن تحمّل وطأتها، لتخضع لعملية ابتزاز دولية، لم تكن الأولى، مذكرًا بالابتزاز الدبلوماسي الذي أدى إلى فرض التطبيع مع "إسرائيل" للشطب من لائحة الإرهاب، والابتزاز المالي لبلد مفلسٍ دفع فدية غير مستحقة، والآن جاء الدور على الابتزاز الاقتصادي. 

وتابع خالد التيجاني "جاء وزير الخزانة الأمريكي للخرطوم في يناير، وقالها بصراحة: لا سبيل للاستفادة من التعهدات الأمريكية بما في ذلك القرض التجسيري قبل معالجة سعر الصرف، وجاء مبعوث بريطاني وكرّر الأمر نفسه حين أعلن عن قرض تجسيري آخر، وكذلك ما صدر عن آخر اجتماع لأصدقاء السودان في برلين نهاية الشهر الفائت الذي طالبوا فيه الحكومة بالالتزام بالتنفيذ السريع لمزيد من خطوات الإصلاح، وشدّدوا على الحاجة الملحة لمعالجة سعر الصرف دون مزيد من التأخير، هكذا دون مواربة".

دفاع عن التعويم 

وزير المالية السوداني السابق إبراهيم البدوي دافع عن قرار تعويم الجنيه، قائلًا إن نظام سعر الصرف "المعوَم" هو أفضل خيارٍ متاحٍ لإعادة التوازن للعملة الوطنية وتقليص العجز الهيكلي في الحساب الجاري وتوحيد سعر الصرف والقضاء على السوق الموازية، لكنه لفت إلى أن التعويم يحمل مخاطر السقوط الحر لسعر الصرف والتضخم الانفجاري إذا لم يتم دعمه باستيفاء شرطين أساسيين أولهما: منع تمويل المصروفات وعجز الموازنة بصورة عامة عن طريق الاستدانة من البنك المركزي بصورة عشوائية وغير مبرمجة، وهذا يتطلب تقليص عجز الموازنة إلى أقصى حد وكذلك توفير قنوات تمويلية غير تضخمية لإدارة السيولةً.

أما الشرط الثاني، فيتمثل في ضرورة تحول الدولة إلى بائع صافٍ للنقد الأجنبي لتمويل واردات السلع الإستراتيجية بواسطة القطاع الخاص، كما يشير إبراهيم البدوي إلى أن تثبيت سعر الصرف الرسمي كخيار، يعنى استمرار الوضع القائم، في حين أن تبنّي نظام سعر الصرف المُدار لا محالة سيوفر هدفًا مثاليًا للمضاربين الذين سيعملون على وأده في مهده تمامًا كما حدث في عهد النظام السابق عام 2018.

الحملة وجدت استجابة جيدة رغم عدم إعلان الحكومة عن حوافز حتى الآن، ذلك أن المغتربين السودانيين لعبوا دورًا مقدرًا في دعم الثورة وإسقاط نظام البشير

معضلة فاتورة الواردات

رغم الإيجابيات التي ذُكرت لقرار تعويم الجنيه السوداني، فإن المعضلة الأبرز تتركز في الواردات السودانية التي تجعل من الصعوبة بمكان معالجة العجز الهيكلي في الميزان التجاري باللجوء لحظر الواردات، نسبةً لأن أكثر من 85% من الواردات السودانية إما سلع إستراتيجية وإما مدخلات إنتاج ضرورية، وبالتالي لا يمكن معالجة أزمة شح النقد الأجنبي ووضع حد لتدهور قيمة العملة الوطنية بهذه الطريقة.

وللتعامل مع هذه المعضلة يطرح خبراء اقتصاديون استمرار تحريك سعر الصرف لتصفية السوق الموازية لإنعاش الصادرات وإحلال الواردات لجسر هوة تقدر بنحو 5 مليارات دولار يتم تمويلها من السوق الموازية.

حملة لتشجيع المغتربين 

هناك جانب آخر لا يقل أهمية وهو ضرورة استقطاب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، المقدرة بمليارات الدولارات، لكن هذه الخطوة رهينة بتشجيع المغتربين على تحويل أموالهم عن طريق القطاع المصرفي، ويمكن في هذا الشأن الاستفادة من تجارب الدول المجاورة في جذب مدخرات وتحويلات العاملين بالخارج.

وقد أطلق عدد غير قليل من المغتربين السودانيين حملةً في الأيام الماضية لتشجيع بعضهم البعض على التحويل بالطرق الرسمية بدلًا عن السوق الموازية.

الحملة وجدت استجابة جيدة رغم عدم إعلان الحكومة عن حوافز حتى الآن، ذلك أن المغتربين السودانيين لعبوا دورًا مقدرًا في دعم الثورة وإسقاط نظام البشير

ؤ

ومما لا شك فيه أن قرار تعويم الجنيه السوداني يشبه الخطوة الانتحارية، فإما أن تنجح وتحقق الاستقرار المطلوب "ولو نسبيًا" في سعر الصرف وبالتالي تساعد في إنقاذ الاقتصاد المتهالك وإما أن تؤدي إلى كارثة تدفع بالعملة السودانية إلى الهاوية.