طفا إلى سطح المشهد الجزائري قبل أيام قليلة فقط من الذكرى الثانية للحراك الجزائري، مقترح المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجالات بوتفليقة الضالعين في قضايا الفساد، مقابل استرجاع الأموال المنهوبة من الخزينة العمومية التي تفوق، بحسب تحقيقات أمنية، عشرات المليارات من الدولارات. 

طرح هذا المقترح رئيس حزب جبهة المستقبل (حزب سياسي جزائري حديث النشأة)، عبد العزيز بلعيد (المرشح السابق للانتخابات الرئاسية)، إذ قال في مؤتمر صحفي عقده عقب لقائه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن عددًا كبيرًا من ولاة الجمهورية (حكام الولايات) ورؤساء بلديات وإطارات في مختلف الإدارات والمؤسسات الحكومية، أجبروا وأكرهوا على الفساد وكانوا تحت ضغوطات النظام السابق (في إشارة منه إلى نظام الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة)، ونفذوا أوامر غير قانونية صادرة من جهات عليا، ليجدوا أنفسهم خلف القضبان والمساءلة في أروقة المحاكم.

واستدل المتحدث بـ"المسؤولين الذين كانوا يتلقون أوامر فوقية بمنح صفقات وقطع أراض أو عقارات لصالح أشخاص أو رجال أعمال لأن طبيعة النظام السابق كانت تسير وفق هذا المنهج، حيث تعد الرشوة أمرًا طبيعيًا، لذلك يجب التفكير في إمكانية إبرام مصالحة اقتصادية مع هؤلاء وفتح نقاش وحوار بشأن النظام بشكل كامل"، وأنهى تصريحاته بالقول: "إننا كنا جميعًا ضحايا لهذا النظام الفاسد". 

ويقترح بلعيد (أصغر منافس للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الانتخابات الرئاسية الماضية)، فتح نقاش معمق عن هذا المقترح الذي سبق أن تبنته الجارة تونس سنة 2017 وأحدث جدلًا صاخبًا في الساحة وقتها. 

الأقواس المفتوحة اليوم في الجزائر: كيف ستتجاوب السلطة السياسية في البلاد مع هذا المتقرح خاصة أن محاكمات الفساد التي انطلقت مباشرة بعد سقوط نظام بوتفليقة وحتى قبل وصول تبون إلى سدة الحكم في البلاد شارفت على الانتهاء ولم يحصل فلسًا واحدًا من الأموال المنهوبة رغم أنها كانت من بين أولويات القاضي الأول للبلاد في برنامجه الانتخابي. 

تباطؤ في الاسترجاع

خطت القيادة السياسية الجديدة في البلاد خطوات بطيئة للغاية لاسترجاع الثروات المنهوبة وأقرت بصعوبة المهمة، إذ قال الوزير المستشار للاتصال في رئاسة الجمهورية سابقًا والناطق الرسمي باسمها محند سعيد أوبلعيد، في تصريح صحفي أدلى به في مايو/آيار الماضي، إن استرجاع الأموال المنهوبة سيتم بعد صدور الأحكام القضائية النهائية ضد المتهمين في القضايا، وهي العملية التي تخضع لإجراءات دولية ليست بالسهلة خاصة في ظل غياب أرقام رسمية عن الثروات التي حولها رجالات بوتفليقة إلى حساباتهم الخاصة.

رجحت تقارير أن المعنيين هم مسؤولون كبار في الدولة الجزائرية بينهم وزراء بعضهم فارين من العدالة، كونوا أموالًا طائلة هربت إلى فرنسا

وفي محاولة منها لإخماد الغضب الشعبي المتعاظم واسترضاء الشارع، وجهت السلطات القضائية الجزائرية شهر أغسطس/آب الماضي، إنابة قضائية لنظيرتها الفرنسية، تعتبر الوحيدة التي أُصدرت إلى غاية خط هذه الأسطر، بهدف الشروع في التحقيق مع عشرات المحسوبين على نظام الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة. 

إذ ذكرت مجلة "لوبوان" الفرنسية أن وزارة العدل في الجزائر بعثت بطلب رسمي لنظيرتها الفرنسية لإنابة قضائية بغرض الفصح عن ممتلكات عشرات المسؤولين المقربين من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، وبحسب التفاصيل التي نقلتها المجلة فإن المعلومات التي طلبتها الجزائر لا تتعلق فقط بملفات التهرب الضريبي بل تتجاوز ذلك بكثير. 

ولم يفصح التقرير الفرنسي عن هوية الأسماء المعنية، في وقت رجحت تقارير أن المعنيين هم مسؤولون كبار في الدولة الجزائرية بينهم وزراء بعضهم فارين من العدالة، كونوا أموالًا طائلة وهربت إلى فرنسا ودول أخرى خلال العشريتين الماضيتين.  

ولا توجد أرقام رسمية لحجم الأموال التي نهبها النظام السابق والموجودة حاليًّا في دول غربية وهو ما كشفه خبراء في الاقتصاد في تصريحات سابقة لـ"نون بوست"، إذ قالوا إن استردادها يتطلب إجراءات طويلة وعويصة لأن أغلبها حولت إلى ما يعرف بـ"الملاذات الضريبية" (الأماكن التي يحتفظ فيها رجال الأعمال وغيرهم من الأفراد الأثرياء، بأموال في حسابات خارجية لتجنب الضرائب). 

فقاعة إعلامية أم مبادرة حقيقية؟

تعليقًا على هذا المقترح الذي يأتي في وقت يشهد الميدان في الجزائر حراكًا سياسيًا بمناسبة الذكرى الثانية لانطلاق الحراك الشعبي في 22 من فبراير/شباط 2019 وفي وقت تشهد البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية، يقول الباحث في الشؤون السياسية مبروك كاهي، في تصريح خاص لـ"نون بوست" إنه مجرد خطاب موجه للاستهلاك الشعبي وتوجيه الرأي العام المحلي نحو اتجاه معين، فالمصالحة الاقتصادية والمالية لا يمكن أن تبرم إطلاقًا دون معرفة حجم الأموال التي نهبها رجال النظام السابق ومكان وجودها، حيث اختلفت تقديرات الخبراء والمتتبعين للمشهد الاقتصادي في وقت لم تفصح السلطة في البلاد عن أي أرقام رسمية. 

الباحث في الشؤون السياسية يرى أن الحديث عن أي مصالحة في الظرف الراهن دون محاسبة فعلية هو تهرب من المسؤولية وتشريع لاستمرار الفساد ونهب المال العام. 

أما الناشط السياسي محمد حديبي، فيرى أن موضوع المصالحة الاقتصادية المطروح من طرف البعض هو مصطلح دخيل يتناقض مع دولة تحترم القوانين، وتساءل المتحدث في هذا السياق قائلًا: "كيف للقانون أن يعاقب مواطنًا لأنه سرق هاتف بخمس سنوات نافذة، ويتصالح في نفس الوقت مع لص خان الأمانة التي وضعت فيه وسرق أموال شعبه بآلاف المليارات".

الخبير الاقتصادي الجزائري ناصر سليمان يساير الطرح المتوجه نحو إبرام مصالحة مالية واقتصادية مع ناهبي المال العام

يقول حديبي (البرلماني السابق) في تصريح لـ"نون بوست" إن هذا المقترح قد يعيد الجزائر لمربع الصفر ويدفع الشارع إلى خيار أكثر قساوة، فالجزائريون ما زالوا غير راضين عن محاربة الفساد وما زالوا ينتظرون إجراءات أكثر جرأة، ليتفاجأوا ببروز مصطلح المصالحة الاقتصادية.

ويخالفه في الرأي الأستاذ في القانون الدستوري الدكتور قزو محمد آكلي، لأنه يعتقد أن المقترح الذي تقدم به منافس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في رئاسيات 2019 هو محاولة لجس نبض الشارع المحلي وقد يدخل هذا ضمن سيناريوهات المرحلة القادمة، ولا يستبعد إمكانية لجوء السلطة السياسية في البلاد إلى هذا الحل من أجل استرجاع الأموال المنهوبة خاصة بعد فشلها في استردادها بالطرق القانونية والقضائية والتشريعية والدبلوماسية المعروفة. 

وفي حالة ما إذا انتهجت السلطة السياسية في البلاد هذا السيناريو في المرحلة القادمة، فإن المهمة ستكون صعبة للغاية حسب قراءة الأستاذ في القانون الدستوري بالنظر إلى عودة الزخم الجماهيري إلى الشارع بعد تعليق اضطراري دام 11 شهرًا بسبب جائحة كورونا.

الخبير الاقتصادي الجزائري ناصر سليمان يساير الطرح المتوجه نحو إبرام مصالحة مالية واقتصادية مع ناهبي المال العام لأن مسألة استردادها صعبة ومعقدة للغاية، فأغلب الأموال موجودة في الملاذات الآمنة، ويقترح المتحدث نموذجين لاسترداد ما ضاع يتعلق الأول بالنموذج المصري الذي يقضي بإعفاء محاكمة الفاسدين مقابل استرجاع كل ما تم نهبه، أما الثاني فيتعلق بالنموذج السعودي الذي يتمثل في إلقاء القبض على المتورطين في قضايا الفساد وإجبارهم على دفع قطاع عريض من أموالهم للخزينة العمومية مقابل إطلاق سراحهم.