"هو أنا لحقت أدفع فلوس التصالح عشان أدفع رسوم التسجيل في الشهر العقاري؟ أنا بفكر أبيع الشقة أفضل لي والله"، بهذه الكلمات علق الحاج عثمان، على التعديل التشريعى الجديد بقانون الشهر العقارى الخاص بتسجيل العقارات والمنشور بالجريدة الرسمية بالقانون رقم 186 لسنة 2020 الذي من المقرر أن يبدأ سريانه في 4 من مارس/آذار القادم.

المواطن السبعيني الذي قضى أكثر من نصف عمره متغربًا بين دول الخليج لبناء بيته المكون من دورين على مساحة لا تزيد على 100 متر مربع انتقد قرار الحكومة الجديد بقوله إنها "تقتل الشعب بالبطيئ"، مضيفًا بنبرات تعلوها الألم والحسرة أن ما يتعرض له المواطن اليوم لم يتعرض له حتى وقت الاحتلال الأجنبي لمصر، مختتمًا حديثه "كرهونا في البلد".

لم يفق المصريون بعد من صدمة قانون التصالح في مخالفات البناء الذي كلف أصحاب الشقق عشرات آلاف الجنيهات لتقنين أوضاعهم العقارية تجنبًا لتهديدات الهدم والطرد في الشارع، حتى استيقظوا على تعديل جديد يكبدهم أضعاف المبالغ المدفوعة للتصالح من أجل التسجيل في الشهر العقاري.

الحكومة تلمح إلى أن التعديل الجديد ليس فرضًا على الجميع، وهو مسألة اختيارية - رغم تأكيد البعض على صفته الإلزامية -، إلا أنها في الوقت ذاته ربطت بين التسجيل والحصول على المرافق العامة (مياه وكهرباء وغاز طبيعي وصرف صحي) فالعقار غير المسجل لن يتمكن ملاكه من إدخال تلك المرافق.

انتقادات عدة وجهها المواطنون للحكومة والبرلمان على حد سواء، بالعمل الممنهج لإفراغ جيوب المواطنين، من أجل سد العجز الهائل الذي تعاني منه البلاد بسبب الإسهال في سياسة الاقتراض خلال السنوات السبعة الماضية، حيث تجاوز حجم الدين الخارجي 112 مليار دولار، هذا بخلاف الديون التريليونية الداخلية، الأمر الذي دفع النظام إلى استهداف جيوب الغلابة لسد ولو ثغرة واحدة من هذا الشرخ الكبير في منظومة الاقتصاد الوطني.

ضربة جديدة للغلابة

وفق التعديل الجديد فعلى صاحب العقار دفع 2.5% من قيمة الوحدة المدونة بعقد البيع ضرائب عقارية، يتم تحصيلها بمكتب الشهر العقاري، ونسبة 1% تسدد في نقابة المحامين الفرعية لكل منطقة أو محافظة، فيما بلغت رسوم التسجيل مبلغًا لا يزيد على 2000 جنيه، بالإضافة إلى 125 جنيهًا.

وتبدأ إجراءات التسجيل بتقديم المستفيد طلبًا لتوثيق عقاره ثم "يُعطى الطلب رقمًا وقتيًا وينشر المكتب على نفقة الطالب إعلانًا في إحدى الصحف اليومية واسعة الانتشار لدعوة من لديه اعتراض على تسجيل الحكم لتقديم اعتراضه أمام قاضي الأمور الوقتية خلال شهر من تاريخ النشر، ويفصل في الاعتراض خلال سبعة أيام بقرار نهائي مسبب، فإذا انقضى الموعد المذكور دون اعتراض من ذوي الشأن أو رفضت الاعتراضات تحول الرقم الوقتي المعطى إلى رقم نهائي" بحسب نص التعديل.

رئيس اتحاد موثقي مصر، وليد فهمي، في تصريحات له كشف أن رسوم الوحدة السكنية مساحة 100 متر على سبيل المثال تقدر بـ500 جنيه، فيما تبلغ رسوم الـ200 متر، 1000 جنيه، أما الـ300 متر فرسومها تقدر بقيمة 1500 جنيه، فيما تقدر رسوم الوحدة السكنية التي تزيد على 300 متر بـ2000 جنيه، جميعها شاملة رسم المساحة.

يذكر أن السواد الأعظم من الثروة العقارية المصرية غير مسجلة في الشهر العقاري، ما يعني أن العائد المتوقع سيتجاوز عشرات المليارات من الجنيهات، وفق ما ذهب رئيس جمعية الحفاظ على الثروة العقارية، حسين جمعة، الذي أكد أن 75% من العقارات بمصر غير مسجلة، و300 ألف عقار في مصر يوجد بهم مشاكل فنية.

17 مليار جنيه عائد التصالح

يأتي التعديل الجديد في الوقت الذي ما زال فيه التقدم على التصالح في مخالفات البناء قائمًا، وهو الأمر الذي أثار الجدل بشأن الدوافع والأهداف وراء مثل هذه التحركات التي تستهدف جمع أكبر قدر من الأموال من جيوب المواطنين في أقل وقت، يتزامن ذلك مع تفاقم الوضع الاقتصادي للبلاد.

وزير التنمية المحلية، محمود شعراوي، كشف أن عدد من تقدموا بطالبات التصالح تجاوز 2.7 مليون مواطن، وما زالت الأعداد في تزايد، فيما بلغت الحصيلة المالية قرابة 17 مليار جنيه، وهي نسبة 25% من القيمة المتوقعة، إذ يتيح القانون للمستفيد دفع ربع القيمة أولًا ثم جدولة الباقي على 3 أقساط أخرى.

وكانت الحكومة قد أصرت على تمرير هذا القانون عن طريق البرلمان السابق "مسلوب الإرادة" من أجل إنعاش خزانة الدولة التي تعرضت لضربات متتالية بسبب حزمة المشروعات التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي رغم تأكيد الكثير من الخبراء عدم جدواها في الوقت الحاليّ، كما هو الحال في بناء قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية وعشرات الطرق التي لا تخدم إلا حفنة قليلة من رجال الأعمال فقط.

القانون قوبل حينها برفض شعبي غير مسبوق، لكن أصوات المهجرين من منازلهم لم تشفع لهم أمام جرافات الهدم التي أسقطت "شقا عمر" العشرات أمام أعينهم في لمح البصر، في الوقت الذي يتمتع فيه أباطرة المال بالعديد من المشروعات التي لم يقترب منها أحد، الأمر الذي عزز من وضعية الاحتقان الشعبي.

جيوب الغلابة لستر عورة الحكومة

ما كان لنظام السيسي أن يلجأ لمثل هذه الخطوات التي تستهدف جمع أكبر قدر من الأموال إلا بعد أن ورط نفسه في مأزق اقتصادي بات من الصعب الخروج منه في الوقت الراهن، فالإسهاب في المشروعات التي تستهدف الدعاية السياسية أكثر منها تعبيرًا عن حاجات المواطنين، وفشل السياسات الاقتصادية المتبعة، أرهق ميزانية الدولة بصورة كبيرة تفوق قدرات البلاد الفعلية.

ولم يجد السيسي الذي يعاني من حزمة ديون خارجية وداخلية لم تشهد مصر مثلها طيلة تاريخها، حتى وهي قابعة تحت ربقة الاستعمار، إلا جيوب الغلابة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا سيما بعدما خُصص الجانب الأكبر من ميزانية الدولة السنوية لسداد فوائد وأقساط تلك الديون التي باتت طوقًا يحكم قبضته على رقبة الدولة فأصابها بالشلل التام.

العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي حذروا من تداعيات سياسة "حلب المواطن" التي يتبعها النظام، لافتين إلى أن النيران الناجمة عن قانون التصالح لم تخمد بعد، وفي حال الإصرار على تطبيق هذا التعديل بالصورة التي طبق بها القانون السابق فستكون النتيجة مزيدًا من الاحتقان وإيذانًا بانفجار شعبي يأكل الأخضر واليابس.

ويذهب الغاضبون إلى أن سوط التنكيل والقبضة الأمنية التي ترتكن إليها السلطات المصرية لتمرير قوانين الجباية تلك لن يجدي نفعًا على طول الخط، فهناك لحظة فاصلة بين التحمل والانفجار، وفي حال الوصول إلى المرحلة الأخيرة فإن الوضع سيكون خارجًا عن السيطرة، الأمر الذي قد يدخل البلاد في دوامة من الغموض.

وفي الأخير يراهن السيسي على أذرعه الإعلامية والأمنية لتنفيذ أجندته التي تخدم نظامه في المقام الأول، التي حققت نجاحات كبيرة خلال المرحلة الماضية، لكن مع التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة وزيادة رقعة الغضب والاحتقان لا سيما بعدما وصل قطاع كبير من المواطنين إلى مرحلة الإفلاس، يبقى السؤال: هل تنجح إستراتيجية الأمس في التعامل مع مستجدات اليوم؟.