تشهد الأجندة السياسة التركية ازدحامًا من نوع آخر، مع تزايد تصريحات القادة السياسيين بخصوص إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، وذلك بعد عملية تحرير الرهائن الأتراك في جبال غارا شمال العراق، الأحد 14 من فبراير/شباط، التي انتهت بمقتل 13 تركيًا، بالإضافة إلى 3 جنود من الذين شاركوا في العملية. 

لحق عملية تحرير الرهائن عملية أمنية داخل البلاد طالت 40 محافظة، تخللها اعتقال 718 شخصًا من رؤوساء وممثلي الحزب وأعضائه البارزين، فيما قدم حزب الحركة القومية مذكرة في البرلمان تطالب بإسقاط الحصانة عن 9 نواب من حزب الشعوب الديمقراطي بتهمة دعم العمال الكردستاني خلال أحداث كوباني عام 2014. وفي العموم، يُتهم حزب الشعوب الديمقراطي بأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، وتحديدًا ممن ينادون بحظر الحزب.

وفي الواقع، الحزب لا ينفي صلته بحزب العمال الكردستاني بشكل قاطع ولا يندد بأفعاله الإرهابية، ولكن هذه المرة ندد مرشح الحزب للرئاسة المعتقل صلاح الدين دميرتاش من خلال تويتر بعملية قتل الرهائن الأتراك، ثم تبع ذلك باتهام للحكومة بأنها فضلت استخدام القوة بغرض الاستعراض السياسي بدلًا من استخدم الوسائل الدبلوماسية لتحرير الرهائن. 

حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)

بدأت مسيرة الأحزاب السياسية التي تمثل الشريحة الكردية لأول مرة منتصف عام 1990، وخلال الـ31 سنة من عمر هذا التمثيل تأسست 7 أحزاب، بدءًا من حزب العمل الشعبي (HEP) الذي تشكل في 7 من يونيو/حزيران 1990 مرورًا بخمسة أحزاب أخرى وانتهاءً بحزب الشعوب الديمقراطي (HDP) الذي تأسس في 15 من أكتوبر/تشرين الأول 2012، فيما تعرضت خمسة من هذه الأحزاب للإغلاق بأمر من المحكمة الدستورية التركية بدعوى تهديدها للسلم العام أو دعمها لحزب العمال الكردستاني (PKK). 

تأسس حزب الشعوب الديمقراطي على يد يافوز أونان وفاطمة كوك في 15 من أكتوبر/تشرين الأول 2012، ويصف الحزب نفسه بأنه حزب يساري يدعم قضايا الأقليات المهمشة في المجتمع، ويرأسه الآن كل من مدحت سانجر وبريفين بولدان، فيما مرشحه للرئاسة عن آخر جولتين انتخابيتين صلاح الدين دميرتاش معتقل على ذمة التحقيق منذ 2016، دون صدور أي تهم من المحاكم التركية ضده، الأمر الذي تستنكره المحكمة الأوروبية بالإضافة للمطالب المستمرة من بروكسل وواشنطن بضرورة الإفراج عنه.

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت عام 2018 حصل حزب الشعوب الديمقراطي على نسبة 11.7% ومُثل بـ67 مقعدًا، ليكون بذلك ثالث أكبر كتلة برلمانية بعد العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، وبعد عزل نائبين في يونيو/حزيران 2020 تناقص عدد النواب الفاعلين في البرلمان ليصل إلى 58 نائبًا. يذكر أن بعض نواب الحزب استقالوا للترشح للانتخابات المحلية عام 2019، فيما يواجه 9 نواب آخرين التهديد بالعزل مع تزايد الضغوط بعد عملية غارا. 

وفي الوقت الذي كان حزب العدالة والتنمية يبحث عن حل سلمي للمسألة الكردية عام 2009، لعب حزب الشعوب الديمقراطي عند تأسيسه عام 2012 دور الوسيط بين حكومة العدالة والتنمية من طرف وحزب العمال الكردستاني من الطرف الآخر، وخلال هذه الفترة طلبت الحكومة التركية من نواب الحزب عمل الزيارات اللازمة لقادة الكردستاني في مراكزهم بقنديل العراق بالإضافة لزيارة عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة "إمريلي".

وخلال تلك الفترة تعرض أردوغان وحزبه لانتقادات حادة من طرف حليفه الحاليّ حزب الحركة القومية الذي كان يلعب دور المعارضة في تلك الفترة، وبعد فشل المباحثات السلمية مع العمال الكردستاني بعد العملية الإرهابية في جيلان بينار عام 2015، تحالف العدالة والتنمية مع الحركة القومية عام 2018، وتبنى كلاهما نهجًا واحدًا تجاه قادة وممثلي الحزب الذين يوصفونهم بالإرهابين باعتبارهم جزءًا من المنظمة التي يصنفها الاتحاد الأوروبي وواشنطن "كيانًا إرهابيًا".

ه

رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرتاش 

آليات الإغلاق 

خلال خطابه في البرلمان التركي، صرح وزير الداخلية سليمان صويلو بأن نائبة من حزب الشعوب الديمقراطي زارت غارا واجتمعت بقيادات من منظمة العمال الكردستاني، ليكشف لاحقًا أن ديرايت ديلان طاش ديمير هي التي قامت بالزيارة، ليأتي الرد من رئيسة الحزب برفين بولدان بأن تصريحات الوزير ما هي إلا كذب وافتراء، وعادت للتأكيد أن نواب الحزب زاروا قادة العمال الكردستاني في وقت الحل السلمي فقط وبطلب من أردوغان وحكومته.

وفي حال أصر حزب العدالة والتنمية على تمرير قانون حليفه حزب الحركة القومية الرامي لإغلاق الحزب ومنع ممثليه من ممارسة أي أعمال سياسية في المستقبل، فإنه سيصطدم بلوائح قانونية تصعب عليه الأمر، لوائح وضعها وعززها حزب العدالة والتنمية خلال السنوات الـ19 الماضية لحماية نفسه من الحظر خصوصًا في بداية مشواره السياسي، كما سيرى نفسه في مواجهة إضافية امام الدول الغربية والولايات المتحدة، كونه يحد من الديمقراطية في البلاد، من خلال التضييق على الأقليات من ممارسة السياسة بحرية. 

وعندما نتحدث عن منع أو إغلاق حزب سياسي معين فإن كلمة الفصل ستكون بيد القضاء التركي فقط، كما حصل في المرات العديدة السابقة عندما أغلق الحزب وزج بأعضائه في السجون، لكن ذلك لم يغير أي شيء، وفي الواقع حصل العكس وتزايد أعداد المتعاطفين مع الحزب وتكتلت شريحة كبيرة خلفه في الانتخابات، تمامًا كما حدث إبان الانتخابات البرلمانية عام 2015 عندما قفزت نسبة التصويت للحزب لتصل 13.12% وحصد 80 مقعدًا داخل البرلمان.

ومع جهود أردوغان لفتح صفحة جديد في العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ورغبته في تعزيز وتقوية العلاقات المتزعزعة مع الاتحاد الأوروبي، فإنه من الصعب اللجوء إلى خطوة الإغلاق في الوقت الحاليّ، فيما تشير تقديرات أخرى إلى إمكانية اللجوء لتعزيز الضغوط على الحزب من أجل إحداث انشقاق في داخله بين المعسكرين، المتشدد الداعم للعمال الكردستاني وغير المتشدد المنادي بالحل السلمي، وعقب ذلك يتم اتخاذ إجراءات لتضييق الخناق ضد المتشددين لمنع نشاطهم السياسي. 

سيناريوهات ما بعد الإغلاق 

إن إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي بطريقة مباشرة سيقوي الحزب من خلال إظهاره بدور الضحية، الأمر الذي سيساعد من تجمهر الناس حوله ودعمه عند الانتخابات المقبلة، ويمكن حظر بعض السياسيين الرمزيين، لكن العثور على ممثلين جدد لن يكون بهذه الصعوبة، تمامًا كما حدث عند إغلاق الأحزاب الكردية السابقة.

كما أن حجم الضرر الذي سيلحق بحزب العدالة والتنمية سيفوق الضرر الذي سيلحق بحزب الشعوب الديمقراطي إذا تم إغلاقه، إذ تظهر استطلاعات الرأي المختلفة تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، خصوصًا في المناطق التي تقطنها الأغلبية الكردية، وفيما كان الفوز من نصيب مرشحي حزب العدالة والتنمية في تلك المناطق، تغير الحال منذ تحالف أردوغان مع الحركة القومية عام 2018، وأصبح الفوز من نصيب حزب الشعوب الديمقراطي. 

يذكر أن في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2018 حصل الحزب على صوت أكثر من 6 ملايين ناخب، وفي الحقيقة ليس كل الأشخاص الذين يصوتون لصالح حزب الشعوب الديمقراطي هم مواطنون من أصل كردي، ولا يمكن القول إنهم جميعًا يدعمون حزب العمال الكردستاني.

وفي النهاية، فإن إخراج حزب الشعوب الديمقراطي من الساحة السياسية ليس ممكنًا بإغلاقه من القضاء، لكن من خلال الاستيلاء على قلوب قاعدته الجماهرية وفهم مطالبها وتحييد إدارة الحزب المتشددة وفسح المجال أمام الأصوات المنادية بالحل السلمي من خلال الدبلوماسية والحوار.