بعد نجاح الليبيين في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة برأسيها (رئاسة وحكومة) ستتولى زمام المرحلة الانتقالية تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة نهاية العام الحاليّ، تهافتت دول عربية وغربية على ليبيا من أجل تعزيز موقعها داخل خريطة القوى الباحثة عن مواطئ قدم في عملية الإعمار، وكثفت من اتصالاتها وعروضها لاقتحام السوق الجديدة الواعدة.

آخر هذه البلدان كانت مصر التي دشنت سلسلة من المفاوضات مع السلطة الجديدة بشأن رفع سقف الاستثمار بين البلدين وعودة اليد العاملة، فيما عملت دول أخرى خليجية وأوروبية وكذلك تركيا على التحضير لتوقيع عقود الإعمار في مجالات متنوعة، في حين بقيت تونس تراوح مكانها والحال أنها تضم مقومات تمكنها من إرساء شراكة حيوية وفاعلة في المنطقة.

عمق حيوي

رغم الهزات التي عرفتها العلاقات بين البلدين التي تسببت فيها الأنظمة السياسية قبل الثورة، فإن ليبيا تُمثل امتدادًا تاريخيًا واقتصاديًا وحضاريًا لتونس وكذلك العكس، حيث كانت الأسواق الليبية ملاذًا للتجار ولآلاف العملة، فيما كانت تونس مقصدًا مهمًا للسياحة والترفيه وملجأً لعلاج آلاف الليبيين.

ويرتبط الغرب الليبي وجنوبه عضويًا بالجنوب التونسي من خلال جملة من العلاقات المتشابكة مثل القرابة والمصاهرة وغيرها من الروابط الاجتماعية المتينة، وقد تبيّن ذلك بشكل جلي إبان ثورة 17 فبراير، حيث تحملت تونس عبء الأزمة الليبية وكانت الأكثر تضررًا من تداعيات الصراع الدائر فيها على مدى عشر سنوات وما نجم عنه من مخاطر إرهابية (أحداث بن قردان) إضافة إلى تداعياته الوخيمة على اقتصادها بالنظر إلى خسارتها للسوق الليبية التي تعتمد بشكل كبير على العمالة التونسية.

ووفقًا لترجيحات البنك الدولي فإن ما لا يقل عن 24% من الانخفاض العام في نمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس من عام 2011 إلى عام 2015 كان بسبب الاضطرابات التي عرفتها جارتها، وأثرت بشكل كبير على قيمة تحويلات العمال المغتربين التونسيين العائدين من الحرب والعنف هناك، حيث انخفضت بنسبة 32% تقريبًا من عام 2010 إلى عام 2014، فيما بلغت خسائرها نحو 800 مليون دولار سنويًا.

وبعد أن حطت الحرب أوزارها ومال الفريقان إلى الصلح ومسار التسوية السلمية، فإن تونس التي لم تكن حاضرة بقوة زمن الأزمة تُصارع من أجل التموقع داخل قائمة المستفيدين من عودة الاستقرار في ليبيا بحثًا عن حلول لاقتصادها المتدهور، فيما يرى مراقبون أن هذه الخطوة مرتبطة بقدرة تونس على اقتناص فرصة السلام واستثمارها في تحقيق مكاسب توقف ركود ونزيف تراجع مؤشرات النمو.

مقومات وفرص

رغم تردد الدبلوماسية التونسية إبان الأزمة والصراع بين الفرقاء في ليبيا وانتهاجها لسياسة الحياد التي أضاعت عليها التحكم بخيوط الملف الليبي لصالح القوى الإقليمية التي تتنافس لتقاسم الثروة، فإن تونس ستستفيد قطعيًا من إعادة إعمار ليبيا نظرًا لطبيعة العلاقات الثنائية القوية بين الجانبين ولعدة عوامل أخرى منها:

العامل التاريخي والجغرافي والروابط الاجتماعية قد تلعب دورًا بارزًا في تمكين تونس من حصص الإعمار، خاصة أن ارتفاع المبادلات التجارية بين البلدين قبل الثورة كان نتيجة عامل الجوار وشبكات التواصل الحدودية للشعبين، أي أنها لم تكن وليدة خطط إستراتيجية مستقبلية متكاملة أو اتفاقات متراكمة، وبالتالي فإن حضور تونس في خريطة القوى المشاركة في إعادة الإعمار أمر محسوم، لكن السؤال الأهم هو حجم المساهمة وقيمة العقود التي تستطيع البلاد تحصيلها.

من جهة أخرى، تعرف تونس في المنطقة المغاربية بنسيجها الإنتاجي الصناعي والغذائي المتنوع الذي دخل سلسلة الاستهلاك الليبي منذ عقود، وكذلك بإمكانات بشرية هائلة وبكفاءة اليد العاملة في شتى المجالات والقادرة على خلق ديناميكية على مستوى العمالة المؤهلة في ليبيا، ويمكنها أيضًا بسط خبراتها في المجال الصحي والتعليمي والبحث الأكاديمي.

كما يُمكن لتونس الاستثمار في العلاقات الاقتصادية القديمة وتطويرها عبر دعم الشركات الكبرى التي لها أنشطة في ليبيا وتم تجميد أشغالها بفعل الصراع العسكري، فبعض المحافظات التونسية لها حضور قوي في مدن ليبية ولها ثقل وروابط اقتصادية ومشاريع استثمارية على غرار صفاقس ومصراتة أين تتركز الصناعات الكبرى ورؤوس الأموال.

لذلك فهي مطالبة بتفعيل اللجان الثنائية القائمة بين البلدين خلال الفترة القادمة لرسم سياسات اقتصادية جديدة مع الجانب الليبي الذي يزخر بفرص واعدة للاستثمار والتنمية، وكذلك إنشاء مفوضية عليا للشؤون الاقتصادية والاجتماعية تعني بملف التجارة وبعث المشاريع المشتركة.

تونس أيضًا يمكنها استثمار الملفات العالقة مع ليبيا كالإرهاب والتهريب لإيجاد آليات عمل مشتركة لا تقتصر على الجانب الأمني ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، بل إن التعاطي مع هذه الملفات اقتصاديًا يكون أكثر جدوى وفاعلية، فمثلًا مشروع المنطقة الحرة قد يفتح آفاقًا تنموية كبرى بين البلدين ويعزز الشراكة البينية في أكثر من مجال، ولما لا توسيع هذا المشروع ليشمل الجزائر الدولة التي تشترك معهما في الحدود البرية ولها مقومات اقتصادية كبرى.

توسيع الشراكات قد يخدم تونس على أكثر من صعيد، فموقعها الجغرافي الإستراتيجي (حدود برية وبحرية) الذي يُساهم في انسياب حركة التنقل والتجارة سيغري عددًا من القوى الإقليمية لضمها في مشاريع استثمارية مرتقبة، وهو أمر لاحت بوادره في المباحثات التونسية التركية بين السفير رفيق علي أونانير ورئيس الحكومة هشام المشيشي، بشأن آفاق التعاون بهدف الإسهام في إعادة إعمار ليبيا وتطوير التعاون في هذا المجال.

وتشترك كل من تونس وتركيا في علاقتها المتينة مع الغرب الليبي وخاصة محافظة مصراتة ذات الثقل الاقتصادي والمالي في ليبيا، وبالتالي فإن تنسيق الجهود وإقامة شراكة حقيقية سيعطيهما مفاتيح الاستثمار المتنوعة وقدرة تنافسية عالية مع القوى الأخرى (روسيا وفرنسا وإيطاليا ومصر).

عقبات وتحديات

موضوعيًا، تبدو عملية رتق العلاقات البينية بين البلدين عسيرة في الوقت الراهن لاعتبارات سياسية وجيو إستراتيجية تُحيط بملف إعادة الإعمار الذي تتنافس عليه كبرى الدول، وبالتالي تونس مدعوة إلى التحرك سريعًا والدفع بدبلوماسية الأزمة إلى أقصى مدى من أجل تحصيل نصيبها من العقود والاتفاقات الاستثمارية وتعزيز وتطوير الشراكة التي كانت توفر نحو ثلث مواردها السنوية من العملات الأجنبية إلى جانب مساهمتها في إدخال ديناميكية كبيرة على قطاعات السياحة والخدمات الطبية والتجارية.

أولى العقبات التي قد تواجه تونس، تتمثل في الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد بفعل عسر الانتقال الديمقراطي وحالة عدم الاستقرار على مستوى أداء مؤسسات الحكم التي تشمل الرئاسة والحكومة والبرلمان نتيجة الصراع على السلطة والصلاحيات، إضافة إلى التجاذبات والصراعات الحزبية التي تتحكم فيها الحسابات الضيقة والتبعية الخارجية لقوى إقليمية.

هذه العقبة أثرت بشكل كبير على السياسة الخارجية لتونس، فقد عانت دبلوماسيتها من عطب مزمن غُلف في أكثر من مناسبة بالحياد والوقوف على مسافة واحدة من الفرقاء الليبيين إبان الصراع المسلح، وذلك في وقت ألقت فيه بعض القوى الإقليمية والدولية بكل ثقلها السياسية والدبلوماسي وكذلك الاقتصادي لضمان القسم الأكبر من العقود.

ثاني التحديات يتلخص في أهمية فهم الأزمة الليبية وتفكيك بنية العلاقات المتشابكة والمعقدة للقوى الفاعلة على الأرض من منظور إستراتيجي شامل للمتغيرات السياسية إقليميًا ودوليًا، والتخلص من الهاجس الأمني الدائرة الوحيدة التي تتحرك فيها الدبلوماسية التونسية فيما يخص الملف الليبي.

والأهم من ذلك كله، فإن السلطات التونسية الممثلة في الرئاسة والحكومة والبرلمان مطالبة بالتخلي عن الدبلوماسية التقليدية ورواسب الأنظمة السابقة التي تتحرك في دوائر الخيارات الضيقة التي ترسمها القوى الاستعمارية (فرنسا)، ومدعوة إلى المبادرة في القضايا الحيوية وعدم انتظار ما سيقدمه الكبار من فواضل الصفقات الكبرى.

التعديل الذاتي للدبلوماسية التونسية سيكون أمام امتحان حقيقي وعسير في آن واحد، فأي نجاح مرتبط بمدى قدرة التونسيين على التعامل مع المعطيات والملامح الجديدة للسلطة الليبية، وعلى استمالة الشخصية الأولى في الحكم ودفعها إلى التعاون، فالرئيس عبد الحميد الدبيبة رجل اقتصاد وأعمال من الصنف الأول قد ينتهج البراغماتية النفعية لحلحة أزمات بلاده المتعددة، أي أنه قد يختار توقيع عقود إعمار مع القوى الإقليمية الكبرى التي جاءت به إلى الحكم وتمتلك موارد وتكنولوجيا فائقة التطور لا تمتلكها تونس.

تقنيًا، تواجه تونس صعوبات أخرى لا تقل أهمية عن السابق ذكرها، وتتلخص في غياب شركات الإنشاء العملاقة القادرة على منافسة نظيراتها في الإعمار، بالإضافة إلى نقص تجربتها في هذا المجال الذي يتطلب إمكانات مالية ضخمة وشركات كبرى عابرة للقارات، والأهم من ذلك هو عجز البنك المركزي الغارق في دوامة الأزمة الاقتصادية المحلية على دعم الشركات وتمويلها.

 

بالمحصلة، لا يكمن نجاح تونس في تحصيل حصة من عقود إعمار ليبيا في حجم مواردها أو تأثيرها الدولي، بقدر ما هو مرهون بقدرتها على تغيير فلسفتها الدبلوماسية الرثة ورسم شبكة علاقات مع القوى الصاعدة كتركيا والصين وتعزيز انخراطها في مجالها المغاربي التاريخي عبر تبني سياسة تحررية من القيود الاستعمارية قائمة على السيادة بأشكالها المتنوعة.