شهد الشارع السنغالي حالة من التوتر خلال الساعات القليلة الماضية يتوقع أن تتصاعد خلال الأيام القادمة، على خلفية اعتقال المعارض الرئيسي للسلطة عثمان سونكو (46 عامًا) الذي يواجه اتهامًا بالاغتصاب والتهديد بالقتل من موظف يعمل في صالون تجميل كان يرتاده للعلاج الطبيعي.

وفُرضت إجراءات أمنية مشددة على العاصمة دكار منذ أول أمس الجمعة بعد الاضطرابات التي شهدتها، الأربعاء الماضي، حيث نشبت مواجهات دامية بين الشباب ورجال الشرطة، أسفرت عن سقوط 4 قتلى وعشرات المصابين، فيما نادت بعض التيارات المعارضة بالتصعيد.

الاضطرابات شملت عمليات نهب وسرقة للمحال التجارية، لا سيما التي تحمل علامات فرنسية، وهو التطور الذي فسره البعض بأنه رسالة واضحة إلى باريس، رفضًا للنفوذ الفرنسي المتغلغل داخل أوساط الحكم في السنغال الذي أفقد البلاد سيادتها وجردها من هويتها الإفريقية.

يذكر أن سونكو حل ثالثًا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2019، وأحد المرشحين المحتملين بقوة للمنافسة على كرسي الحكم خلال الانتخابات المقبلة في 2024، وهو الذي أرجع تعامل الحكومة معه إلى الحيلولة دون ممارسته أي نشاط سياسي، ومن ثم عدم القدرة على الترشح في الاقتراع القادم، واصفًا الاتهام الموجه إليه، الذي يقدم للمحاكمة من خلاله، بأنه "مجرد تأليف من الحكومة لإسقاطه سياسيًا".

تصعيد شعبي

رغم سيطرة قوات الأمن السنغالية على الوضع منذ الأمس، فارضة طوقًا أمنيًا كبيرًا على معظم الطرق العامة والميادين، فإن الأجواء ملبدة بغيوم التوتر بعد دخول الحركات والقوى السياسية المعارضة للنظام الحاكم على خط الأزمة، الأمر الذي أضفى للاحتجاجات ثقلًا كبيرًا.

حركة الدفاع عن الديمقراطية، وهي إحدى الائتلافات التي تضم المعارضين للرئيس ماكي سال، المقرب من النظام الفرنسي، دعت إلى التصعيد الشعبي ضد اعتقال سونكو من خلال حشدها للتظاهر والنزول لمدة 3 أيام اعتبارًا من غد الإثنين، لمواصلة الضغط من أجل الإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة.

الحركة التي تضم العديد من الأحزاب السياسية والقوى المدنية طالبت الشعب السنغالي في بيان لها باستخدام كل حقوقه الدستورية ومواصلة حشده ونضاله السلمي، رافضة ما وصفه "ديكتاتورية" سال، مناشدة بالإفراج الفوري عن جميع السجناء السياسيين المحتجزين بشكل تعسفي وغير قانوني واحترام الحق في التظاهر.

دعوة الحركة لاقت استجابةً أوليةً من العديد من مواطني الدولة لا سيما في ظل تعنت السلطات مع مطالب المحتجين خلال الأيام الأربع الماضية، الأمر الذي قد يحمل معه الكثير من التوتر والاضطرابات خلال الأيام المقبلة، حال استمر الوضع على ما هو عليه، صلف سلطوي في مقابل غضب شعبي متصاعد.

سونكو
المعارض السنغالي عثمان سونكو

فرنسا.. كلمة السر

استهداف المعارضين للمحال ذات التوكيلات والماركات الفرنسية دون غيرها من الماركات الأخرى اعتبره البعض إنذارًا شديد اللهجة للحكومة السنغالية بالخروج عن عباءة الدولة الفرنسية التي جثمت على صدور السنغاليين عقودًا طويلةً، استغلت فيها ثروات البلاد وأودت بقرارها السيادي في مستنقع التبعية والرضوخ لإملاءات الإليزيه.

ورغم الدعم الفرنسي المتواصل لنظام سال لإبقائه في الحكم قدر الإمكان في مواجهة الغضب الشعبي بسبب سياساته التي أضعفت البلاد على المسارات كافة، فإن رد فعل الشارع الذي يتجسد بين الحين والآخر يعكس حالة فقدان المزاج الشعبي للوجود الفرنسي على عكس ما كان في السابق.

ويواجه النظام السنغالي خلال السنوات الماضية انتقادات لاذعة من المعارضة بسبب رضوخه المستمر لإملاءات الحكومة الفرنسية التي باتت المتحكم الأول في إدارة العديد من أوجه نشاط الحكم في البلاد، سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا، وذلك من خلال ثنائية الدعم المالي من جانب وتعزيز قواها الناعمة من جانب آخر.

الأعوام القليلة الماضية شهدت تراجعًا ملموسًا في النفوذ الفرنسي وتغلغله في مفاصل أنظمة الحكم في دول غرب إفريقيا، هذا في الوقت الذي يهرول فيه نظام إيمانويل ماكرون لاستعادة هيبة دولته في محاولة لإحياء الوجود الاستعماري القديم، لكن يبدو أن وعي الشعوب الإفريقية بحقيقة وأهداف هذا الوجود كان وسيظل حائلًا دون استعادة أمجاد الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا.

الرفض الشعبي للوجود الفرنسي لم يكن في السنغال فقط، فقبل عدة أشهر خرجت العديد من التظاهرات المعارضة للوجود الفرنسي في مالي، ورفض التدخل في شؤون البلاد، سواء السياسية أم العسكرية، والوضع ذاته تكرر في بوركينا فاسو، حيث طالب المتظاهرون بطرد القوات الفرنسية من البلاد.

نفوذ يتآكل

منذ عام 1960 حين نالت 14 دولة إفريقية استقلالها عن الاستعمار الفرنسي (بنين وبوركينا فاسو وساحل العاج ومالي والنيجر والسنغال وتوغو والكاميرون وتشاد والكونغو-برازفيل ومدغشقر وموريتانيا والغابون وجمهورية إفريقيا الوسطى)، وتتعامل باريس مع تلك الدول على أنها مستعمرات فرنسية حتى اليوم، الأمر الذي سمح لها بالتدخل المطلق في شؤون تلك الدول، بعضها وجدت هناك مقاومة والأخرى فتحت الباب على مصراعيه.

وتطبق باريس كل الأساليب، القانونية وغير القانونية، للحفاظ على وجودها في تلك المنطقة "غرب إفريقيا" للحفاظ على نفوذها السياسي من جانب، ونهب ثرواتها النفطية والمعدنية والزراعية من جانب آخر، مستعينة في ذلك بأنظمة حكم موالية لها على طول الخط.

 

الميكافيللية الفرنسية في الإصرار على البقاء في غرب القارة دفعتها لتوظيف زيادة نشاط الجماعات المتطرفة في تلك البلدان لإيجاد أساس شرعي لإبقاء قوات لها في المناطق التي تشهد عمليات إرهابية، بحجة الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة رغم الاتهامات الموجهة لها بإشعال فتيل التوتر بين تلك الجماعات.

العديد من الخبراء يرون أن القوة العسكرية الفرنسية البالغ عددها 4500 عسكريًا والمنتشرة بمنطقة الساحل الإفريقي منذ 2014 ضمن عملية "برخان"، لعبت دورًا مؤثرًا في تأجيج الإرهاب وتقويض الاستقرار الإقليمي، على عكس ما تروج له باريس لشرعنة استمرارها في ظل الانتقادات المحلية والإقليمية والدولية التي تواجهها بسبب نشاطها العسكري هناك.

حاول ماكرون مرارًا الحصول على دعم قادة وحكومات دول غرب إفريقيا لبقاء قواته العسكرية في مواجهة الرفض الشعبي لهذا الوجود، لكن ذلك لم يحدث، حيث انقسمت ردود الفعل إلى 3 أقسام، أحدهما متردد والآخر لم يطلب من الأساس، فيما جاء القسم الثالث مؤيدًا بتحفظ، وهو ما اعتبره محللون ضربة قوية للنفوذ الفرنسي إفريقيًا.

استعمار بحلة جديدة

وتسعى فرنسا خلال العقود الماضية لإحياء استعمارها القديم لكن بأدوات مغايرة، مستندة إلى قوتها الناعمة القوية، التي استطاعت من خلالها رسم الهوية الثقافية والعقلية لشعوب تلك الدول بما يضمن الولاء للثقافة الفرنسية والحنين لتك الحقبة التي رضخت فيها تحت استعمار الرجل الأبيض.

"بعد ستين عامًا لم تنل الدول الإفريقية الفرنكوفونية استقلالًا حقيقيًا ولا حريةً" هكذا علقت ناتالي يامب، المستشارة لحزب الحرية والديمقراطية لجمهورية ساحل العاج في الذكرى الستين لإنهاء الاستعمار الفرنسي لدول الغرب، مضيفة أن الأمر يبدأ من المدارس التي تقرر مناهجها في فرنسا.

وأضافت أن باريس رسخت مبادئ الاستعمار في دول القارة قبيل رحيلها عام 1960، لافتة إلى قرار إلغاء النظم البرلمانية في بعض الدول وإقامة نظم رئاسية تبسط سيطرتها على كل مقدرات الدولة، منوهة أن الهدف من هذا القرار "للسيطرة على البلد ينبغي فقط التحكم بشخص يتمتع بكل السلطات" وفق تصريحاتها لـ"DW عربي".

أما البرفيسور يان تايلور المختص بالسياسية الإفريقية في جامعة سانت أندروز في إسكتلندا، فيرى أن استمرار النفوذ الفرنسي في المستعمرات الإفريقية القديمة ساعد في نمو الغضب بنفوس الشباب، الأمر الذي انعكس على مواقفهم السياسية من الحكومات التابعة لباريس.

ويعتقد أن الوعود بفتح صفحات جديدة بين فرنسا ومستعمراتها، وهي النغمة التي يرددها ماكرون وسلفه من الرؤساء الفرنسيين خلال أي قمة لدول الساحل، ليس سوى كلام في الهواء وطقس دعائي سياسي بين الحين والآخر، لكن على أرض الواقع الأمر مختلف كثيرًا، موضحًا "يعدون بالتغير، لكن بعد استلامهم مهامهم سرعان ما يلاحظ الرؤساء الفرنسيون أن المصالح السياسية والاقتصادية لبلادهم في القارة السمراء كبيرة وأن ليس هناك مصلحة حقيقة لدى الأفارقة ولا لدى الفرنسيين بأي تغيير".

وفي المجمل، تواصل فرنسا نزيف نقاطها في إفريقيا في ظل ما تتبناه من سياسة استعمارية تسعى من خلالها لاستعادة أمجاد الماضي السحيق، الذي حققته على جماجم وأشلاء مئات الآلاف من القتلى من أبناء الشعوب الإفريقية، وهي الجرائم التي وثقتها صفحات التاريخ التي لا تنسى، في ظل تنامي الوعي الشعبي لحقيقة مخططات ماكرون ونظامه للحفاظ على وجودهم في غرب القارة.