تفاقمت أزمة اللجوء في تونس بعد عام 2011 وتحديدًا مع اندلاع ثورة 17 من فبراير/شباط بالجارة ليبيا، ففي ذلك الوقت عرفت موجة كبيرة من اللاجئين الوافدين وُصفت بالتاريخية، ما دفع المنظمات الأممية كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين للتدخل لمساعدة الدولة على مجابهة هذه التدفق غير المسبوق، لا سيما أن تونس كانت تُكافح هي الأخرى لاستكمال رهانات ثورة 14 يناير كإنجاح الانتقال الديمقراطي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم أن البلد الواقع شمال إفريقيا كان يُعد في الماضي أرض عبور للمهاجرين واللاجئين نحو الضفة الأخرى من المتوسط، فإنه بعد 2011، تحولت تونس إلى ملاذ آمن لهذه الفئة لعدة اعتبارات من أهمها تشديد المراقبة الأوروبية على السواحل لمنع قوارب الهجرة من الوصول إلى شواطئ إيطاليا وكذلك لعجز بعض المهاجرين واللاجئين عن توفير المال اللازم للرحلة.

اللاجئون

قبل 2011، كانت تونس تستقبل على ترابها اللاجئين من الجنسيات الإفريقية القادمين عبر الحدود الصحراوية الجزائرية وعددًا يسيرًا من اللاجئين العرب (الفلسطينيين)، غير أن الثورات العربية والفوضى التي سادت تلك البلدان، دفعت آلاف المواطنين إلى الهروب من أتون الحرب والصراعات المسلحة، لذلك تغيرت خريطة الجنسيات اللاجئة في تونس.

سوريون وليبيون وسودانيون، هم العرب الذين أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من منظومة اللجوء الحديثة العهد في تونس، ولا يختلفون عن غيرهم من اللاجئين في حاجتهم إلى الخدمات الأساسية وإلى مورد رزق يحفظ لهم الحياة والعيش الكريم، فهم أيضًا يواجهون مصيرًا غامضًا في ظل تفاقم أزمة فيروس كورونا في كل دول العالم، وعراقيل جمة تحول دون اندماجهم في سوق الشغل التونسية بسبب بيروقراطية الإجراءات الإدارية وحصولهم على المساعدات من المنظمات المحلية والأممية.

يأتي أغلب اللاجئين وطالبي اللجوء إلى تونس من الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء والقرن الإفريقي، ويحتل اللاجئون السوريون الصدارة من حيث عدد اللاجئين، وبحسب الأرقام الرسمية يبلغ عددهم حاليًّا 1684 يليهم الإيفواريون 1247 ثم السودانيون 275 فالأريتريون 260 والصوماليون 178، وهناك جنسيات أخرى ممثلة بأعداد قليلة مثل اليمنيين والعراقيين والفلسطنيين وغيرهم.

يصل هؤلاء اللاجئون إلى تونس برًا وجوًا وبحرًا، وقد بلغت نسبة الواصلين برًا 43% سنة 2020، مقابل 42% وصلوا عن طريق البحر، في حين أن نسبة من وصلوا عن طريق الجو لا تتجاوز 15%.

ووفقًا لإحصاءات مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد طالبي اللجوء في تونس إلى حدود شهر يناير/كانون الثاني 2021 نحو 6500 شخص مسجلًا بذلك ارتفاعًا مقارنة بسنة 2019، بالإضافة إلى نحو 1900 شخص ينتظرون تسجيلهم لطلب اللجوء في تونس.

وعلى عكس أرقام المفوضية الأممية التي تؤكد أن تونس تحتضن ما يفوق 5 آلاف لاجئ وطالب لجوء، من بينهم 744 طفلًا في سن الدراسة لم يلتحق منهم إلا 278 طفلًا بالمدارس، وتشير الأرقام غير الرسمية إلى أنه في أعقاب السنوات العشرة الماضية، عرفت تونس زيادة غير مسبوقة في عدد اللاجئين حيث تُقدر أعدادهم بأكثر من 30 ألفًا.

تونس واللجوء

تاريخيًا، يعود انخراط تونس في مجال استقبال اللاجئين إلى حرب التحرير الجزائرية عام 1954، حين فر الجزائريون إلى تراب الجارة سنة 1957، فيما انضمت تونس رسميًا إلى اتفاقية اللاجئين لسنة 1951 في 24 من أكتوبر/تشرين الأول 1957، ووقعت على بروتوكول 1967 لهذه الاتفاقية في 16 من أكتوبر/تشرين الأول 1968.

وبصفة عامة، تحترم تونس معاهداتها الدولية في هذا المجال، ولا ترجع طالب اللجوء إلى بلده خاصة أنها صادقت على الاتفاقية الدولية لسنة 1951 الخاصة بوضع اللاجئ، فضلًا عن نصوص قانونية في الدستور التي تكفل حق اللجوء.

ومن المنتظر أن تتبنى تونس أيضًا قوانين وطنية ملزمة لكل مؤسسات وهياكل الدولة لحماية اللاجئين، شاركت في وضع مسوداته كل من المفوضية الأممية ووزارة العدل التونسية عام 2016، وهو بانتظار مصادقة مجلس الوزراء والبرلمان، ويمكّن القانون الجديد من إعطاء أولوية قصوى لتفادي أخطار غياب حماية قانونية لهذه الفئة، ولضمان احترام الترابط بين القانون الدولي والقانون الداخلي.

واقعيًا، عجزت الدولة التونسية لعدة اعتبارات عن صياغة إستراتيجية واضحة للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين الذين تصل أعدادهم بالآلاف، لذلك تواجه هذه الفئة الحجز التعسفي بمراكز الاحتجاز من السلطات الأمنية التونسية، ووفقًا لمسؤولة الحماية بمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ناجية حفصة، فإن وضعية اللاجئ في تونس لا تعتبر لجوءًا بل طلب لجوء لفترة طويلة جدًا، يُحرم خلالها من حقه في الانخراط في الدورات التكوينية والعمل والاستقرار المهني ويكون عرضة لانتهاكات في حقه تصل إلى الاتجار بالأشخاص.

من جهة أخرى، وفي ظل غياب قانون وطني يحمي حق اللاجئ، فإن المنظمات الوطنية والأممية وجدت نفسها أمام عراقيل وصعوبات تحول دون تمكنها من تقديم الإحاطة اللازمة والمساعدات العاجلة، لذلك فإن تونس مطالبة بتجسيد انخراطها الفعلي في المعاهدات الدولية على أرض الواقع من خلال رزمة من القوانين التي تضمن حق اللاجئ وتصون كرامته.

التعليم

إلى جانب ضمان المأوى، فإن تعليم أبناء اللاجئين يعد مطلبًا ملحًا سواء لأهاليهم أم للمنظمات التونسية التي كثفت دعواتها في وقت سابق لمفوضية شؤون اللاجئين الأممية من أجل الدفاع عن حقوق أبناء اللاجئين وطالبي اللجوء في التعليم، وذلك نظرًا للصعوبات التي تحول دون التحاق المئات منهم بالمدارس، ما يُنذر بخطر ارتفاع نسبة الأمية في صفوفهم.

فمعلوم أن التخلف عن الدراسة لسنة أو أكثر يزيد من مخاطر الانقطاع والتسرب المدرسي ومن عمالة الأطفال ومن جرائم الاتجار بالبشر، لذلك تحاول بعض الجمعيات الأهلية والحقوقية في تونس الدفع بالسلطات الرسمية والمنظمات الأممية إلى تحمل مسؤولياتهم في ضمان التعليم وتذليل صعوبات التمتع به.

وتختلف صعوبات التعليم باختلاف جنسيات اللاجئين، إذ يواجه أبناء اللاجئين السوريين صعوبة في المناهج التعليمية باللغة الفرنسية باعتبار أن الدراسة في بلدهم تعتمد على العربية والإنجليزية، فيما يجد أبناء اللاجئين من جنسيات بلدان جنوب الصحراء صعوبة في الدراسة باللغة العربية.

أزمة كورونا

يواجه المهاجرون وطالبو اللجوء في تونس مصيرًا غامضًا في ظل تفاقم أزمة فيروس كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية، فإلى جانب فقدان أغلبهم لمصادر الرزق بسبب البطالة القهرية والحجر الصحي الذي فرضته الدولة، تقلصت مساعدات المنظمات التي كانت تقدم لهم العون في تونس.

في تصريح لـ"نون بوست" قال فرجاني وهو لاجئ ليبي مقيم في تونس منذ 2011، إن ما تقدمه المنظمات الأممية من مساعدات غير كافية، "ففي ظل أزمة كورونا التي أثرت على جميع مناحي الحياة، أصبحنا مهددين بالمبيت في العراء بسبب عجزي عن تسديد إيجار المنزل، نعيش على ما يجود به الأقارب والأصدقاء، نحن الليبيون أقل تأثرًا بالأزمة لأننا لا نعتبر أنفسنا لاجئين في تونس، إخوتنا السوريين يعيشون معاناة حقيقية".

وكان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد كشف في ديسمبر/كانون الأول الماضي، الأوضاع الصادمة لطالبي اللجوء في تونس، مؤكدًا أن أكثر من 130 طالب لجوء ينامون في الشوارع بلا مأوى، وبينهم قصر دون سن الثامنة عشرة.

وتزامنًا مع تفاقم جائحة كورونا، طالبت منظمات المجتمع المدني، وزارة الصحة بزيادة الشفافية بشأن مسار إدماج الفئات الهشة بمن فيهم المهاجرين في الخطة الوطنية للتلقيح والاعتراف بـ"بطاقات اللجوء" و"طالب لجوء" كوثائق رسمية في بوابة التسجيل.

بيروقراطية

إضافة إلى الإقصاء الاجتماعي، عمّق الوضع الإداري من معاناة اللاجئين وزاد من محنتهم، فوضعيتهم القانونية لا تسمح لهم بالحصول على عمل لائق يحفظ لهم كرامتهم ويسمح لهم بمجابهة التحديات الجمة كإعالة أفراد أسرتهم وتوفير مستلزمات الحياة الأساسية، ما جعلهم فئة هشة تُعاني من الفقر وتُكابد يوميًا من أجل البقاء.

ويواجه اللاجئون وطالبو اللجوء مشكلات تتعلق باستخراج الوثائق الإدارية من أجل التداوي في المستشفيات العمومية وتحصيل التعليم وغيرها من الخدمات الأساسية، فيما تنتشر ظاهرة العمل بلا عقود ولا ضمانات في صفوف اللاجئين، إذ يعمل أغلبهم في الإنشاءات ومحطات غسيل السيارات والمطاعم والمحلات التجارية.

رغم سعي الدولة التونسية إلى الالتزام بالاتفاقية الخاصة باللاجئين، فإن غياب إطار تشريعي لحماية اللاجئ، زاد من معاناة طالبي اللجوء اجتماعيًا واقتصاديًا، وذلك فق تصريحات متطابقة لممثلين عن المنظمات الدولية ومكونات المجتمع المدني الوطنية المعنية باللجوء.

سوريون في تونس

على عكس اللاجئين الليبيين الذين اندمجوا سريعًا في المجتمع التونسي بفعل القرب الجغرافي والتاريخي والحضاري، فإن السوريين يعيشون أوضاعًا قاسية نسبيًا، ورغم أنهم لا يقيمون في مخيمات اللاجئين وينتشرون في التجمعات السكانية والأحياء الشعبية، فإن هذه الأفضلية تُخفي معاناة من نوع آخر.

في تصريح لـ"نون بوست"، قالت أم جاسر وهي سورية لاجئة تقطن بحي ابن خلدون المتاخم للعاصمة: "نُكافح يوميًا للبقاء على قيد الحياة، يتنقل زوجي بين المرسى وتونس العاصمة بحثًا عن شغل نقتات منه ونسدد به إيجار البيت، في تونس يصعب تحصيل عمل قار يساعدنا على الاستقرار المادي والنفسي".

وأشارت أم جاسر إلى أنهم عجزوا عن تسجيل أبنائهم في المدارس نظرًا لتعقد الإجراءات الإدارية وصعوبة تحصيلهم للوثائق الرسمية وكذلك لعجزهم عن تغطية المصاريف، مضيفةً أن بعض السوريين أجبرتهم الظروف على المبيت في العراء لعدم تمكنهم من توفير مأوى، وأن المنظمات الأممية تخلت عنهم في أكثر من مناسبة.

وتُكافح بعض الجمعيات الأهلية والخيرية التونسية من أجل توفير مساعدات عينية وغذائية وطبية للاجئين السوريين، إلا أن هذه المجهودات غير كافية في ظل تلكؤ الدولة ومؤسساتها الرسمية وتراجع أدوار المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال.

تاريخيًا، فتحت تونس أبوابها للأشخاص والجماعات الذين لجأوا إلى ترابها واستقبلتهم بحفاوة ووفرت لهم الأمان، كما لم يكن الوافدون يومًا عبئًا عليها بل أسهموا في تنميتها وتقدمها وازدهارها (هجرات الأندلس)، إلا أن الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد طيلة السنوات التي أعقبت ثورة 14 يناير، دفعتها إلى أن تضيق حتى بأهلها.