في البداية إن أي إجراء ديمقراطي في صالح الفلسطينيين - إذا اكتمل المشهد الانتخابي الديمقراطي من أصغر النقابات والاتحادات العمالية أو الطلابية لأكبر تمثيل فلسطيني في المجلس الوطني - وعدم اقتصار الأمر على انتخابات تشريعية تشبه الإدارة المدنية تحت الاحتلال تتلقى دعمًا إنسانيًا مشروطًا.

ترى نخبة حماس الحاكمة أن انفراجة قادمة في المشهد الفلسطيني على المستوى السياسي والاقتصادي، وتحاول القفز للخطوة التالية دون الإجابة عن تساؤلات كبيرة من بينها: لماذا يبدي المجتمع الدولي - أوروبا وأمريكا - وكذلك الإقليم رغبةً منقطعةً النظير في إعادة إنتاج الديمقراطية فلسطينيًا في وقت تبدو حماس منهكة اقتصاديًا وسياسيًا؟ وفي حال فازت حماس بنسبة سمحت لها بالدخول في الحكومة أو تشكيلها كيف سيتعاطى مجتمع المانحين مع هذه الحكومة؟

ولماذا ركز المجتمع الدولي والإقليم على الانتخابات التشريعية في الأساس وبشكل منفصل عن التزامن الذي كانت تطرحه حماس مع انتخابات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وكذلك انتخابات المجلس الوطني؟ وكيف ستدخل حماس انتخابات تشريعية وطنية بعد وقت قصير من انتخاباتها الداخلية التي قد تحدث تغيرات على مستوى القيادة؟ وستتضمن المادة الإجابة عن الأسئلة السابقة.

لماذا بدا المجتمع الدولي والإقليمي مهتمًا بالديمقراطية الفلسطينية؟

هناك عصر تسويات قادم بالجملة مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في العديد من الملفات والمناطق الجغرافية، تسعى معها لتهدئة النزاعات في الشرق الأوسط المنهك على المستوى الداخلي للدول وعلى العلاقات البينية أو الإقليمية، ستكون حماس جزءًا من هذه التسويات - كأحد الفواعل ما دون الدولة -، وهو ما قد تجده حماس إحدى النوافذ المؤقتة بعد فشل الرهان على تغير حالة الإقليم مع الوقت، وانهاكها اقتصاديًا.

لا خيارات أمام حماس إلا القبول بأي صيغة سياسية تتخذ شكلًا من الشرعية فلسطينية لإخراجها من مأزق غزة وكذلك محاصرتها ماليًا، وإن كانت الحركة في السنوات الأخيرة قد سعت جاهدة لتعزيز المشترك الوطني، وتنامي رغبتها في التعاون مع حركة فتح أكثر، ووقوفها التام مع الرئيس محمود عباس في إفشال صفقة القرن.

هناك تخوف إسرائيلي أمريكي من التمثيل الشمولي للفلسطينيين في الداخل والخارج من بناء جسم سياسي يفرز فيما بعد ما يشبه المؤتمر العام للقضية الفلسطينية

إلا أن خطوات حماس المستقبلية تبدو اضطرارية لملء حالة الفراغ الفلسطيني أكثر من كونها خطوةً مبنيةً على رؤية إستراتيجية واضحة، لذلك في حال انتهت الانتخابات التشريعية ولم تنتقل الحالة الفلسطينية لانتخابات المجلس الوطني تحديدًا، فإن خيارات التعامل أمام حماس في ظل عدم وجود الضمانات لعقد انتخابات المجلس الوطني إلا القبول بنتائج الحالة التشريعية ومشروطياتها أو الانسحاب مجددًا نحو إدارة غزة كمعقل قوة لها. 

لماذا يضغط المجتمع الدولي والإقليم لإجراء انتخابات تشريعية؟

ينظر المجتمع الدولي حاليًّا لأي انتخابات برلمانية فلسطينية على أنها تجمع للحالة الفلسطينية نحو إدارة ظروفهم السياسية والاقتصادية بشكل موحد، وتسمح لهم بحل أزماتهم الحياتية بعيدًا عن أي محتوى سياسي يعني ما يشبه "الإدارة المدنية" للحالة الفلسطينية، أو الشكل الحاليّ للسلطة الفلسطينية، وعلى هذه القاعدة يتم إعطاء الضوء الأخضر من المجتمع الدولي متمثلًا في أمريكا والاتحاد الأوروبي الذي يربط التمويل بالعملية الديمقراطية.

لذلك لم يجر الموافقة على مشروطية حماس في إجراء الانتخابات بشكل متزامن (تشريعية - رئاسية - مجلس وطني ولجنة تنفيذية)، بل تشريعية إدارية فقط ومحصورة في الداخل (قطاع غزة والضفة الغربية) حتى دون القدس، دون إفساح المجال لأي تشكيل سياسي فلسطيني داخلي وخارجي مثل المجلس الوطني الذي يمثل الفلسطينيين في كل بقاع الأرض حتى في مخيمات دول الجوار.

هناك تخوف - إسرائيلي أمريكي - من التمثيل الشمولي للفلسطينيين في الداخل والخارج من بناء جسم سياسي يفرز فيما بعد ما يشبه المؤتمر العام للقضية الفلسطينية، قد يضم ملايين الأنصار من نخب (سياسية وقانونية واقتصادية وثقافية) عالمية في ظل ارتفاع التعداد السكاني للفلسطينيين الذي وصل عام 2020 بناءً على تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى نحو 13.5 مليون فلسطيني منهم قرابة 50.1% خارج فلسطين.

صورة

هذا العدد إذا شمله جسم سياسي موحد يصبح من الصعوبة بمكان تجاوزه إطلاقًا، لذا أفضل حال التوجه لإدارة مدنية تقوم بها السلطة الفلسطينية دون حتى التعامل معها كدولة.

وأقرب محاكاة لهذه التجربة من الصعوبة بمكان تجاوز القضية الفلسطينية، وأقرب محاكاه لهذه لإفشال تجربة الاعتراف كدولة أو إفشال الجسم السياسي الجامع ما صرح به نيد برايس المتحدث باسم الوزارة الخارجية الأمريكية بشأن نية المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيقات بجرائم حرب محتملة على الأراضي الفلسطيني قائلًا: "لا نعتقد أن الفلسطينيين مؤهلون كدولة ذات سيادة، وبالتالي ليسوا مؤهلين للحصول على العضوية كدولة أو المشاركة كدولة في المنظمات أو الكيانات أو المؤتمرات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية".

 

 

أما الاحتلال الإسرائيلي فهو يتحكم في المشهد السياسي تحديدًا بالضفة الغربية بما يمنع مزاولة التشريعي أو الحكومة التي ستفرزها الانتخابات التشريعية القادمة مهامها دون موافقتها، واعتقال أي قيادات لا تلتزم بالخط السياسي للسلطة الفلسطينية بشكلها الإداري المدني، فهو يبحث عما ينوب عنه في إدارة الفلسطينيين كشعب محتل دون تحمل الأعباء وإن كان الفلسطينيون أنفسهم. 

من سيموِّل الحكومة الفلسطينية القادمة؟ وضمن أي برامج؟

بالعودة إلى الوراء في 27 من يناير/كانون الثاني من عام 2006 بعد يومين من فوز حماس في الانتخابات التشريعية صرح كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة - على افتراض أنها جهة محايدة - ضمن اجتماع اللجنة الرباعية الذي عقد في لندن قائلًا: "علينا مراجعة أي مساعدة لأي حكومة فلسطينية جديدة في المستقبل في ضوء التزام هذه الحكومة بمبدأ نبذ العنف والاعتراف بـ"إسرائيل"، وقبول الاتفاقات والالتزامات التي قامت بها الحكومات الفلسطينية السابقة".

هذا في وقت كانت فيه المساعدات تتدفق للسلطة الفلسطينية من أجل تسيير حياة الناس وصولًا لتفاهمات سياسية مع الاحتلال الإسرائيلي، أما اليوم فإن المشروطية ليست على استمرار تدفق المساعدات لأي حكومة فلسطينية قادمة في ظل فشل السلطة الفلسطينية وحركة حماس التي تدير قطاع غزة في خلق مصادر تمويل مستمرة ومستدامة تضمن حيوية السلطة أو حالة المقاومة، بل المشروطية على إعادة تفعيل المساعدات الدولية ومن الطبيعي أنها ستتخذ شروطًا إضافية جديدة تقنن أي حالة ثورية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي.

صورة

 

وتشير كل المعطيات أن الدعم الدولي للفلسطينيين مرهون بالخطوات السياسية على الأرض، وستتوجه لإدارة الحالة الفلسطينية تحت الاحتلال، أكثر من ترتيب البيت الفلسطيني في الداخل والخارج، تشمل إعادة التمويل الأمريكي للأونروا قريبًا لضبط الأوضاع في المخيمات الفلسطينية في الداخل والخارج، وكذلك إعادة التمويل المشترط بالعودة للمفاوضات التي لم يتبق منها شيء يتم التفاوض عليه من استحقاقات الوصول فلسطينيًا في قضايا الوضع النهائي (القدس واللاجئون والحدود).

إذن سيتخذ مسار التمويل لنتائج الانتخابات القادمة طابعًا إنسانيًا يندرج تحت مبدأ "إدارة شؤون الناس" مغلف ببعض البرامج التنموية الصغيرة ومتناهية الصغر لتخفيف عبء التمويل الخارجي وليس لتأسيس اقتصاد فلسطيني مقاوم ومستقل. 

يمكن النظر أيضًا لقرارات الرئيس الفلسطيني محمود عباس المتسارعة بشأن تأجيل انتخابات الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية 6 أشهر، وتعديلًا على قانون عمل الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية غير الحكومية يقتضي بإلحاق خططها بالوزارات ذات الاختصاص من منظور تجفيف الموارد المالية لأي تكتلات خارج السلطة الفلسطينية، فيما يثير القرار الأول مخاوف استكمال المشهد الانتخابي الفلسطيني من أسفل إلى أعلى الهرم.

كما يثير القرار الثاني مخاوف من فرض مشروطية مجتمع المانحين أن تتبع كل المنظمات الخيرية والأهلية للوزارة ذات الاختصاص بما يعني القضاء على كل مصادر التمويل للفصائل الفلسطينية بما فيها حماس خارج إطار المسار الرسمي للسلطة الفلسطينية، وقد أدانت حماس هذه القرارات.

كيف ستدخل حماس الانتخابات؟

هناك مخاطرة كبيرة في الداخل الحمساوي كون الحركة ستنتقل من انتخاباتها الداخلية بقيادة ربما تكون جديدة نهاية أبريل/نيسان 2021 إلى الانتخابات التشريعية في 22 من مايو/أيار القادم 2021، تشبه بذلك فريق كرة القدم الذي يبدل كل كوادره الفنية ومدربيه في اللحظة الأخيرة.

فيما تبدو حماس في مأزق أكبر داخليًا، حيث يتجه السياق العام لانتخاباتها الداخلية بإفراز ذات القيادة التي خاضت تجارب سابقة لم تنجح فيها من الخروج من دائرة إدارة الأزمة في غزة، كأنها حلقة تدوير مفرغة لقيادة حماس لا تتماشى مع مرحلة تحتاج فيها حماس لتأهيل قيادة من المفترض أن تكون أكثر بارغماتية وشبابًا، لتصدير خطاب ناعم أكثر ذكاءً في المشهد السياسي الفلسطيني، لكن السياق العام يتجه نحو إفراز ذات القيادة الحالية أو السابقة، وهو ما يمثل خطرًا حتى على بنية التفكير السياسي الحديث لحماس، وفعالية وحيوية الحركة من أن تصبح طاردة للنخب.