يأمل تبون في إحكام سيطرته على الجزائر

يأمل تبون في إحكام سيطرته على الجزائر

في الوقت الذي يطالب فيه نشطاء الحراك الشعبي الطبقة السياسية الحاكمة في الجزائر بالابتعاد عن المشهد السياسي وترك المجال أمام الشباب والكفاءات لتسيير البلاد، يواصل الرئيس تبون والمحيطون به تهيئة الطريق أمامهم لحكم شمولي أسوة بما كان عليه الأمر في عهد بوتفليقة.

يُفهم هذا الأمر من خلال المساعي الحثيثة للسيطرة على الحراك الشعبي المتواصل منذ سنتين واحتواء قياداته بشتى الوسائل - الأمنية والقضائية والترهيب والتخوين - وأيضًا من خلال البدء في تشكيل ائتلاف قيل إنه لخدمة المجتمع، لكن العديد من الجزائريين يقولون إن الهدف من هذا الائتلاف خدمة تبون وجماعته.

نداء الوطن

الائتلاف الجديد أشرف على إعلانه، أول أمس السبت، مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالحركة الجمعوية والجالية بالخارج نزيه برمضان، ويضم هذا الائتلاف الذي حمل اسم "تكتل نداء الوطن"، أكثر من 60 من ممثلي وقيادات جمعيات وطنية ومنظمات أبرزها الكشافة الإسلامية الجزائرية وجمعية حماية المستهلك، ونقابات مهنية وناشطين مستقلين.

في حديثه خلال الإعلان عن التكتل، قال: "مبادرة نداء الوطن تجمع الخيرين من هذا الوطن لخدمة المجتمع وبناء مستقبل البلاد، وضمن نوايا رئيس الجمهورية لإشراك كل مكونات المجتمع، وعلى رأسها المجتمع المدني، للمساعدة في دفع الشباب إلى المشاركة وتنمية المجتمع في الجانب السياسي".

يواجه نظام تبون تجدد الحراك الشعبي الذي يدعو إلى رحيل النظام السياسي القديم ومحاكمتهم على ما اقترفوه في حق البلاد والشعب

قال نزيه برمضان في كلمته إن الرئيس تبون "يثمن مثل هذه المبادرات التي تخدم مصلحة المجتمع المدني والشباب"، والمبادرة حسب ما جاء في بيان أصحابها جاءت بفضل "إسهامات ومقترحات عملية في مواجهة التحديات الراهنة لتعزيز التماسك الاجتماعي والتضامن الوطني وتأكيد التلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة والوقوف في وجه المؤامرات المتوالية التي تستهدف المساس باستقرار البلاد والوحدة الوطنية".

ومن المنتظر أن يتم عقد لقاء شامل قريبًا لجميع المكونات المؤسسة والمنخرطة في هذا الائتلاف الذي أشار مؤسسوه أنه سيبقى "مفتوحًا أمام باقي مكونات المجتمع المدني الفاعلة والنخب الفكرية والفواعل المجتمعية التي تتقاسم معه أرضية التأسيس للعمل معًا في ظرف يحتاج الوطن فيه لكل أبنائه"، وفق قولهم.

التخلي عن أحزاب بوتفليقة

يُفهم من هذا التوجه أن الرئيس تبون تخلى عن أقوى وأكبر أحزاب السلطة، وهما حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، وكان الرئيس المستقيل - نتيجة ضغط الشارع - عبد العزيز بوتفليقة يعتمد على هذه الأحزاب بقوة لإحكام سيطرته على البلاد.

وتبين العديد من المعطيات أن الرئيس عبد المجيد تبون تخلى عن خدمات هذه الأحزاب إلى حد الآن، رغم أنها تسعى لإعادة فرض نفسها في ظل سيطرتها على مواقع كبيرة في الدولة وأيضًا تواصل ضعف المعارضة وتشتت قيادات الحراك الشعبي.

في دليل على ذلك، لم يوجه تبون الدعوة لأمين عام حزب جبهة التحرير الوطني أبو الفضل بعجي، في إطار مشاوراته التي أطلقها مع الأحزاب السياسية، في حين استقبل أمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي والطيب زيتوني بعد نحو 3 أسابيع من إطلاق العملية.

يبين هذا استمرار تهميش الأحزاب التي كانت موالية للسلطة، وشكلت على مدار نحو عقدين، الحزام السياسي لنظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، في معطى يؤشر على أن هذه الأحزاب لم تعد تحظى بحظوة سياسية من السلطات الحاليّة.

عين على الاستحقاق الانتخابي القادم

الهدف من هذا التكتل وفق الناشط السياسي حمزة خروبي هو التشريعيات القادمة، خاصة أن هذه المبادرة تأتي في ظل عدة معطيات على الأرض أهمها المرحلة التي تعيشها البلاد التي تطبعها الأزمة السياسية، وأيضًا قرب الاستحقاقات الانتخابية.

وفي 21 من فبراير/شباط الماضي وقع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مرسومًا رئاسيًا بحل المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، فيما صادق مجلس الوزراء الجزائري، أمس، على القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، الذي يعتمد لأول مرة نظام القائمة المفتوحة، وستكون الانتخابات المقبلة هي أول انتخابات منذ وصول تبون للحكم في 12 من ديسمبر/كانون أول 2019، خلفًا لبوتفليقة.

 

يقول حمزة خروبي، في حديثه لـ"نون بوست" إن تبون وجماعته يعملون من أجل تهيئة الطريق لتقاسم مقاعد المجلس الشعبي الوطني في التشريعيات القادمة، خاصة إذا عرفنا أن هذا الاستحقاق الانتخابي سيعرف مقاطعة واسعة من القوى السياسية المعارضة.

واعتبره خروبي "نداء الوطن" لجنة مساندة جديدة للرئيس تبون، على غرار تنسيقية دعم الرئيس المستقيل بوتفليقة التي جمعت عدة أحزاب، لكن تبون اختار هذه المرة لجنة تجمع تنظيمات المجتمع المدني والنقابات، حتى يُظهر بعض الاختلاف عن سلفه.

ويأمل الرئيس تبون في ضمان أغلبية نيابية في البرلمان المقبل تتيح له تشكيل المشهد السياسي الجزائري وفق الرؤية التي يريدها، خاصة بعدما أخد مسافة عن كل الأحزاب السياسية ورفض تبني أحزاب الموالاة.

إضفاء شرعية للنظام

يضيف محدثنا "هذا التكتُل أو التجمع الكوميدي ما هو إلا شرعنة للباطل وخداع للشعب الجزائري وتزيين للباطل وتغطية عن النظام القمعي غير الشرعي وخلق وعاء شعبي مزيف، باستخدام الجمعيات التي تعيش على فتات خزينة الدولة ويمكن شراؤها وشراء ولائها بكل سهولة لكي تعطي الشرعية الشعبية الزَائفة لنظام البولسة السياسية".

يعمل النظام الجزائري على تجنيد المجتمع المدني، لخدمة مصالحه وإضفاء شرعية له، خاصة أن الجزائريين سئموا العمل السياسي والأحزاب، لذلك فالنظام يحاول استغلال منظمات المجتمع المدني كبديل عن الأحزاب لإحكام السيطرة على مقومات البلاد.

يأمل الجزائريون في بناء دولة مدنية لا مكان فيها لتسلط العسكر وتدخلهم في العمل السياسي، كما يأملون في بناء دولة تقوم على المؤسسات وسلطة القانون

يواجه نظام تبون تجدد الحراك الشعبي - بعد توقف دام نحو سنة بسبب فيروس كورونا - الذي يدعو إلى رحيل النظام السياسي القديم ومحاكمتهم على ما اقترفوه في حق البلاد والشعب، كما يطالب الجيش بالابتعاد عن السياسة، فضلًا عن محاسبة الفاسدين.

الاصطدام بواقع متقلب

يأمل النظام في إحكام سيطرته على دواليب الدولة، بنفس آليات نظام بوتفليقة، لكن حسابات السلطة قد تصطدم هذه المرة بواقع سياسي متقلب، يعيش مخاض ميلاد الجمهورية الجديدة، ويصعب السيطرة عليه بنفس الآليات والوسائل القديمة.

وتراهن السلطة الحاكمة في الجزائر على عامل الوقت والقمع الأمني والملاحقات وتكميم الأفواه لامتصاص غضب الحراك، لكن يبدو أن الجزائريين مصرين على مواصلة حراكهم إلى غاية تحقيق أهدافهم ومطالبهم المرفوعة.

يأمل الجزائريون في بناء دولة مدنية لا مكان فيها لتسلط العسكر وتدخلهم في العمل السياسي، كما يأملون في بناء دولة تقوم على المؤسسات وسلطة القانون، وليست قائمة على المحسوبية والانتهازية والفساد كما هو عليه الحال الآن، لذلك من الصعب على نظام تبون أن يفرض سيطرته على البلاد كما كان عليه العهد زمن بوتفليقة، فالعديد من المعطيات تغيرت ولا سبيل للعودة إلى الوراء.

تتغير الشعارات والوجوه، لكن السياسة والمنهج واحد للقائمين على حكم الجزائر منذ عقود عدة، فهؤلاء يريدون مواصلة السيطرة على البلاد مهما كلفهم الأمر، لكن هذه المرة يبدو أن الأمر صعب، فالحراك الشعبي عازم على تحقيق مطالبه المشروعة.