كشفت الأنباء أن السودان تقدم بطلب رسمي لوساطة رباعية من أجل حل الخلاف بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي بعد فشل جولات التفاوض بين الدول الثلاثة: إثيوبيا صاحبة السد من جانب والسودان ومصر في الجانب الآخر.

وذكرت صحيفة "سودان تربيون" التي تتمتع بمصداقية عالية أن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الذي عاد من القاهرة الجمعة الماضية، بعث رسائل إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس جمهورية الكنغو (رئيس الدورة الحاليّة للاتحاد الإفريقي) والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، علاوة على وزير الخارجية الأمريكي، طالبًا منهم التدخل للعب دور الوسيط في مفاوضات سد النهضة.

الخطوة السودانية لم تكن مستغربة نظرًا لأن الحكومة السودانية قدمت قبل عدة أشهر مقترحًا يقوم على منح دور أكبر لخبراء الاتحاد الإفريقي في عملية التفاوض بين الدول الثلاثة (السودان ومصر وإثيوبيا)، بشأن ملء وتشغيل السد حتى يتم التوصل لاتفاق مرضٍ وملزمٍ للدول الثلاثة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، بمنهجية تعطي دورًا أكبر لخبراء الاتحاد في عملية التفاوض.

فشل جولات التفاوض 

في يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت وزيرة التعاون الجنوب إفريقية جس بندورا فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي رعتها جنوب إفريقيا بمشاركة وزراء الخارجية والري في الدول الثلاثة، في تحقيق نتيجة إيجابية، ما دفع الوزيرة الجنوب إفريقية التي ترأست الاجتماعات، للتعبير عن أسفها للطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات، وأعلنت أنها بصدد رفع الملف برمته للرئيس سيريل رامافوزا، رئيس الدورة السابقة للاتحاد الإفريقي، لاتخاذ ما يلزم.

حينها، علقت وزارة الخارجية المصرية مؤكدة أنها مستعدة للانخراط في مفاوضات جديدة للتوصل لاتفاق ملزم بخصوص سد النهضة، وبحسب بيان للوزارة، فإن الاجتماع أخفق في تحقيق أي تقدم بسبب خلافات عن كيفية استئناف المفاوضات والجوانب الإجرائية ذات الصلة بإدارة العملية التفاوضية، حيث تمسك السودان بضرورة تكليف الخبراء المُعينين من مفوضية الاتحاد الإفريقي بطرح حلول للقضايا الخلافية وبلورة اتفاق سد النهضة.

وهو الطرح الذي تحفظت عليه كل من مصر وإثيوبيا آنذاك، لكن السودان لم ييأس، بل تقدم بطلب جديد يقوم على توسيع دائرة التفاوض لتكون رباعية "الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة" وهو المقترح الذي وافقت عليه مصر لاحقًا.

لعل ما يفسر تشدد اللهجة السودانية في سد النهضة، تهرب إثيوبيا من توقيع الاتفاق القانوني الملزم، إلى جانب التصعيد الدبلوماسي المستمر بين الخرطوم وأديس أبابا في ملف الحدود

بدوره، قال ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية السوداني، إن بلاده طلبت خلال الاجتماع الأخير تغيير منهجية التفاوض وتوسيع دور الخبراء للحد الذي يمكنهم من لعب دور أساسي في تسهيل التفاوض وتقريب شقة الخلاف، خاصة بعد الاجتماعات الثنائية البناءة مع الخبراء، بشأن ضرورة تحديد مرجعية واضحة لدورهم.

واستطرد عباس قائلًا: "لا يمكننا أن نستمر في هذه الدورة المفرغة من المباحثات الدائرية إلى ما لا نهاية"، مجددًا التذكير بما يمثله سد النهضة من تهديد مباشر لخزان الروصيرص في السودان، الذي تبلغ سعته التخزينية أقل من 10% من سعة سد النهضة، إذا تم الملء والتشغيل من دون اتفاق وتبادل يومي للبيانات.

لماذا تغير الموقف السوداني لهذه الدرجة وأصبح الأكثر تشددًا؟

ظلت مصر شديدة التوجس من بناء سد النهضة، بحجة أنه سيفضي إلى عطش الشعب المصري وجفاف جزء مقدر من أراضيه الزراعية، بينما كان السودان، يتخذ موقفًا مؤيدًا لإثيوبيا في معظم الأحوال نسبةً للفوائد المتوقعة من سد النهضة، حيث يُنتظر أن ينظم عملية توليد الطاقة الكهربائية لسد مروي، ويجعلها أكثر ديمومة مما هي عليه الآن، إلى جانب تخفيفه كميات الطمي القادمة إلى سدي الروصيرص وسنار، ما يقلل تكلفة صيانتهما السنوية التي تُضاف إلى فاتورة استهلاك الكهرباء، وإلى جانب ذلك سيحصل السودان على حصة إضافية من الطاقة الكهربائية التي يستوردها من إثيوبيا منذ العام 2012.

ومن أهم الفوائد المتوقعة لسد النهضة بالنسبة للسودان استعادة حصته المائية التي تذهب شمالًا دون أن يستفيد منها، التي تقول جميع التقديرات إنها تبلغ نحو 6 مليارات متر مكعب سنويًا، وكذلك يتيح السد للمزارعين على ضفاف النيل والنيل الأزرق والدندر والرهد، إضافة مساحات زراعية ما بين ثلاث إلى أربع مرات سنويًا، الأمر الذي يحسن دخول المزارعين والتجار، ويمكنهم من إنتاج الخضروات والفاكهة وبيعها بأسعار زهيدة للمستهلكين.  

لكن كل هذه الفوائد المتوقعة من سد النهضة مرتبطة بتوقيع اتفاقية قانونية ملزمة للأطراف الثلاث، إذ صرح وزير الري السوداني ياسر عباس بأن اعتزام إثيوبيا ملء سد النهضة دون اتفاق يهدد 20 مليون سوداني، أي ما يعادل نصف عدد سكان السودان.

في بداية تفجر الصراع الحدودي اعترف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن "مليشيا محلية" هي من هاجمت القوة السودانية

ونقلت وكالة الأنباء السودانية (سونا) عن عباس قوله إن إعلان إثيوبيا نيتها ملء خزان السد - الذي يقع على نهر النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية - يشكل تهديدًا مباشرًا لتشغيل سد الروصيرص السوداني، وبالتالي يهدد كل مشاريع الري بالنيل الأزرق إلى سدي سيتيت وأعالي نهر عطبرة في ولاية كسلا (شرقي السودان)، مضيفًا "ما يقارب 20 مليون نسمة مهددون، ونأمل في التوصل إلى اتفاق قبل الملء باعتباره مهددًا خطيرًا للأمن القومي السوداني"، وتابع أن بلاده بصدد اتخاذ احتياطات فنية ودبلوماسية تحسبًا لعملية الملء التي تعتزم السلطات الإثيوبية القيام بها في يوليو/تموز المقبل.

ولعل ما يفسر تشدد اللهجة السودانية في سد النهضة، تهرب إثيوبيا من توقيع الاتفاق القانوني الملزم، إلى جانب التصعيد الدبلوماسي المستمر بين الخرطوم وأديس أبابا في ملف الحدود بين البلدين منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، إذ تعرض الجيش السوداني لهجوم من مليشيا إثيوبية، فوجدها فرصةً لاستعادة أراضي الفشقة التي كانت تستغلها مجموعات إثيوبية مسلحة مدعومة من الجيش الإثيوبي وفق تقييم الجيش السوداني.

في بداية تفجر الصراع الحدودي اعترف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن "مليشيا محلية" هي من هاجمت القوة السودانية، لافتًا إلى أن مثل هذه الحوادث "لن تكسر الروابط بين بلدينا لأننا نستخدم الحوار دائمًا لحل القضايا".

لكن السودان لم يأبه بتغريدة آبي، فقد وجد الحادثة فرصةً لاستعادة أراضي الفشقة خاصة مع انشغال الجيش الإثيوبي في حربه مع جبهة تحرير تيغراي، وهذا ما رفع مستوى التصعيد بين البلدين.

مصر تدعم مقترح السودان

بعد أقل من شهرين على الرفض المصري لمقترح السودان بتوسيع التفاوض، أعلنت القاهرة مطلع الشهر الحاليّ عن اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس المجلس السيادي الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، على أن المرحلة الدقيقة الحاليّة التي يمر بها ملف سد النهضة، تتطلب أعلى درجات التنسيق بين البلدين.

وشدد بيان من الرئاسة المصرية على أن "مصر تدعم المقترح السوداني لتشكيل رباعية دولية تشمل رئاسة الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، للتوسط في ملف سد النهضة"، وأضاف البيان "السيسي والبرهان اتفقا على رفض أي إجراءات أحادية تهدف لفرض الأمر الواقع والاستئثار بموارد النيل الأزرق".

جاء ذلك خلال زيارة قام بها السيسي للسودان، التقى فيها مع البرهان، إذ تطرقت المباحثات بين الطرفين إلى سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين على الأصعدة كافة، فضلًا عن مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، خاصة تطورات الأوضاع بمنطقة الحدود السودانية الإثيوبية والتحركات السودانية الأخيرة لبسط سيادة الدولة على حدودها الشرقية المتاخمة لإثيوبيا.

الضغوط تحاصر إثيوبيا 

بخلاف سد النهضة، تواجه أديس أبابا ضغوطًا دوليةً متصاعدة بسبب الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في إقليم تيغراي إثر الحرب المشتعلة منذ ما يزيد على 4 أشهر، فقد جمد الاتحاد الأوروبي مساعداته لإثيوبيا مؤقتًا واتخذت الولايات المتحدة ذات الإجراء مؤخرًا، بل إنها تلوح بعقوبات أشد في الفترة المقبلة على كل من إثيوبيا وإريتريا المنخرطة في الانتهاكات الواسعة بإقليم تيغراي. 

ولهذه التطورات يتوقع معظم المراقبين أن تقدم أديس أبابا تنازلات جوهرية للسودان ومصر رغم رفضها المبدئي لمقترح توسيع دائرة التفاوض وتمسكها بالوساطة الإفريقية.

انضمام مصر إلى السودان في طلبه توسيع الوساطة لملف سد النهضة وجد تفهمًا من شعبي البلدين، وإن كانت النظرة إلى السد مختلفة بين الحكومتين

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، الإثنين، أنها اطلعت على دعوة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، للولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي للتوسط في الخلاف بين السودان وإثيوبيا ومصر بخصوص سد النهضة. 

وقالت نائبة المتحدث باسم الخارجية الأمربكية، جالينا بورتر: "الولايات المتحدة تدعم الجهود الجماعية البناءة لحل الخلاف بشأن سد النهضة الذي هو قضية كبرى بالنسبة للأطراف ونحن بالتأكيد ندعم حوارهم المثمر".

وقد لفت وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأسبوع الماضي إلى أن الإدارة الأمريكية قررت بالفعل تعيين مبعوث خاص إلى القرن الإفريقي، موضحًا أنهم بحاجة إلى شخص خبير يركز بدوام كامل على التحديات مثل الصراع في تيغراي، وملف سد النهضة إلى جانب التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا.

بطبيعة الحال لن تستطيع أديس أبابا الصمود طويلًا في وجه الضغوط الأمريكية والأوروبية، فإثيوبيا تعتمد اعتماد شبه كامل في ميزانيتها على المساعدات الغربية، فالولايات المتحدة تدعمها سنويًا بما يقارب مليار دولار، والاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة يدفع لها نصف هذا المبلغ تقريبًا، فضلًا عن مساعدات أخرى تقدمها لأديس أبابا دول الاتحاد منفردة كألمانيا وفنلندا وأيرلندا.

انضمام مصر إلى السودان في طلبه توسيع الوساطة لملف سد النهضة وجد تفهمًا من شعبي البلدين، وإن كانت النظرة إلى السد مختلفة بين الحكومتين، لكن على الأقل يضمن التنسيق المشترك للمواقف تقليل مخاطر السد الإثيوبي إلى الحد الأدنى على الشعبين الشقيقين، وبعد ذلك يمكن فتح "القضايا المسكوت عنها" وفق توصيف رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في زيارته الأخيرة للقاهرة، وقد حدد هذه القضايا في "الخلاف بخصوص مثلث حلايب وشلاتين والصورة النمطية لدى الشعبين عن بعضهما، والتصور المشترك للتاريخ".