عشر سنوات مضت على الشرارة الأولى للثورة السورية، تلك الثورة التي أخرجت الملايين من الشعب السوري من سبات عميق، دام عقودًا طويلة، كانوا فيها أسرى نظام ديكتاتوري، جثم على صدورهم بالحديد والنار، واستحل حرمات بلد بأكمله من أجل ترسيخ حكمه واستتباب أركانه، ولو كان على أشلاء بني وطنه.

دفع الشعب منذ خروج الأهالي من المسجد العمري القديم بمدينة درعا صباح الـ18 من مارس/آذار 2011، الذي أسفر عن سقوط أول شهيد للثورة محمود قطيش الجوابرة، ثمن الدفاع عن حرية بلاده غاليًا جدًا، كلفه حياة ما يقرب من 370 ألف شخص، منهم 112 ألف مدني، من بينهم أكثر من 21 ألف طفل و13 ألف امرأة.

نزيف الضحايا لم يتوقف عند حاجز القتل العمد في جرائم وصفت بأنها "ضد الإنسانية" وفق المنظمات الحقوقية، فحسب، لكن من دُفعوا دفعًا لمغادرة البلاد خوفًا ورعبًا من ملاقاة مصير الرفقاء لم يقلوا معاناة عن الراحلين بأرواحهم، فلحظة واحدة من الرعب والهلع التي عاشوها في رحلة الخروج من وطنهم تساوي عشرات السنوات من الألم في الحياة العادية.

أكثر من نصف السوريين خرجوا من بلادهم هربًا من ساحات الدم والدمار، أملًا في إنقاذ ما تبقى من إنسانية وكرامة، إذ تشير التقارير إلى أن قرابة 13 مليون سوري نزحوا منذ اندلاع الثورة في 2011، وهو الرقم الذي يمثل نحو 60% من عدد السكان قبل الحرب.

كانت رحلة الهروب لأوطان غير الأوطان، وحياة دون الحياة، رحلة ملبدة بغيوم المشقة والألم، ورغم تلك السنوات الطويلة ما زال اللاجئون المنتشرون في أكثر من 45 دولة حول العالم، يواجهون مصاعب الغربة ولقمة العيش وسماسرة تهريب البشر، هذا بخلاف عداوة بعض المجتمعات العنصرية القادمين إليها.

وتعد مصر واحدة من أكثر الدول المحتضنة للفارين من ويلات الحرب في سوريا، فكانت قبلة الكثيرين منهم، نظرًا للتقارب التاريخي والثقافي بين البلدين، لا سيما على المستوى الشعبي، فكانوا أخوةً وأشقاءً، شاركوا المصريين أعمالهم وحياتهم المجتمعية، استثمارًا ومصاهرةً، فباتوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري، بل باتوا رقمًا صعبًا يستحيل التخلي عنه بسهولة، بعدما نجحوا في ترسيخ أركان وجودهم، اقتصاديًا على الأخص.

ورغم ما حققه السوريون من نجاحات عظيمة، فاقت في كثير منها ما حققه المصريون خلال السنوات العشرة الماضية، واستطاعة السواد الأعظم منهم بناء حياة مستقلة فوق التراب المصري، فإن آمال العودة للوطن لا تزال تخيم على الجميع، والإيمان بنجاح الثورة رغم ما يعتريها من عقبات هو العقيدة التي لا يمكن التشكيك فيها.

وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن عدد السوريين في مصر بلغ حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2018، نحو 242 ألف شخص، في حين تقول السلطات المصرية إن العدد يقترب من نصف مليون سوري، لكن ربما يكون قد تراجع خلال الأعوام الثلاث الماضية بسبب التضييقات الأمنية على الجاليات العربية المقيمة في مصر.

"صورة منزلنا وطائرات الأسد تقذفه بالقنابل لم تغب عن مخيلتي، وغرفة العشرين عامًا التي تحولت إلى حطام في لحظات لم أستطع نسيانها، لكنني حتمًا سأعود"

الأمل باق

"حين خرجنا قبل عشر سنوات كنا على يقين أننا نراهن بحياتنا من أجل مستقبل أفضل لبلادنا والأجيال القادمة، ولو كان لدينا ذرة شك واحدة في أن ما خرجنا لأجله لن يتحقق ما كنا خرجنا من البداية"، هكذا علق صهيب على مرور عشر سنوات على "ثورة الكرامة".

الشاب السوري، ابن الأعوام الأربعين، الذي يمتلك اليوم أحد المطاعم الشهيرة في منطقة فيصل بالجيزة، يؤكد أن إيمانه بالثورة لم يضعف رغم ما واجهته من تحديات وما تعانيه الآن من بطش نظام فاشٍ، كل ما يهمه هو البقاء في الحكم حتى لو ضحى بالشعب كله.

صهيب في حديثه لـ"نون بوست" يستعيد ذكرياته حين خرج أول مرة في مظاهرة حاشدة في منطقة درعا: "كان القلق يسارونا حين شاركنا أول مرة في الثورة، كان والدي يحذرني من خطورة ما أقوم به، لكن الأخبار الجيدة التي كانت تأتي إلينا من القاهرة وتونس كانت محفزةً لنا على استدعاء قطار الربيع العربي".

وتابع: "لم تمر أيام قليلة حتى تلاشى الخوف تمامًا من صدورنا، ورغم سقوط رفقاء كثر لنا برصاص جيش بشار الأسد، فإن ذلك كان يزيدنا إصرارًا وعزيمةً على مواصلة السير والثأر لشهداء الثورة، فإما النصر وإما مرافقتهم في الجنة إن شاء الله"، لافتًا إلى أنه بضغوط قوية من والديه اضطر لمغادرة الوطن بعدما دكت ميليشيات بشار منزله، وذهب للقاهرة.

الشعور ذاته يسيطر على رفيقه في المطعم، باسل، الذي أكد أن إيمانه بالثورة ونجاحها يزداد يومًا تلو الآخر، مؤمنًا بأن أشد لحظات الليل سوادًا تلك التي يليها ضوء الفجر، وفجر الثورة قادم لا محالة، حسبما يقول لـ"نون بوست"، منوهًا أن الثورة هي الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشك من وجهة نظره.

ويستنكر باسل من يسخرون من استمرار الروح الثورية في نفوس الشباب المؤمن بها رغم مرور 10 سنوات كاملة لم يحقق فيها الثوار أهدافهم التي خرجوا لأجلها، موضحًا أن الثورات مشروع وطني طويل، يحتاج لوقت أطول وأجساد قادرة على البلاء والصبر والتحدي، مختتمًا حديثه "سننتصر يومًا ما، وسنعود إلى بلادنا حاملين لواء الكرامة والعزة، حينها فقط لن يكون لعائلة الأسد أي وجود فوق التراب السوري".

سنعود يومًا ما

رغم ما حققه السوريون في مصر من نجاح اقتصادي كبير، فإن العودة للوطن حلم لا يمكن التخلي عنه مهما كانت المغريات، فاحتضان جدران المنازل المهدمة وتنسم غبار ركامها المتناثر أغلى من ملايين العالم كله، كما يصف جاسم الذي ترك بيته في حلب مكرهًا في 2014.

الشاب السوري الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين عامًا ويمتلك "محل حلاقة" في مدينة السادس من أكتوبر على حدود القاهرة، يؤمن تمامًا أن العودة لبلاده هي الحلم الذي يداعبه كل ليلة طيلة السنوات السبعة الماضية، ويضيف: "صورة منزلنا وطائرات الأسد تقذفه بالقنابل لم تغب عن مخيلتي، وغرفة العشرين عامًا التي تحولت إلى حطام في لحظات لم أستطع نسيانها، لكنني حتمًا سأعود".

يقدر عدد رجال الأعمال السوريين العاملين في المحروسة بقرابة 30 ألف شخص، ساهموا مع أول عام لهم في المحروسة 2012 في تأسيس 565 شركةً برأس مال قدره 164 مليون دولار، ثم ارتفع هذا العدد في العام التالي إلى 1254 شركةً، برأس مال قدره 201 مليون دولار

شقيقه باهي الذي يعمل معه في نفس المحل يقول رغم أن ما يحققه في مصر من مكاسب مادية يفوق كثيرًا مما كان يحققه في سوريا، فإن العبرة لا تقاس بالمال، لافتًا أنه يفتقد حياة العائلة الدافئة وعبق جدران بيته الذي كان يحيي بداخله ذكريات أجيال تلو الأجيال.

ورغم حالة الوئام والراحة التي يحياها الشقيقان مع المصريين، لا سيما بعد زواج أختهما من شاب مصري، ما حول الجميع إلى ما يشبه عائلة واحدة، فإن للوطن معنى آخر، أعمق من العلاقات الاجتماعية وأبقى من الروابط الأسرية وأقدس من المكاسب المادية، "لذا حتمًا سنعود مهما طال العمر" هكذا اختتم الأخوان حديثهما.

نجاح اقتصادي باهر

التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة قبل 3 أعوام كشف أن استثمارات اللاجئين السوريين في مصر تزيد على 800 مليون دولار، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى أن القيمة أكبر من ذلك بكثير، إذ لا يسجل السوريون أعمالهم أو يسجلونها تحت اسم مصري.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" استعرض الدور الذي لعبه السوريون عبر استثماراتهم الخارجية في دعم الاقتصاد المصري، إذ يقدر عدد رجال الأعمال السوريين العاملين في المحروسة بقرابة 30 ألف شخص، ساهموا مع أول عام لهم في المحروسة 2012 في تأسيس 565 شركةً برأس مال قدره 164 مليون دولار، ثم ارتفع هذا العدد في العام التالي إلى 1254 شركةً، برأس مال قدره 201 مليون دولار، بحسب وزارة الاستثمار المصرية.

ويمتلك رجال الأعمال السوريون المقيمون في مصر رأس مال يقدر بـ23 مليار دولار، تضخ في العديد من المجالات الاستثمارية أبرزها صناعات الإسفنج والورق والصناعات البلاستيكية والمنتجات الغذائية والنشاط التجاري والخدمي، بحسب رئيس رابطة تجمّع رجال الأعمال السوريين في مصر (أهلية) خلدون الموقع.

رغم التضييقات التي تتعرض لها الجالية السورية في مصر خلال السنوات الأخيرة تحديدًا، ولجوء السلطات المصرية لفرض المزيد من الرسوم والعراقيل فيما يتعلق بتجديد الإقامات وغيرها، فإن ذلك لم يعقهم عن مواصلة النجاح والتفوق

النجاح الذي حققه السوريون في مصر ربما يكون الأبرز مقارنة بالدول العربية الأخرى، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات والجدل لدى الكثيرين، لا سيما أن مصر تعد من أقل الدول من حيث نصيب المال السوري العامل خارج البلاد، فهي تستقطب نحو 23 مليار دولار استثمارات سورية، مقابل 26 مليار دولار في لبنان و25 مليار دولار في الأردن، حسب تقديرات الأمم المتحدة.

ورغم التضييقات التي تتعرض لها الجالية السورية في مصر خلال السنوات الأخيرة تحديدًا، ولجوء السلطات المصرية لفرض المزيد من الرسوم والعراقيل فيما يتعلق بتجديد الإقامات وغيرها، فإن ذلك لم يعقهم عن مواصلة النجاح والتفوق، ما أبهر خبراء الاقتصاد والمال في مصر وخارجها.

وبعد مرور عشرية كاملة على ثورة الكرامة، وفي الوقت الذي يحيا فيه السوريون في مصر بحالة رخاء اقتصادي، فإن الحنين للوطن هو الأثمن والأبقى، في ظل إيمان يملأ العقل والروح معًا أن الثورة ستحقق أهدافها يومًا ما وإن طال الوقت.