شهدت السعودية رسميًا منذ الثلاثاء الماضي 14 من مارس/آذار 2021 بدء العمل بنظام إلغاء الكفالة، أو كما أطلقت عليه وزارة الموارد البشرية والتنمية السعودية "خدمة التنقل الوظيفي التي تتيح للعامل الوافد الانتقال عند انتهاء عقد عمله من دون الحاجة لموافقة صاحب العمل" وذلك في إطار مبادرة تحسين العلاقات التعاقدية التي أُطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وكانت المبادرة التي بدأت إرهاصاتها الفعلية عام 2012، وصيغت بشكل شبه نهائي العام الماضي، مثار نقاش عريض داخل الأوساط المجتمعية والحقوقية، داخل السعودية وخارجها، لا سيما أن نظام الكفالة الصادر عام 1951 كان أحد الأبواب الواسعة لتعرض المملكة لانتقادات لاذعة من جماعات حقوقية باعتباره شكلًا من أشكال الاستعباد القسري، حسبما ورد في تقرير لوكالة Bloomberg.

إصرار السعودية على التمسك بهذا النظام بكل مساوئه، والإبقاء عليه رغم إلغائه في العديد من الدول الخليجية الأخرى، كان مثار جدل كبير، عن الدوافع والأهداف وراء هذا الموقف المستهجن دوليًا، ما فتح الأبواب أمام التكهنات الخاصة بتعمد خرق المواثيق الحقوقية تحقيقًا لمآرب أخرى.

القرار لا شك أنه يمثل نقلة نوعية في هذا الملف الشائك إلا أن هناك الكثير من التساؤلات والنقاط بشأن جدواه الحقيقية في ظل ما يعتريه من أوجه قصور عدة، وصفها حقوقيون بأنها ستجهض هذا التحرك في ضوء فقدانه الفلسفة التي قام لأجلها وهي ضمان حقوق كل العاملين الوافدين.

يذكر أن عدد العمالة الأجنبية في السعودية تجاوز حاجز الـ10.5 مليون عامل، يشكلون قرابة ثلث سكان المملكة، ويعتبرون ركنًا أساسيًا في منظومة الاقتصاد السعودي، وأحد أبرز سواعده خلال العقود الثلاث الماضية، رغم الادعاءات بين الحين والآخر بأنهم سببًا رئيسيًا في رفع نسب البطالة بين السعوديين.

خطوة مهمة للسعوديين والوافدين معًا

النظام الجديد يعد خطوةً إيجابيةً للوافدين والمواطنين في آن واحد، ففي النظام القديم كان يحق للكفيل "احتجاز جواز سفر العامل واشتراط موافقته على استقدام العامل لأسرته أو طلب التصريح له بالحج أو الزواج أو زيارة أحد أقاربه في منطقة أخرى داخل السعودية ومسؤوليته الشخصية بسبب تصرفات العامل الوافد خارج إطار العمل".

أما في التعديل الذي دخل حيز التنفيذ قبل أيام فإنه يحق للعاملين الوافدين الخروج والعودة والخروج النهائي والتنقل الوظيفي من عمل لآخر دون الحاجة لموافقة صاحب العمل، وتشمل العقود القائمة والمنتهية والحالات الاستثنائية التي ليس لها عقود أو الذين لا يحصلون على رواتبهم.

ومع ذلك لا يتمتع بتلك المبادرة الجديدة إلا من تنطبق عليه عدة شروط أبرزها أن يكون الوافد ضمن العمالة المهنية الوافدة الخاضعة لنظام العمل، وأن يمضي 12 شهرًا على الأقل لدى صاحب العمل الحاليّ منذ دخوله السعودية، هذا بجانب تقديم العامل إشعارًا لصاحب العمل إلكترونيًا، بطلب نقل الخدمة قبل 90 يومًا من الانتقال أو عند الرغبة في إنهاء العلاقة التعاقدية.

إلغاء نظام الكفيل سيكون له أبعاد إيجابية على العمال السعودية كذلك، أبرزها خفض معدلات البطالة، فكثيرًا ما كان يشكو السعوديون من تفاقم نسب البطالة بينهم بسبب كثرة العمالة الوافدة، إذ أعطى نظام الكفيل مزايا للوافد الأجنبي لدى أصحاب الأعمال على حساب المواطن.

كما كان يرسخ نظام الكفيل ممارسة الشركات التي توظف عمالًا أجانب أرخص وأكثر قابلية للاستغلال بسهولة، وهو ما كان له أثره السلبي على منظومة الأجور والرواتب بالنسبة للعمالة الوطنية، إضافة إلى أن إلغاء هذا النظام سيقضي بصورة أو بأخرى على السوق السوداء لبيع التأشيرات.

60% من الوافدين لا ينطبق عليهم القرار

بحسب المبادرة المقرة نهاية العام الماضي، فإن قرار إلغاء نظام الكفيل لا ينطبق على 5 مهن من العمالة الوافدة وهي السائق الخاص والحارس والعمالة المنزلية والراعي والبستاني، وهي التي تشكل في مجموعها 59% من العاملين في القطاع الخاص السعودي وفق تقرير "هيومان رايتس واتش Human Rights Watch" في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

المنظمة كشف أن هناك 3.7 مليون عامل منزلي في المملكة، يقصد بالعمالة المنزلية وفقًا لنظام العمل السعودي "العاملون غير السعوديين من الجنسين الذين يعملون في المنازل ويشمل: الخدم وعمال التنظيف والطباخين ومقدمي الطعام والسائقين والحراس والممرضين والمدرسين الخصوصيين في المنازل، هذا بخلاف 800 ألف سائق خاص.

في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي نشرت المنظمة الحقوقية بيانًا استعرضت فيه 5 عناصر رئيسية يجب على السعودية إنهائها بشكل كامل حتى يمكن الاستفادة من تلك المبادرة، وهي: إلزام العامل الوافد بأن يكون لديه صاحب عمل يكون كفيله لدخول البلاد، السلطة التي لدى أصحاب العمال لتأمين وتجديد تصاريح إقامة وعمل العمال الوافدين وقدرتهم على إلغاء هذه التصاريح في أي وقت.

علاوة على اشتراط حصول العمال على موافقة أصحاب العمل لترك وظائفهم أو تغييرها، جريمة "الهروب"، التي بموجبها يمكن لأصحاب العمل الإبلاغ عن اختفاء العامل، ما يعني أن العامل يصبح تلقائيًا دون وثائق ويمكن اعتقاله وسجنه وترحيله، وأخيرًا، اشتراط حصول الوافدين على موافقة صاحب العمل لمغادرة البلاد في صيغة تصريح خروج.

"إذا أرادت السعودية إلغاء نظام الكفالة، عليها معالجة كل عنصر من هذه العناصر، والتأكد من أن جميع العمال الوافدين قادرون على دخول البلاد أو الإقامة فيها أو مغادرتها دون أن يكونوا تحت رحمة صاحب العمل الفردي أو الشركة"، هكذا اختتمت المنظمة بيانها، مضيفة "بُنيت ثروة السعودية واقتصادها على ظهر ملايين العمال الوافدين، وحان الوقت لتغيير جذري بمنحهم الحماية القانونية وضمانات الحقوق التي يستحقونها".

الأزمة ما زالت قائمة

رغم ما تحمله تلك الخطوة من أبعاد إيجابية، فإنها لم تنه الأزمة بشكل كامل، فالفئات المستثناة من النظام الجديد هي الأكثر عرضة للانتهاكات وفق التقارير الحقوقية الواردة بهذا الشأن، الأمر الذي ربما يجهض المبادرة من مضمونها ويضعها في إطار آخر أقرب للتسويق السياسي منه للإصلاحات الحقوقية.

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، نشرت "هيومن رايتس ووتش" شهادات 7 عمال منزليين وافدين من باكستان والهند يعملون في السعودية كسائقين لأصحاب عمل هناك، في مناطق الرياض وجدة والدمام، إذ أفادوا بتأخر الرواتب وتقليصها بين الحين والآخر، فضلًا عن إجبار أصحاب العمل لهم بالعمل لساعات طويلة وتوجيه إهانات لفظية وبدينة لهم.

العمال قالوا في شهادتهم إنهم أجبروا على العمل 18 ساعة يوميًا، دون أي عطلة أسبوعية، فيما قال العامل الهندي إن صاحب العمل يرغمه على فعل أشياء ليست من اختصاصات عمله كسائق خاص، فتحول مع مرور الوقت إلى عامل نظافة وساعي بريد وخلافه.

ويضيف العامل "عندما لا يعودون بحاجة إليّ لتيسير أمورهم الخاصة، يرسلونني إلى منزل شقيقة صاحبة المنزل لتدبير أعمالها. يتصرّفون كأنهم يمتلكونني، لذا عليهم الاستفادة مني في كل لحظة، في أغلب الأيام، لا يكون لدي وقت لتناول وجبة غداء مناسبة"، حسبما نقلت المنظمة الحقوقية عنه.

أما عن سبل امتعاض العاملين الوافدين وإمكانية تقديم شكاوى في مكتب العمل، فيقول العمال إنهم توجهوا أكثر من مرة لمكاتب العمل الحكومية للشكوى مما يتعرضون له من انتهاكات تتعلق بالرواتب والانتهاكات النفسية والجسدية، لكن النتيجة صفرية "لا جدوى من الذهاب إلى مكتب العمل، الرجال هناك أكثر فظاظةً وأقل تعاونًا من صاحب العمل" وفق تعبير أحدهم.

ماذا بعد؟

وفق الهدف المعلن من المبادرة عند تدشينها فإنها تهدف إلى تحسين أوضاع العمالة الوافدة بما يتوافق مع مواثيق حقوق الإنسان، وما لذلك من أثره البالغ في دفع الاقتصاد السعودي للأمام، لكن بصيغتها الحاليّة فإن الهدف لم يتحقق بعد، فالنسبة العظمى من الوافدين لم ينطبق عليهم النظام الجديد.

وبحسب شهادات العديد من العمال لـ"نون بوست" فإن هناك تخوفات من التحايل على التعديلات الجديدة فيما يتعلق بالعقود والرواتب والضوابط المقرة، بما يضع العامل الأجنبي بين خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع لإملاءات رب العمل الجديد، حتى لو كانت شركة فهي مملوكة في نهاية الأمر لمواطن سعودي، وهو ما يعني العودة لنظام الكفيل بشكل مقنن، وإما مواجهة سيناريو الفصل أو الإجبار على تقديم الاستقالة، حال تغريده خارج سرب مزاج صاحب العمل، في ظل غياب المنظومة التشريعية التي تحفظ للعمالة الوافدة حقوقها وكانت مثار انتقاد كثير من الحقوقيين.

وبالعودة للوراء قليلًا فإن الدافع الأبرز للإعلان هذه المبادرة كان تبييض وجه المملكة وغسل سمعتها الحقوقية بعد الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها بين الحين والآخر بسبب هذا النظام الموصوف لدى المنظمات الحقوقية بـ"العبودية والاسترقاق".

وكان العاهل السعودي قد اتخذ على مدار العامين الماضيين تحديدًا حزمة من الإصلاحات في بعض الملفات التي كانت مثار انتقاد دولي، خاصة المتعلقة بحقوق المرأة وتقليم أظافر التيار الديني، بجانب حقوق العمال، لكنها الإجراءات التي حققت ترويجًا إعلاميًا ودعائيًا لا يتناسب مطلقًا مع صداها على أرض الواقع، إذ إن معظمها جاء فاقدًا للمضمون.

ففي الوقت الذي رفعت فيه المملكة شعارات حقوق المرأة وأقرت بعض المسائل الشكلية في هذا الشأن، كالسفر دون محرم أو قيادة السيارات، نجد أن هناك العشرات من ناشطات حقوق الرأي يقبعن خلف السجون، الأمر كذلك مع العلماء ورجال الدين والمفكرين، إذ اتضح أن الهدف الخفي من وراء تلك التحركات كان ترميم الصورة المشوهة لولي العهد الذي بذل الكثير من أجل تقديم نفسه للغرب كأمير إصلاحي.

وفي المحصلة فإن قرار إلغاء نظام الكفيل يمثل نقطةً مضيئةً في مسار حقوق العمال الوافدين، ونقلة نوعية يتوقع أن يكون لها تبعات إيجابية على الأجانب والسعوديين في نفس الوقت، لكن في الجهة الأخرى فإن الاحتفاء المبالغ فيه بهذا التحرك يصطدم بشكل واضح مع الثقوب التي تعتري جدرانه وقد تفرغه من مضمونه بعدما استبعد 60% من المستهدفين من القرار الذي ما صدر في الأساس إلا لأجلهم، الأمر الذي ربما يثير شكوك البعض في دوافعه الحقيقية، فيما كان إصلاحًا حقيقيًا أم إجراءً شكليًا.